بيان الاربعاء: رسالة د. غازي للدكتور الترابي جاءت في مرحلة حساسة وحرجة لذلك نرى من الواجب الوقوف عند توقيتها ومفرداتها والتعرض لبعض ملامحها العامة لاهميتها: ـ جاء توقيت الرسائل المتبادلة في وقت افصحت فيه الولايات المتحدة عن تفاصيل مشروعها لتحقيق السلام في السودان عبر خطوات واضحة ومحسوبة مستخدمة اساليب الترغيب والترهيب «العصا والجزرة» وقد وردت بالنص في تقرير دانفورث بهدف دفع النظام الحاكم في السودان طوعا او كرها لتقديم اكبر قدر من التنازلات ففي الوقت التي تتحدث فيه الادارة الاميركية عن تعاون حكومة السودان معها في مجال مكافحة الارهاب تقرر الادارة نفسها استمرار العقوبات التي فرضتها على السودان وبقاء اسم السودان في قائمة الدول الداعمة للارهاب حتى قرار ترفيع البعثة الدبلوماسية الاميركية في الخرطوم فسر اميركيا بانه تم استجابة لتنامي عدد الاميركيين المتواجدين فيها بمعنى ان ظروف العمل هي التي فرضته!!. ـ عجز الحكومة والمعارضة خاصة المعارضة الشمالية ادى الى تعظيم دور الحركة الشعبية والى ظهور قوى جديدة متحالفة معها لها موقف معلن وموثق من الانقاذ بجناحيها. ـ عجز النظام عن معالجة ازماته السياسية والاقتصادية والامنية وما حدث في دارفور فيه ما يؤكد هذا المعنى دفعه للتفتيش في الاوراق القديمة عله يجد مخرجا. ـ الهجوم المتواصل على المؤتمر الشعبي في المنابر العامة واعتذاره المتكرر عما حدث من ممارسات في مرحلة مشاركته في السلطة وان تشكك فيه البعض ادى الى فتح الكثير من الملفات الحساسة. ـ القضايا التي كانت محورا للخلاف «بين القصر والمنشية» اختيار الوالي كمثال عادت من جديد وان تم حسمها بقرار فوقي من مجلس الشورى فهي مرشحة للظهور مرة اخرى. ـ التعديلات الدستورية وهي التي قوبلت بالرفض حتى من المقربين للنظام لها مردودها السلبي عليه. ـ تعثر محاولات ادخال حزب الامة في معادلة السلطة كي يكون طرفاً في معاركها. ـ استمرار الحرب وتنامي كلفتها المالية والاجتماعية خاصة ما يتعلق بتأمين منابع البترول وخطوطه. ـ ردود الفعل الرافضة للوجود الأوغندي في جنوب السودان وما اضافه من متاعب جديدة للمواطنين الذين هدهم الجوع ورصاص ابناء جلدتهم الان حصدهم رصاص الغرباء ايضا. ـ التقرير الذي نشر اخيرا في الشرق الاوسط عن اعتراف ثلاثة من المشاركين في محاولة اغتيال الرئيس حسني مبارك سنة 1995م توقيته والتفاصيل التي جاءت فيه دليل اخر على ان هذه القضية لن تموت وسوف يتم استثمارها لاطول فترة ممكنة. الملامح العامة لرسالة د. غازي يمكن ابرازها في النقاط الآتية: ـ لم تتعرض الرسالة بالنقد لتجربة حكم الانقاذ مع كل ما اصاب البلاد من انهيارات متتابعة وفي كل المجالات، حتى وحدة الصف الوطني وهي الاسمى ولها الاولوية المطلقة جاءت في متن الرسالة كمظلة لتوحيد الحركة الاسلامية. ـ الحرب الاهلية وهي القضية المركزية بسببها تعرضت البلاد لمخاطر لم تهددها في وحدتها فحسب بل في وجودها، اختزلت في كلمات هي مطالبة المؤتمر الشعبي بعدم مواصلة الحوار مع الحركة الشعبية. ـ اهتمت الرسالة بتجديد الانقاذ وبامتلاك اعنة القوة والتمكين في الاقتصاد والاعلام وحركة الجماهير واستعادة الشوكة.... هنا يجب ان يطرح سؤال مهم هو هل يعني هذا التراجع عن الانفتاح النسبي والرجوع الى مرحلة الاستئصال والتحكم في الناس بآليات السلطة؟ ـ العالم كله يتحدث عن الشفافية والقوة السياسية في السودان متهمة بانها لا تحترم ما توقعه من اتفاقات وفي تقرير دانفورث اشارة بان المواثيق والاتفاقيات المكتوبة في السودان لا قيمة لها في رسالة د. غازي تأكيد لهذا الاتهام فيها مطالبة بان يجمد المؤتمر الشعبي اتصالاته بالحركة الشعبية على ان يتم ذلك دون اعلان!!. ـ في الوثيقة اعتراف بان الحريات تمنح من السلطة فهي مشروطة برضا الحاكم. ـ من يحكم السودان سؤال ظل يردد كلما صدر قرار لا يسنده منطق ـ البعض يتحدث عن تنظيمات موازية هي التي تملك سلطة اتخاذ القرار اما المؤسسات الرسمية فهي واجهة لاصداره في الوثيقة اشارة لكيانات تنظيمية ظاهرة ـ الطلاب ـ الفئات ـ الشباب وفيها اعتراف بوجود اخرى مستترة كالامن الشعبي وما في حكمه!!. رسالة د. غازي واضحة فهي مهتمة باخراج النظام من ازمته وهو امر طبيعي لرمز من رموزه ولكن ما قدم من مقترح يعطى الاولوية لاعادة بناء الحركة الاسلامية على حساب الوطن ولتمكينها على حساب الغالبية من ابنائه على ان يتم كل هذا في اطار محوره اهل النظام اما الاخرون الذين يتم استدراجهم فهم مجرد هامش لهم ما دون السلطة من المواقع والمغانم اما السلطة فلا. نعم محاولة جمع الصف والتوحيد امر مطلوب في الحركة الاسلامية وفي غيرها من احزاب السودان فنحن في حاجة الى احزاب قوية ومتماسكة ولكن ان يتم هذا بهدف الاستمرار في احتكار السلطة والوصاية فهو امر مرفوض. لقد أحدثت الرسالة والرد عليها ربكة داخل المجموعة الحاكمة الامر الذي دفع د. غازي للتعليق والرد وان اقتصرت كلماته المختارة عن ما اراده لها. رد الدكتور الترابي: في رده بتاريخ 30/4/2002م اكد د. الترابي وقوفه وزملائه بجانب الحق وعلى مجاهداتهم لبلوغ المقاصد العليا بعدها تحدث مبررا مواقفه قبل الانقسام جاء في الرسالة ما نصه: ما طاوعته ولا بارزته امرا من ذي بأس متمكن بل التمست الارجاء حتى يفصل مؤتمر الشورى بالمعروف والاجراء بالقسط في المقامات والمواقع، حتى تنتظم التولية بالخيار الغالب كله بحيث يقضى الحكم حكومة. ايمان الشيخ بالحوار لم يمنعه من وصف ما هو فيه اذ قال تقابلنا اليوم في فراش العلة وفي محبس الذلة، وهو امر مخالف لما عرف عن الحركة الاسلامية التي لم تفعل هذا حتى مع اهل مايو. نقطة ثانية تعرضت لها الوثيقة «رد الترابي» محورها العلاقة بين الحركة والدولة. فالثانية بنت الاولى ولكن البنت تمردت على الام معتمدة على شوكتها ارهابا وعلى طاعتها ثوابا. وهذا لا يعفي الام من مسئولية وعاقبة عن كسب بنتها بسبب الولادة والحضانة والتربية. الوثيقة لم تقف فقط عند الحاضر الذي اهتمت بتشريحه بل تعدته لتراث المسلمين وتاريخ السودان المعاصر، مجتمع المسلمين الاول الذي تكاثر كما وما تزكى كيف يسأل عن ضعفه الذي مكن منه معاوية يغلب ويسلب ويضل بسنة الخلافة الراشدة ـ اما في السودان فقد اتاحت جهالة الجماهير مع صدق توجهها في المهدية الفرصة لعصا الخليفة الغليظة المنفرة ان تفسد مالات السيرة المهدية المنتشرة. ولولا هوان المجتمع السوداني القليل الثقافة والتقوى والعليل العزائم والبنى لما ظهرت عليه نظم الجبروت العسكرية ولا السيادة الطائفية التي غرزت رواتب العصبية باستغلال موائد السلطة ومكائدها. لم يقف الشيخ الترابي في نقده اللاذع عند تاريخ المسلمين وعند حاضر السودان وماضيه، تجاوز كل هذا لنقد الحركة التي لعب دورا في تطويرها وفي برامجها وسياساتها خارج الحكم وداخله في المراحل المختلفة الى ان وصلت الى مرحلة احتكرت فيها السلطة وتحكمت في مفاصلها مع نفي الاخر واستئصاله، عن الحركة الاسلامية جاء في الوثيقة النص الآتي: حركتنا الاسلامية كانت ضئيلة الفقه والتجربة لفتن السلطان واخذت تنبسط فانغمر رشدها وتقواها بافواج جاهلة من الجماهير واسراب من ذوي النفاق والهوى. وقد شدد الله الموعظة على داود وسليمان ومحمد عليهم السلام من فتنة السلطة ولكن ذكر رعاياهم المؤمنة وضاعف نذر العذاب على المستكبرين ولكن لم يسلم المستضعفون، والايات بينة وان طوى بعضها المفسرون. النقطة الثالثة المهمة في وثيقة د. الترابي فيها اشارة لاهتمام د. غازي بالتذكير لاصول الخلاف ودقيق المقاسمة في تنظيم المصالحة وبالغ التعويل على نصوص العهود في ورق الصحائف وان اهل الحركة يؤثرون الوحدة بعاطفة الموالاة وطوفانها على قضايا الخلاف والخصام وتوزيع الملام، لكن حبل الوحدة المتين الثابت هو الاجماع المتجدد على اصول المذهب والا لكانت الجماعة عرضة لان تغلب فيها اهواء العصبية على هوادى الحق الضابطة ولان تطرأ عليها فتن الظروف المتقلبة بها ويتطاول الزمان فتنسى ذكرى الوفاء، او تمتد صفوفها مرآة تعتم رؤية المعروف والمعهود من الوجوه المتاخية تلك محاذر كلها ظواهر في العصبية الطائفية الدينية المعهودة مرضا اصاب اوساط المسلمين وحرام على الحركة الاسلامية المتجددة ان لا تتعظ وتتقي ما اصاب القديم. النقطة الرابعة: عنوانها ترتيب قويم فيها جاء بالنص: ان اهل الايمان والعلم المتفكر يتشاورون ليعقدوا اجماعا بين الرؤى ثم يقيموا بذلك سلطانا في الواقع ولكن عرف تاريخ الاسلام وسائر مذاهب البشر كيف انقلب الترتيب وعلا ذوو السلطة. اما نحن الاخوان فقد عهدنا الدرس قبل الانبساط في المجتمع ثم التمكن من السلطان والمال العام... امامنا خيارات بعضها فرقان يذهب بالخلاف الى شقاق بيّن وبعضها مذاهب اجتهاد تتفارق بها الاحزاب وتتنافس في اطار تواطن متسالم. اما الداعون لفرض السلطان والنظام العام عنفا، تلك محادة لا موادة فيها ولا سلام الا لغلبة القوة واستسلام الضعف المستخف او لضرورة المصابرة لعاجل الاجل. واراكم تسارعون في احكام الدستور بما يكثف السلطات بيد الامير الواحد تنيحون الى خلافة المسلمين غير الراشدة وسالفة الغرب وتركزون حكم البلاد جنوحا بموازين المقاسمة الاتحادية المسنونة بقدوة المدينة والمعهودة في مواقف الحركة والمعروفة في العالم. وذلك يباعد بيننا المذاهب ويؤنس من رجاء الائتلاف فالوحدة. النقطة الخامسة: مبتدأ الوفاق الوفاق ان يتراضى الناس وتتطايب النفوس ويتعافون ويرجعون الى قرار الشورى وخيارها والاجماع الغالب، لا يجتمع المؤمنون تبعا وحوارى لشيخ ولا طاعة ذليلة لامير، ان وحدة الحركة مبتلاة بتركيبها شريحة من المثقفين وجمهور من عوام كالشيوخ والسواد الاعظم في المجتمع التقليدي. وبدأت تظهر فينا طبقات المعاش كأغنياء الامة في عهد النهضة وفقرائها.... ولئن توحدت الحركة اخوة وسواء بالاصول لا يتفاضلون ولا يتعازلون الا بموازين التقوى ومكاسب الخير. النقطة السادسة: مشروعية مجزوءة: فيها تحدثت الوثيقة عن الحكومة الانتقالية وصفتها بانها ولاية بغير تفويض من الشعب مصدر السلطة الارضية بحكم الشرع دينا والعرف دنيا ـ فان من تختاره لتوليه الزعامة السياسية لا يغنى عن المرجع لذلك ينبغي ان لا تقوم تلك الحكومة الا لضرورة الانتقال موقوتة «باعجل ما تيسر» عبارة صدق لاشعار وحسبت ان رأيك كان مع الشورى العامة من ذلك العهد الذي احتدم فينا الجدل، كان عزم الحركة استهداء بالشرع ووفاء بخطتها المعهودة... اما الرأي في الانتقال بادراج الوزراء عنوة في التآمر بقوة وشهوة من المستوزر المستعجل فانه يخرج حكومة متهومة من شارك فيها بالجبروت وبالمنافقة، ذلك يؤخر نموذجنا المخطوط... لا مجال لسوق الناس تحت وطأتنا الى الانتخابات العامة فانهم بما عهدوا فينا من سنوات اضطهاد الحريات واستلاب في الانتخابات مرتابون بان امرنا كله مدبر مزور والفصل العادل بين الناس لا يتولاه مشبوه... ومن الخير القيام بالقسط والشهادة البينة في سبيل عرض مشروع الاسلام العدل السوي دعوة له ليمضي بالديمقراطية طوعا لا كرها، ان الاثبت لنظام الاسلام ان نقيمه بالحسنى والرضا لا بالقوة التي بيننا فتنة مضلة عن الحق. النقطة السابعة: جاءت فيها افادة مفصلة عن جنوب السودان نجملها في الآتي: تحدثت الوثيقة عن قومية الحكم الذي ينبغي ان تتداعى اليه كل القوى السياسية من الشمال والجنوب وفيها ايضا اعتراف بالازمة السياسية التي لازمت الجنوب منذ الاستقلال وما انفكت مستعصية ونبهت الوثيقة الى دور الحركة الاسلامية ومبادراتها. فهي الاسبق للقومية بادخال الجنوبيين في تنظيمها وهي التي قادت الحوار معهم في الستينيات كبديل للمواجهات واقترحت الحكم الاقليمي والفيدرالية اما المبادرة الاخيرة في جنيف فهي لا تختلف عن سابقاتها وان ترتب عليها بعض الضرر والاذى على قادة المؤتمر الشعبي، فقد كان لها مردود ايجابي على الاسلام في اوروبا بعد ان دافع عنها قادة من الجنوب وفي الوثيقة اعتراف بان جنوب السودان طوال سنوات الانقاذ ظل دار مظالم لا يعرف عامة اهلها علما ولا عافية ولا امنا ولا معاشا وان ما عرفت نخبة منهم مغنم الوظيفة السياسية وعرفنا نحن في الحركة الاسلامية احياء سنة الجهاد التي لامستنا جميعا حتى في الاعزة والخواص. اعترفت الوثيقة ايضا بان مفتاح الحل لكل مشاكل السودان في التحول نحو الديمقراطية جاء فيها ما نصه: رد المظالم عدلا لا يقام وفتح رجاء النماء لا يرام الا في الديمقراطية وان من احتكر السلطة والثروة العامة دون الشمال لن يوزعها الى اولئك المبعدين المستضعفين. ازالة مناخ التوتر في نظر الدكتور الترابي في غمد سيوف الجبروت واستمرارية الحوار.