أكلنا أوراق الشجر وشربنا المياه الملوثة وشاهدنا إخواننا ينزفون حتى الموت وسنكون شهداء غزة إذا ما قام جيش الاحتلال الصهيوني باجتياحها ، كما فعل بالضفة، بهذه الكلمات استقبل مبعدو المهد العتبات الاولى لغزة بعد ان تم ابعادهم الى القطاع على اثر صفقة لم يكشف عن تفاصيلها الكاملة، وان كان الجميع قد شاهد نتائجها.. هذا الابعاد الذي سجل اول حالة تهجير بموافقة فلسطينية رسمية، مهما حاولت ادوات السلطة تلطيفه او تدوير كلماته ليصبح مقبولا. وبهذه الكلمات ايضا أكد الفلسطينيون انهم مستعدون لمواصلة النضال والمقاومة، الا أن البعض له رأي آخر سواء كان البعض السلطة او العربي أو الدولي. قام مدير مخابرات إحدى الدول العربية الكبرى منذ اندلاع انتفاضة الاقصى بثلاث زيارات الى الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، إلا أن الزيارة الاخيرة له كانت مميزة للغاية، فقد خصصها لمساعدة السلطة على تشكيل جهاز امني موحد حيث جاءت هذه الزيارة بعد دعوة البيت «الابيض» في واشنطن و«الاسود» في تل ابيب بضرورة توحيد المؤسسة الأمنية الفلسطينية بحيث تكون تحت قيادة رجل واحد «مقبول». الا أن فصائل المقاومة الفلسطينية قالت إن هذه الجهود تستهدف تفكيك خلايا المقاومة وفق سياسة الخطوة خطوة المعتمدة اسرائيليا منذ القرن الماضي من خلال انشاء «قبضة حديدية» أمنية تقوم على الاحاطة بالمقاومة الفلسطينية وشل حركاتها. فهل يمكن توحيد الامن الفلسطيني ووضعه في سلة رجل واحد «مقبول» اميركيا؟ هذا السؤال يجيب عليه كل من: عضو المجلس التشريعي الفلسطيني عباس زكي ورجل الامن الاردني السابق مدير مخابرات محافظة الزرقاء محمود الخرايشة، وعضو الحكومة العسكرية الاردنية عام 1970 عدنان ابوعودة، اضافة للكاتب والصحفي الاسلامي ياسر الزعاترة. كيف يمكن قراءة هذا المشروع في سياق النهج الاسرائيلي؟ وفق الرؤية الفلسطينية نفسها فإن الامر يبدو كارثة حقيقية، ونقرأ ذلك في تأكيد عضو المجلس التشريعي الفلسطيني وأحد أبرز مسئولي حركة فتح عباس زكي الذي اشار الى ان فشل شارون دفعه للمحاولة في الوقت الحاضر وعبر عباءات الاخرين ومن خلال بوابة الملف الامني انجاح هذا المشروع على الطريقة الاسرائيلية. عباس زكي ذكر ايضا ان التعامل الفلسطيني وفق هذه الرؤية او وفق النهج الاسرائيلي سيكون كارثة محققة على الفلسطينيين. الا انه بدا مطمئنا الى ان هذه الخطوة لن يكتب لها النجاح ويقول: «لدينا كادر امني فلسطيني عاش كل ما عاشه الشعب الفلسطيني من مصائب وكوارث ومعاناة وهو يستطيع ان يحلل الامور وفق منظور المصلحة الفلسطينية، ولا يمكن ان تنجح اسرائيل في تمرير هذه الخدعة عليه، فطالما هناك احتلال، يتذكر الفلسطينيون في كافة مواقعهم وبصورة يومية كل الظلم والجور الواقع عليهم. ومن هنا ـ يقول زكي ـ نحن لا نتوقع نجاح هذا المخطط مهما صرفوا عليه من اموال طائلة، ويستخف القيادي في حركة فتح بالعقل الأميركي الإسرائيلي الذي يعمد إلى خلق عناصر فلسطينية وفق الكيان الذي يرغب به. ويقول إن الفلسطيني له قضية ولا يمكن تحت أي ظرف من الظروف تسخير ادوات غريبة عنه لتغريب الناس وتجهيلها عن قضيتهم، مشيرا إلى أن الفلسطينيين يتمتعون بحس عال من الوعي في قضيتهم، وان كل الذين تم اكتشاف تعاملهم مع الإسرائيليين اعدموا بابشع ما يكون الاعدام وعلى الطرقات، ذلك أن احدا من الفلسطينيين لا يستطيع التعامل مع المشروع الأميركي الإسرائيلي أو تبنيه، مشددا على أن هذه المشكلة طويلة ولن تجد من يرغب في التعامل معها. أما فيما يتعلق بقضية وحدة الاجهزة الأمنية فعباس زكي يتوقع انه كما اعترى مؤسسات السلطة من فوضى وارباك فقد اعترى مؤسسات الأمن الفلسطيني، ويعترف أن اعداد افراد وكوادر الاجهزة الأمنية الفلسطينية في الماضي كان مذهلا، مشيرا إلى أن هناك الكثير من التجاوزات التي تم ممارستها من خلال استباحة لكرامات الناس واموالهم. وقال من المؤسف للغاية أنه في الوقت الذي نفهم الأمن في أي بلد بأنه الذي يأتي لحماية المواطن، إلا أن الأمن الفلسطيني في مرحلة من المراحل تحول إلى خطر على المواطن، خاصة وانه لم يلعب أي دور تجاه إسرائيل إلا عندما بدأت الانتفاضة، حيث سجلت بعض النماذج المشرفة من كوادر قوات الأمن الفلسطيني بطولات رائعة. ويقول زكي أنا مطمئن أن كل تلك التجاوزات سنتمكن من السيطرة عليها إن تمكنا من توحيد الاجهزة الأمنية ووضع رؤية محددة لطبيعة ومهام أي كادر عسكري. ويضيف: ان العسكرية هي رمز السيادة لاي بلد، ولا يجوز أن يكون بين افراد الأمن شخص مستبد أو مرتش، أو يمارس الأتاوة على المواطنين. ولا شك بحسب قول عضو المجلس التشريعي الفلسطيني أن سر تدمير اية تجربة في العالم هي تسيب الأمن، مشيرا إلى أن نماذج الدول التي كانت تدعي الاشتراكية والشيوعية تحوّل جنرالاتها إلى رأسماليين كبار، ثم تحولوا في النهاية إلى مطاردين في اكثر من مكان، مؤكدا أن ولادة الدولة الفلسطينية لا بد أن ترفض البدء من الشيخوخة والعجز. وقال: لدينا ضباط أمن اساءوا للغاية، ولكن الشباب غسلوا بدمائهم ما لحق بالمواطنين من غبن. وتمكنت اجهزة الأمن الفلسطينية في النهاية إلى التحول إلى النضالية الفلسطينية لان الشهيد يغطي عجز واخطاء اربعين كادراً حد قوله.ومن هنا ـ يقول زكي ـ آن الاوان في هذه الفترة ونحن في ظل هذا التوازن أن تكون الدعوة جادة لأمن له قوانينه ومهامه دون الاعتداء على الناس والتزامه بصلاحياته فقط. ويؤكد عباس زكي أن الفلسطينيين يستطيعون وفي هذه الفترة بالذات الخروج من موضوع الأمن بذكاء شديد دون أن يكون هناك أي شائبة عليه.. في إشارة إلى ما يقوله الإسرائيليون من انهم يريدون امنا فلسطينيا يخدم دولة إسرائيل. ويضيف إن حفظ الأمن للآخرين يتطلب سيادة فلسطينية كاملة على الدولة والارض الفلسطينية، فان كانت هناك سيادة على مرافق الدولة الفلسطينية بجميع اشكالها فان مؤسسة الأمن الفلسطينية ستكون مسئولة بالتأكيد عن حماية الآخرين في إشارة إلى اسرائيل، موضحا انه من غير المقبول أن تتم ممارسة الأمن من قبل اليد الفلسطينية وما زالت الدبابة الإسرائيلية تلاحق الإنسان الفلسطيني. ويشدد زكي انه إذا ما تحققت السيادة الفلسطينية فان من يقترف أي جريمة ضد الإسرائيليين على اراضينا الفلسطينية فاننا سنقوم بمعاقبته وفقا لتوفر اركان الجريمة. أما أن تقوم إسرائيل باخبار اجهزتنا الأمنية أن هناك شخصاً يجب القاء القبض عليه ومن ثم يتم ملاحقته عبر اجهزتنا الأمنية، فهذه قضية خطيرة ومرفوضة. ويذكر زكي انه وطالما أن إسرائيل تمارس ابشع انواع جرائمها ضد المواطن الفلسطيني فإنها جريمة كأبشع ما تكون عليه الجرائم أن نشاركها في الجانب الامني، فمن الكارثة التقاء الفلسطيني مع الإسرائيلي على هذا الجانب. مدير مخابرات إحدى المناطق الأردنية السابق محمود الخرابشة أكد من جهته انه وعلى الرغم من قرار الولايات المتحدة الأميركية إرجاء إيفاد رئيس وكالة الاستخبارات الـ «سي آي إيه» جورج تينيت إلى فلسطين المحتلة الى حين، إلا أن خبير الاستخبارات الأميركية واصل ترتيب ثلاث حقائب له استعدادا للسفر: الأولى شخصية، والثانية تلك التي بداخلها اوراق ترشد السلطة الوطنية الفلسطينية بالطريقة المثلى لقيادة الشعب الفلسطيني، والثالثة التي تحتوي على نحو 70 مليون دولار متطلبات تنفيذ مهمة توحيد أجهزة الأمن الفلسطينية. وبحسب الخرابشة فإن التأجيل جاء لضمان نجاح الزيارة بمعنى حتى يتم اسرائيليا الانتهاء من بعض «الترتيبات على الارض الفلسطينية»، في إشارة لما قامت وتقوم به إسرائيل من استهداف منهجي لبعض الكوادر والقيادات الأمنية في السلطة الوطنية الفلسطينية، ومنها كنموذج ما قامت به وحدة الجيش الإسرائيلي التي دخلت فجر 14 مايو 2002 الثلاثاء الى بلدة حلحول شمال مدينة الخليل في جنوب الضفة الغربية وقتلت رئيس الاستخبارات الفلسطينية في حلحول الشهيد خالد ابو خيران ومساعده احمد سمارة. بالإضافة إلى سلسلة من الإجراءات الأخرى من اجل تغييب بعض القيادات.. ومنها ابعاد مدير المخابرات العامة في مدينة بيت لحم عبد الله داود الذي أُبعد من كنيسة المهد إلى قبرص ضمن ثلاثة عشر فلسطينياً، بدعوى أنهم مطلوبون لقوات الأمن الصهيونية. ضرورة الحل ويؤكد الخرابشة في هذا الصدد أن تحركات عدد من الدول العربية لا تخرج عن هذا السياق، ويقول هناك بعض التقاطعات العربية الأميركية في ضرورة ايجاد حل ما يمنع حركات المقاومة الفلسطينية من العمل أو يقنعها إن امكن بضرورة الابتعاد عما يرونه عنفا. ولا يلتفت الخرابشة كثيرا إلى التصريحات الأميركية التي تتحدث عن رغبتها في وقف العنف ويؤكد على أن هذا ما لا تريده واشنطن، بل انها وبصورة ادق تريد وقف المقاومة الفلسطينية. وفي رده على سؤال حول قراءته للمنظار الأميركي الإسرائيلي للتركيبة الأمنية الفلسطينية يجيب خبير الامن لا بد أن اشير إلى أن إسرائيل لم تلتزم بأي من الاتفاقات التي وقعتها هي، بالإضافة إلى القرارات التي تنص على انهاء الاحتلال وخروج الجيش الإسرائيلي من الأراضي المحتلة وقيام الدولة الفلسطينية ذات السيادة وعاصمتها القدس الشريف. ويستعرض رجل الأمن الأردني السابق ما تم الاتفاق عليه بين الفلسطينيين والاسرائيليين منذ اتفاق اوسلو وحتى الآن بالإضافة إلى قرارات الشرعية الدولية. ويقول: هذا يعني اننا نملك مخزونا هائلا من التجربة السيئة مع هؤلاء اليهود، وبالتالي فإن أي تحرك وفق منظور حسن النوايا أو انتظار ما يمكن أن تهبه لنا إسرائيل من عطايا امر يدخل ضمن إطار الاستهتار في قضايانا. ويضيف أن أحد ابرز تداعيات الاجتياح الإسرائيلي الاخير على الأراضي الفلسطينية المحتلة وافرازاته الدعوة الإسرائيلية والتي البست ثوبا امريكيا تلك التي تتحدث عن ضرورة توحيد المؤسسة الأمنية الفلسطينية، مشيرا إلى انه إذا ما استعرض هذه الدعوة على طريقة حسن النوايا فاننا لن نجد أي تفسير لها.. فلماذا يتم دعوة الضحية المعرضة لحرب ابادة شاملة إلى توحيد مؤسستها الأمنية بل وبالنظرة الأميركية الإسرائيلية. يسأل الخرابشة ويتابع قوله: على انني اجد انه لا يوجد من تفسير يمكن الاقتناع به إلا أن الولايات المتحدة وكما جرت عليه العادة تريد تقديم خدمة استراتيجية لاسرائيل وفق اسلوب الخطوة خطوة من خلال تحويل السلطة إلى مؤسسة امنية تسهر على خدمة تل ابيب دون غيرها، مشيرا إلى أن الاطاحة بكل ما هو فلسطيني أثناء الاجتياح الاخير يخدم هكذا توجه. ويبين خبير الأمن الأردني أنه عندما يتم توحيد اجهزة الأمن الفلسطينية وجعلها ضمن إطار مؤسسي واحد ويكون على رأس هذا الهرم المؤسسي رجل أمن مرضي عنه أميركيا واسرائيليا بحيث يدور في فلك سياستهما بالإضافة إلى مسئولين صغار يضمنون تنفيذ هذه السياسة، كل ذلك لا يعني إلا مشهداً واحداً دون غيره وهو توجيه الجهود الأمنية الفلسطينية وجهود العاملين فيها للحفاظ على أمن إسرائيل وتنفيذ كل المخططات التي ستطلب منه لاحقا بعيدا عن الهم الوطني الفلسطيني. أما الفترة الحالية فيشير الخرابشة إلى انها فترة تفريغ الاجهزة الأمنية الفلسطينية من مبررات وجودها ومحتواها وامتصاص لقدراتها وابداعاتها في النهوض بأمن المجتمع الفلسطيني وفق المنظور الفلسطيني. ويضيف: ليس بعيدا ولا يخضع لمرتكزات المؤامرة القول أن مثل هذه الدعوة إنما تسعى إلى تحويل الفلسطينيين إلى حرس لإسرائيل. إلا أن الاخطر فيما أشار إليه الرجل أن محاولات بعض الدول العربية في تجميع الفصائل الفلسطينية المقاومة من اجل الحوار كلمة حق اريد بها باطل. ويعرب عن استهجانه من تلك الدعوة قائلا: هذه قوى مقاومة فعلى ماذا يمكن أن يجتمعوا انهم متفقون جميعا على اسلوبهم في معالجة قضيتهم الوطنية وإنهاء الاحتلال؟ فلماذا تتبرع الدول العربية للمساهمة في انجاز الحلم الإسرائيلي في القضاء على المقاومة. ويؤكد الخرابشة أنه إذا كانت الدعوة إلى توحيد الاجهزة الأمنية الفلسطينية تحت قيادة رجل مقبول اسرائيليا واميركياً هي عبارة عن حلقة من حلقات الاجتياح من اجل اراحة إسرائيل من همّ متابعة الشئون الأمنية الفلسطينية من ملاحقة المطلوبين والنشطاء وسجنهم أو تغييبهم عن ساحة النضال، فإن دعوة بعض الدول العربية لعقد لقاء موسع بين الفصائل الفلسطينية ما هي إلا ذريعة أخرى للدعوة الأميركية الإسرائيلية. ويضيف إن نجاحا أميركيا في إغلاق هذا الملف اسرائيليا وتحويله إلى مسئولين فلسطينيين - وتحت أي وصف كان - سيدفع مرحلة اجتياح شاورن للأراضي الفلسطينية إلى حقبة جديدة عنوانها صراع فلسطيني فلسطيني حتى وان لم يستجب المناضلون لاستفزازات السلطة، فالضحية يسمى ضحية سواء دافع عن نفسه أو لم يدافع في إشارة إلى أن حركات المقاومة الفلسطينية المستهدفة. ويشير المحلل الامني إلى أن الدعوة الأميركية ليست بحاجة إلى محلل امني أو عسكري من اجل اكتشاف ابعادها، مشددا على انها مسألة في غاية الوضوح، ومن اجل ذلك - يقول الخرابشة تجري الآن ترتيبات من اجل اعادة تسميتها لتوفير غطاء ممكن لتنفيذها بالإضافة إلى تدعيمها بغطاء عربي بدأ بالفعل من خلال الدعوة إلى حضن المقاومة الفلسطينية في إحدى الدول العربية ليعقدوا مؤتمرهم المقاوم. صراع الجبابرة ويشير الخرابشة إلى التوقعات الإسرائيلية التي تلمح إلى أن العنصر الأقوى لرئاسة جهاز الأمن الفلسطيني هو رئيس جهاز الأمن الوقائي في قطاع غزة العقيد محمد دحلان، بعد أن تم حرق العقيد جبريل الرجوب بسبب الخلافات الدائرة بينه وبين محمد دحلان ومستشار الرئيس الفلسطيني محمد رشيد المعروف بـ «خالد سلام» العراقي الكردي الاصل من جهة، ومن جهة أخرى الاتهامات التي وجهت للرجوب بعد أن قام بتسليم رجال المقاومة الفلسطينية المسلحة، سواء من حركة حماس أو فتح لإسرائيل ورفضه الإفراج عنهم للدفاع عن أنفسهم، حيث استطاع قبل ذلك تجميعهم في مقره. ويتقاطع ما ذكره مدير مخابرات محافظة الزرقاء وتأكيدات فلسطينية تروي كيف أن رئيس جهاز الأمن الوقائي في قطاع غزة محمد دحلان اصبح يصدر الأوامر لقادة محليين في جهاز الأمن الوقائي بقيادة الرجوب في قرى الضفة الغربية، وبالتنسيق مع المستشار الاقتصادي لرئيس السلطة الفلسطينية محمد رشيد، الذي كاد أن يتعرض لغضب عدد من أفراد حركة «فتح» الذين هاجموا الأسبوع الماضي منزله في رام الله قبيل مغادرته إلى ايطاليا لحضور حفل موسيقي بتنظيم اسرائيلي، غير أنه لم يتواجد فيه في تلك الساعة. ويعرب الخرابشة عن استهجانه من «حظوة دحلان» رغم أو بعد اتهامه بأنه مصمم الصفقة المريبة مع عومير ابن شارون خفية تم بموجبها التنازل عن الكنيسة وعن المهد وعن من هم فيه والموافقة على قرار الابعاد، بالإضافة إلى قيام رجال دحلان باعتقالات عدة في صفوف حركة حماس في قطاع غزة، استجابة للمطالب الأميركية واستعدادا لما سيتم من تجهز المجتمع الفلسطيني عبر نشطائه المعارضين سواء من الحركات الإسلامية أو الفتحوية أو غيرها للتغيرات الأمنية بثوبها الأميركي ومضمونها الاسرائيلي. في الوقت الذي استنكر فيه الخرابشة الهجمات الإعلامية التي يمارسها بعض الشخصيات الفلسطينية وقال هناك من لم يستر عورته. وفي الوقت الذي يشير إليه المراقبون أن غياب الرجوب يبقى مسألة وقت بعد حرقه وإن مستقبل دحلان كقائد امني يبقى طي الغيب يشير الخرابشة إلى تضرر صورة الرجوب قبل عملية الاجتياح وما حدث في مقر بيتونيا بصورة كبيرة على اثر تسريب معلومات تتحدث عن صفعة عرفات للرجوب وتوسل الاخير بان لا يقوم عرفات بقتله، بعد أن تطاول على قيادات السلطة، بالإضافة إلى دعم هذه الصورة لاحقا في بيتونيا. ويرد الخرابشة على سؤال حول السبب الذي يستدعي الولايات المتحدة الأميركية ومن خلفها إسرائيل إلى العمل بجد نحو توحيد المؤسسة الأمنية الفلسطينية هو بالقول لسهولة السيطرة عليها إلا أن الخرابشة يؤكد أن العمل الآن جار لتنظيف الجهاز وفق المنظور الأميركي من كل صوت معارض لانهم ـ أي الاميركان ـ يريدون العمل دون ازعاجات في المرحلة المقبلة. أما فيما يتعلق بما يراه البعض من أن أداء السلطة التفاوضي لم يتغير منذ اوسلو وحتى حصار المقاطعة والمهد يرى الخرابشة أن هذا القول نسبي لدى المراقبين والسياسيين إلا انه لفت النظر إلى بعض الاشارات التي تحدثت عن اشتراطات إسرائيلية اميركية لفك الحصار عن عرفات والتي تمت على يد المستشار الاقتصادي للرئيس الفلسطيني محمد رشيد وبن اليعازر حيث شملت جمع الأسلحة من قطاع غزة «وهو الاختبار الأول»، ووقف العنف وإجراء اللازم للجم المقاومة، وانتقال عرفات الى قصر هشام في أريحا كمقر رئاسي، بالإضافة إلى مدة الاختبار لتنفيذ الاشتراطات تم تحديدها بستة أشهر. وفي رده على الفرق بين تجربة انطوان لحد في جنوب لبنان والتجربة التي يراد استنساخها فلسطينيا يؤكد الخرابشة على أن التجربة الفلسطينية مختلفة في كافة سياقاتها، مشيرا إلى انه بامكان اميركا أو إسرائيل ايجاد ما وصفه بمسخ امني أو اكثر من ذلك في حدود فترة زمنية معينة، ولكن لا إسرائيل ولا أميركا تستطيعان في أي حال من الاحوال أن تتحصل على جهاز امني فلسطيني متكامل للعمل لمصالحها، مؤكدا أن تجربة اوسلو تثبت ذلك. ويشدد الخرابشة على أن المطلوب فلسطينيا في هذه المرحلة ضرورة اتخاذ قرار سريع يتعلق باشهار حكومة طواريء مؤقتة بهدف قيادة المقاومة مكونة من كافة اطياف السياسة الفلسطينية، دون استبعاد مسئولي السلطة الحاليين، مشيرا إلى ضرورة فتح الخيارات جميعها أمام هذه القيادة دون الركون إلى خيار سلام الشجعان أو السلام الاستراتيجي. في الوقت الذي ينظر فيه الخرابشة إلى موقف عربي تأسيسا على انه موقف ضعيف يجب العمل بكافة السبل السلمية على انعتاقه من السيطرة والجبروت الأميركي من خلال عمل مؤسسات المجتمع المدني في الدول العربية للضغط على المستوى الرسمي لرفع مستوى مطالبه. ويضيف: العمل من اجل القضية الفلسطينية ليست مصلحة قومية الآن وانما تحولت بشكل أوضح في هذه الفترة إلى مصلحة قطرية داخلية مشيرا انه إذا ما كان بين دفتي تاريخ فلسطين المعاصر تدخلات اقليمية ودولية ارتكز عليها اعلان دولة إسرائيل في منتصف ايار منذ الثورة الفلسطينية الكبرى ـ ثورة الـ 36 ـ وحتى حالتنا الراهنة، فان الخطر الموازي والمختلف بالسيناريو عن حصيلة التدخلات العربية في ثورة القسام أن الملف الفلسطيني اليوم يعتبر بؤرة الاستقرار القطري العربي لأسباب جيوسياسية ذات علاقة بطبيعة المرحلة، فالجهود الدولية في الوقت الراهن مركزة لتفكيك توترات الملف باتجاه إغلاقه مؤقتاً وليس حله نهائيا وذلك بناء على الأجندة الإسرأميركية. ويقول من جهة أولى يقف الوضع الفلسطيني اليوم كجدار أخير في وجه ضرب العراق أو ما يصفه الاميركان باعادة تأهيله سياسيا، فالمطلوب من اجل التوجه نحو العراق تجميد الأوضاع على الساحة الفلسطينية حتى لا تشكل مصدر ازعاج لعمل الإدارة الأميركية في العراق. ومن جهة ثانية يعد الرضوخ للاملاءات الأميركية المساهمة بصورة فاعلة في إنجاح حملة أميركا ضد ما تسميه «إرهابا». دولة الدور أم دور الدولة؟ من جهته أكد عدنان أبو عودة عضو الحكومة الأردنية العسكرية عام 70 ، مستشار الملك الأردني الراحل حسين بن طلال وخلال رده على سؤال حول ما إذا كان تشكيل هيكل امني صاحب مرجعية اميركية إسرائيلية هو البوابة للموافقة على اعلان الدولة الفلسطينية بالقول لا ادري كيف يفكر الاميركان أو الإسرائيليون، إلا أن الدولة عليها أن تقوم نتاج الشرعية الدولية وتتويجاً للمقاومة التي قام ويقوم بها الشعب الفلسطيني لإنهاء الاحتلال فالدولة لا تقوم لترتيب اوراق دور ما أو انجازه وانما تقوم للنهوض بمجتمعها. ويضيف: بالتأكيد فإن المستقبل يجب أن يشهد قيام الدولة الفلسطينية لان ذلك رغبة دولية وفي إسرائيل ذاتها هناك قوى تؤمن بالدولة الفلسطينية رغم أن الوضع السياسي الإسرائيلي الحالي لا يريد ذلك وانما ما يسعون له اجراء ترتيب داخلي للسكان الفلسطينيين وليس الشعب الفلسطيني. ويشرح أبو عودة فكرته بالقول إن السلطة السياسية في اسرائيل ترى في الفلسطينيين سكاناً وليس شعباً وبين هذين المصطلحين يقبع المفهوم الامني الذي تطمح إسرائيل في تطبيقه. إلا أن مستشار الملك الراحل حسين بن طلال يؤكد أن هذا النهج يتناقض مع التوجه العام في العالم باسره.. وقال هناك بون واسع بين المتعارف عليه والمقبول دوليا وبين النظرة الإسرائيلية في هذا الأمر. وفي رده على سؤال حول أن المطلب الأميركي بدعوة الفلسطينيين لتشكيل قوة امنية موحدة لهم وعلى رأسه رجل مقبول لدى أميركا مطلب غامض ويشير إلى ما تريده واشنطن من السلطة في تحولها إلى انطوان لحد قال انه لا علاقة للموافقة على اشهار الدولة الفلسطينية بالمطلب الامني. ويضيف أن للأمر منظورين الأول يتحدث عن أن هذه الدولة خطوة أولى للشكل الذي تريده إسرائيل للمؤسسة السياسية الفلسطينية المقبولة. أما القراءة التي يتبناها أبو عودة فهي أن الاقتراح امتداد لعملية شارون المدعوة بـ «الدرع الواقي» التي بدأها في رام الله ومر بها عبر جنين. على انه يعود للتأكد أن هذه القراءة ليست مؤكدة بعد وربما تكون بالفعل بداية للدولة الفلسطينية بمعنى تحقيق الاستقرار والهدوء حتى تتمكن الاطراف المعنية من الدخول في المؤتمر الدولي أو غيره، غير أن الذي سيكشف الأمر المباحثات ونتائجها على الارض. فنحن الآن في البداية. ولكن لماذا قيادة امنية موحدة وواحدة؟ يجيب أبو عودة: ولماذا تكون اكثر من قيادة امنية واحدة. ويعلق أبو عودة على قراءة عدد كبير من المختصين بأن هذه الهيكلية بخلاف ما تعارفت عليه الدول، بالإضافة إلى أن وجود اكثر من قيادة بالنسبة للوضع في فلسطين يغلق الطريق أمام إسرائيل لاحتواء المؤسسة الأمنية الفلسطينية كأن تأتي بشخص مقبول لديها يلبي كافة مطالبها على حساب الشعب؟ بالقول: في هذه الحالة ينبغي على الشعب الفلسطيني أن لا يوافق على هذا المقترح. وعموما ـ يقول مستشار الملك الراحل ـ عهدنا بالشعب الفلسطيني أن يقول كلمته ويفعل ما يراه هو وليس ما تراه إسرائيل، مشيرا إلى انه لو أن المخططات الإسرائيلية نافذة عند الفلسطينيين لانتهت القضية الفلسطينية منذ مدة طويلة. عم يتنازلون؟ إلا أن أبو عودة يستدرك في رده على سؤال حول: هل استفادت السلطة من الاخطاء التي يصفها البعض بالكارثية فيما يتعلق بطريقتها في استقبال المفاوضات والضغوط الإسرائيلية والأميركية؟ فيقول: السلطة اخطأت أساسا فالمشكلة الأساسية أن السلطة خدعت ووافقت على أن تكون العلاقة التفاوضية مع إسرائيل هي تفاوض على السلام. وكان هذا خطأ مميتا لان السلام لا يتم التفاوض عليه إلا بين ندين في المكانة بين دولة ودولة وبين عشيرة وعشيرة وليس بين دولة وعشيرة فكيف الأمر ونحن نتحدث عن دولة محتلة وشعب محتل، مؤكدا على أن قبول السلطة ذلك كان انتحارا. وبحسب أبو عودة، كان ينبغي التفاوض على المشترك بين إسرائيل والفلسطينيين وهو الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وليس السلام تمهيدا لإنهاء الاحتلال لان هذه الصيغة صيغة العربة أمام الحصان. أما حول رأي البعض الذي يشير إلى أن أداء السلطة التفاوضي لم يتغير منذ اوسلو وحتى حصار المقاطعة والمهد، وما فعله الرجوب في مقره وان كل ذلك يدل على أن السلطة ما زالت تتنازل يقول: بالنسبة للموقف المعلن نعم هناك تنازل، ولكن لدى قيادة السلطة تفسير آخر لهذا التنازل، أما من حيث هل يوافق الشعب الفلسطيني أو يرفض هذه التنازلات فهذا موضوع آخر. ولكن السؤال الاهم الذي يطرحه أبو عودة: هل سيحقق التنازل أي شيء للسلطة هل هو خطوة على طريق إقامة الدولة ام لا.. هذا لا نعرفه، مؤكدا في نهاية حديثه أن القراءة الحالية للاوضاع في فلسطين تشير إلى حالة فوضى شاملة.