هو صاحب أطول فترة سجن سياسي في سوريا. ورغم ذلك يعتبرها وساماً على صدره، والمفارقة انه حفظ عن ظهر قلب جميع السجون لانه دخلها جميعها تقريباً. وكشف مصطفى فلاح عن فترات تاريخية ومعلومات بهدف توصيل رسالة للأجيال، الجديدة. وقال فلاح ان فترات سجنه بدأت منذ عام 1968 وامتدت حتى عام 1998 بإتهامات المشاركة بإنقلاب، اثارة القلاقل، وتشكيل خلايا سرية وما الى ذلك من اتهامات سياسية وتحدث فلاح بألم ومرارة عن معاناته الشخصية وآلامه تجاه اسرته واحبائه. بداية الحكاية قال ان اول اعتقال لي كان عام 1968 لكن مدة هذا الاعتقال لم تدم طويلاً اذ خرجت في فبراير 1969. لقد كانت التهم الموجهة اليّ طويلة لدرجة انها تجاوزت نصف الصفحة ولم اعد أذكرها تحديدا لتكرار ما سمعتها فيما بعد ربما أذكر منها شيئا كالتآمر على النظام واثارة النعرات الطائفية والقيام بأعمال ضد التحولات الاشتراكية والاتصال بدولة أجنبية الى غير ذلك.. كان بعضها «فقط» يوصل الى عدد من الاعدامات لكن وبحكم الصراعات الموجودة داخل حزب البعث الحاكم في تلك الفترة فقد تم الإفراج عني على اعتبار انني «محسوب» على القيادة القومية للحزب ومتهم بالاتصال بالعراق حيث درجوا على تسميتنا فيما بعد بـ «بعث العراق» تمييزا له عن «بعث الشام» لقد كانت الأوضاع تموج بالصراعات والخلافات الحزبية والعقائدية، فقد صادفت داخل سجن المزة في تلك الفترة العديد من الناصريين والبعثيين، أما فترة اعتقالي الثانية فقد امتدت من مايو 1970 وحتى مايو 1998، واعتقلت فيها مع مجموعة اخرى بالتهم المكررة نفسها: معاداة النظام، واثارة النعرات الطائفية، والدعوة الى حرب أهلية وقد كنت وقتها برتبة نقيب في مدرسة المشاة، علما أنني شاركت في انقلاب الثامن من مارس عام 1963، وكنت وقتها برتبة ملازم، وعُهدت اليّ مهمة هي من اصعب المهمات على الإطلاق، حيث كنت قائد السرية المكلفة بالسيطرة على الثكنة الموجودة خلف اركان شئون الضباط، وقد قمت بها بنجاح، ورغم ذلك لم يعفني تاريخي «النضالي» من ان احاكم على يد الحزب الذي كنت سببا في مجيئه الى السلطة. بعد عملية الاعتقال اخذنا الى فرع التحقيق حيث مكثنا داخله قرابة الشهر بعد ذلك تم اقتيادنا الى الاعدام بحجة الخلاص منا بأي شكل لقد كنا منهكين تماما من التعذيب الذي تراوح بين الضرب المبرح الشديد والتشويه، لقد كان الاعدام بالنسبة الينا خلاصا وراحة ولم يكن التعذيب من أجل الحصول على المعلومات بقدر ما كان غاية في حد ذاته، واثر ذلك توفي احد الضباط الذين اعتقلوا معنا وهو النقيب مصطفى سمانة تحت التعذيب، وبعد وفاته توقفت بشكل ما الاجراءات القاسية والشديدة، لكن الجو النفسي كان يشعرنا بأننا مقبلون على المصير ذاته، حيث تم نقل كل واحد منا الى زنزانة منفردة وتلك كانت في غرف سجن المزة خطوة اولى باتجاه الإعدام. صنفنا إذن ضمن خانة الذين يجب تصفيتهم بأسرع وقت وفجأة وفي تمام الثانية بعد منتصف الليل دخل علينا عدد من السجانين واقتادونا الى فرع الأمن الداخلي كما عرفنا ذلك فيما بعد والتقينا هناك بعدد من المسئولين الامنيين والسياسيين منهم ناجي جميل، قائد القوى الجوية، ومحمد عيد عشاوي وزير الداخلية ومحمد رباح الطويل الذي كان وزيرا في الحكومة، وسهيل الحسن رئيس شعبة المخابرات العسكرية، ثم قدمت لجان التحقيق المعلومات التي صرّحنا بها ولم أكن وقتها استطيع الرؤية بشكل واضح اذ كانت الكدمات الناتجة عن الضرب المستمر تعيق ذلك لكن مازلت اذكر ان محمد رباح الطويل علق بجملة قال فيها «يجب الانتهاء منكم على طريقة جماعتكم» يقصد كما جرى في حزب البعث ـ الجناح العراقي، فأجبته بأن جرمنا لا يستوجب مثل هذا العقاب الشديد لكنه لم يكترث وتم بعدها نقلنا للزنازين الانفرادية في فرع الامن الداخلي لمدة شهر ونصف الشهر بانتظار تنفيذ حكم الإعدام فينا، ورغم صدور الحكم شفهياً استمرت التحقيقات الجارية تحت التعذيب بحجة ان المعلومات التي قدمناها لم تكن كافية... كان نور الدين الاتاسي رئيساً للجمهورية في تلك الفترة. زنزانات منفردة مجددا نقلنا الى سجن المزة مجدداً ووضعنا في الزنازين المنفردة التي تحوي داخل كل واحدة منها حياة خاصة، وكان الاستدعاء للتحقيق يجري بشكل روتيني تحت التعذيب الشديد كانت تلك الفترة الأقسى في مشوار المعاناة. كانت التوجيهات المعطاة لمدير السجن وللسجانين بالغة القسوة حيث ان الخروج الى دورة المياه اصبح يعني بالنسبة الينا «الانسحاق» تماما تحت الضرب والتعذيب اما الاكل فكنا نفضل الاستغناء عنه ولا نرغب في الحصول عليه ذلك انه عندما كنا نمد ايدينا تحت باب الزنزانة الانفرادية لسحب صحن الطعام كان الضرب يأتي بشكل عشوائي وبالغ العنف بغية تحطيم ايدينا وسحق اصابعنا فكنا نضطر لسحب ايدينا فورا. كنا نبقى بلا طعام لعدة ايام، لقد كان الحصول على الطعام معاناة كاملة. ان الحديث عن ذلك يغلفني بالكثير من الالم والأسى لدرجة انني مازلت اتحسس يديّ بشكل عفوي خوفا من ان يكونا قد تعرضا للأذى اذ كان منظر الدم النازف منهما شيئا يخيفني، ورغم أنني كدت اعتاد عليه لكني لا استطيع ان انساه ابدا.. افضل الا استغرق في الحديث عنه كي استطيع ان اكمل يومي بشكل اعتيادي. أوامر بإعدامنا لكن وللمفارقة انه وبعد السادس عشر من نوفمبر تم نقل الرئيس نور الدين الأتاسي، ومحمد عيد عشاوي ورباح الطويل، وصلاح جديد، وغيرهم من أعضاء القيادة القطرية والقومية الى سجن المزة، اي جميع الطاقم الامني الذي كان يشرف على تعذيبنا وأعطى الأوامر بإعدامنا. لقد جرى التنبيه علينا بعدم الحديث مع الوافدين الجدد رغم أننا كنا نتقابل بشكل عرضي اثناء فسح التنفس واذكر مرة انني التقيت في مستشفى المزة العسكري حيث تم نقلي الى هناك لاجراء عملية جراحية في منطقة الفخذ مع محمد الاخ الشقيق لمحمود الزعبي رئيس الوزراء السابق الذي انتحر في باريس 2000، وقد كان في تلك الفترة برتبة نقيب في الشرطة العسكرية، وقد وصل تحت قسوة التعذيب على أيدي الطاقم الأمني نفسه الى مرحلة الموت، حيث بقى في المستشفى الى حين خروجه من السجن عام 1971، كما التقيت علي الضماد، ومحمد الحاج علي.. وفي احد الايام مرّ بالقرب من غرفتنا محمد رباح الطويل الذي اخبرني سابقا بأنه يجب التخلص منا ـ أنا ورفاقي ـ على طريقة «جماعتنا» فنظر اليّ فذكرته قائلا «على طريقة جماعتنا في الاعدام» فأجابني بأن لا علاقة له بذلك لكن رددت عليه «بأنك ستلاقي التعذيب الان على طريقة جماعتكم». نسيت ان اذكر انه بعد السادس عشر من نوفمبر 1970 قدم مدير السجن وقتذاك، رسمي العيد، طلب اخلاء سبيل من اجلنا وذلك بسبب تغير التوجه السياسي، لكن شيئا لم يحدث، وبعد اربعة اشهر تم تقديمنا الى محكمة امن الدولة العليا، وصدر الحكم بسجني 15 عاماً، وحكم على الباقين بالسجن المؤبد ثم تم تخفيضه الى 15 عاماً. بقينا في سجن المزة الى عام 1972 وبعد تصديق الحكم بحقنا تم نقلنا الى سجن القلعة وهو سجن مدني، وذلك من اجل قضاء المدة التي يتضمنها الحكم حيث بقيت في ذلك السجن الى عام 1983، اي قضيت هناك ما يقارب 11 سنة تحت تصرف فرع الامن السياسي، حيث تم عزلنا عن القلعة نهائيا ووضعنا في جناح مستقل خاص، الى ان تم إخلاء سجن القلعة ونقل السجناء الى سجن عدرا في بداية العام 1984. سجن القلعة واذكر انه في عام 1975 كنا في سجن القلعة، وفجأة طلب منا جمع أغراضنا وتم اقتيادنا الى سجن الشيخ حسن، التابع لفرع الامن السياسي، حيث بقينا شهرا وبعدها اعادونا الى سجن القلعة بعد بناء جدار كامل، كي يتم عزلنا عن سجن القلعة المدني بشكل تام الى عام 1984. كانت ايام السجن تمر بشكل اعتيادي ودون تعذيب لكن كان يتم قطع الزيارات عنا احيانا، كما منعت من متابعة دراستي الجامعية في كلية الحقوق.. كنا نتابع الصحف بشكل متقطع حسب الرغبات والعقوبات واذكر اننا كنا نملك مذياعاً لمتابعة الاخبار، وكنا كثيراً ما نتعرض للابتزاز بسببه، فعندما يرغب السجانون فرض عقوبات علينا كان سحب المذياع هو الاجراء الاول. في عام 1978 بدأ يتوافد علينا سجناء الحزب الشيوعي السوري ـ جناح رياض الترك، وسجناء النقابات كما عرفنا بذلك فيما بعد اي نقابتي المهندسين والمحامين. سجن المزة مجدداً بعد اغلاق سجن القلعة في عام 1984 وتسليمه الى وزارة السياحة السورية «الصامتة» التي تحفظ في جدرانها «السياحية» ذكريات اليمة تم نقلنا الى سجن عدرا، وفي بداية عام 1985 تقدمنا الى وزارة الداخلية بطلب لنقلنا الى محافظاتنا بسبب نهاية الحكم الصادر بحقنا. الا ان الرد جاء بعدم الموافقة علما بأن رئيس الشعبة السياسية انذاك قد توسط من أجلنا لكن تم نقلنا فيما بعد الى «سجن دوما» حيث كان قد بقى ستة أشهر فقط من نهاية المدة وقد كنت وقتها مع محمود فياض وجلال مرهج وحسين زيدان، وفوجئنا في احدى الليالي بأمرنا بجمع أغراضنا ونقلنا الى سجن المزة مرة أخرى حيث قررت شعبة المخابرات العسكرية كما علمنا فيما بعد عدم اخلاء سبيلنا وبقيت هناك حتى عام 1998. في الفترة الثانية التي قضيتها في سجن المزة كانت ذات معان مختلفة اذ كان مدير السجن يعلم بانتهاء مدة حكمنا لذا كانت معاملتنا جيدة نوعا ما رغم ان سجن المزة في تلك الفترة كان مكتظا بشكل كبير لدرجة ان الممر قد تحول الى مكان يوضع فيه السجناء وكانوا مجموعين لدرجة انهم لم يستطيعوا النوم في فترة واحدة فكان ينام قسم منهم ويصحو قسم آخر بشكل متبادل وكان هناك خليط غير معروف من السجناء فالزنازين كانت تحوي الإخوان المسلمين، والبعثيين، والشيوعيين، واللبنانيين، وغيرهم. الوطن والعروبة كانت الأوضاع عندها في غاية التوتر والنفوس تشعر بخوف شديد لدرجة ان اية حركة تشعر الجميع بمصير مظلم، تنقلت في تلك الفترة من زنزانات فردية الى مهاجع جماعية، وقضيت قبل الافراج عني بعشرين يوما فقط ثلاثة ايام في زنزانة انفرادية لاني طلبت من السجان المشرف على المهاجع ان لا يتلفظ بكلمات نابية تسيء الى الجميع فجرى معاقبتي بوضعي في «المنفردة» كما يسمونها. حرية دون معنى اما اطلاق سراحي فقد كان اجراء عاديا لا يتناسب مع المدة التي قضيتها، اذ اتى احد السجانين اليّ في الساعة الثانية ظهرا وكنت أقرأ احدى الصحف، وقال لي «نريد ان نخرجك» فأجبته فورا «إلى أين» اذ ان التفكير بإخراجي من السجن كان مستبعدا تماما بالنسبة اليّ، وحسبت انه مجرد نقل جديد الى سجن آخر جديد لكن اصر وقال «رتب اغراضك حان وقت خروجك». كنت حينها مازلت متمسكا بالحياة لدرجة غريبة رغم ان اليأس كان يتملكني بشكل لا يكاد يفارقني وفي لحظات الازمات تتحرك غرائز الحياة والدفاع عن الذات اكثر مما يحرك الانسان العقل او التفكير، المهم انه بعد ساعة جرى نقلي الى فرع التحقيق حيث بقيت الى المساء وكلي خوف من ان ابقى هناك اربعة او خمسة أشهر كما جرت العادة حيث كنت في وضع صحي ونفسي بالغ السوء، ولكن مساء ذلك اليوم قابلت رئيس فرع التحقيق فقال باسما «طوّلنا عليك» فأجبته ـ والأفكار تدور في رأسي ان 28 عاما يختصرها في كلمتين بسيطتين «طوّلنا عليك» ـ «ارجو ان لا تطوّلوا اكثر من ذلك» فقال بأنه كان يضع اسمي دائما في اوائل الأسماء المطلوب الافراج عنها في المناسبات الرسمية لكن ليس باليد حيلة وان الامر ليس في يده، ولما بدأ الحديث عن «الوطن» اذكر اني قاطعته فورا وقلت له (ارجو ان لا تحدثني عن «الوطن» او «الوطنية» او «العروبة» اذ ان وضعي الصحي والنفسي لا يسمح لي بسماع شيء من ذلك) فاستجاب وتم نقلي للقاء مدير فرع امن المنطقة الذي أوصى بتوصيلي الى المنزل بعد ان كان احد الاصدقاء قد اتصل بالأهل وأخبرهم نبأ خروجي. معاناتي الحقيقية لقد جعلت مني سنين السجن شخصا اخر مختلفا حيث انني دخلت السجن وكانت احدى بناتي مازالت في وضع الرضاعة والاخرى كانت جنينا فخرجت وكلتاهما في عمر الثلاثين عاما تقريباً ولولا الزيارات ما تعرفت عليهما مطلقا، اما اولادي الثلاثة فإلى الان لم استطع مقابلتهم حيث يعمل اثنان منهما (جلال وحسان) في بولونيا والاخر غسان وهو الاكبر، يعمل طبيبا في بغداد، حيث انني ممنوع من المغادرة وهم ممنوعون من الدخول الى سوريا، حتى ان زوجتي وبناتي لا يستطيعون السفر للقائهم بسبب المنع.. أمنية زوجتي ان تلتقي بأولادها الذين لم ترهم منذ 22 عاماً. «الحرية» بالنسبة لي كلمة لم يعد لها معنى رغم انني يجب ان اكون الأكثر ادراكا لها بسبب طول مدة بقائي في السجن لكنها اصبحت بالنسبة لشخص مثلي بعد خروجه من السجن مسئولية لا أستطيع تحملها، فانا الان لا أمتلك اي عمل ولما اقر مجلس الدولة قرارا بصرف راتب تقاعدي لي حيث تم حساب سنوات السجن كجزء من خدمتي العسكرية، وأقرت اللجنة «102» التابعة لوزارة الشئون الاجتماعية والعمل وصدر قرار اخر بطي القرار السابق وتم تصديقه من رئاسة مجلس الوزراء انني الان أعيش معاناة هي أقسى مما عشتها داخل السجن اذ لم اكن فيها مسئولا الا عن نفسي أما الان فإني أكاد أشعر وكأنني «عالة» على عائلتي. تغادره البسمة وتأتيه الدمعة التي يبدو انها فارقت جفونه طويلا لتخرج من قلبه.. قال: «اشعر أنني أسيء الى مستقبل بناتي» ان كل ما ذكرته في الحوار لا يهمني ولا أكترث به انني اهتم الان بشيء واحد هو كيف لي ان اؤمن معيشتي ضمن اسرتي، كيف التقي بأولادي الذين اتمنى رؤيتهم؟.. هذه معاناتي الحقيقية الان. وهنا فقط طرحت سؤالا جديداً وهل تعتقد أن الكتابة عن ذلك ستفيدك او تنفعك؟ سكت برهة وأجاب: «الغريق يتعلق بقشة».