على مدار الساعة تبث وسائل اعلام العدو الصهيوني دعاية مسمومة حول ضرورة اصلاح السلطة الفلسطينية، وتطبيق الديمقراطية تحت فوهات بنادق الاحتلال الذين لا تتوقف اعتداءاتهم ضد الشعب الفلسطيني. ولتمرير سم الدعاية الصهيونية لقتل روح المقاومة وتجريد السلطة من آخر اوراق العمود، تتجمل الدعوات الصهيونية بعناوين براقة عن حرية الاختيار والمشاركة الشعبية في صنع القرار، والشفافية وتتجاهل ان مرحلة الكفاح الوطني لتحرير الاراضي الفلسطينية لها ديمقراطيتها ولا يحق للمحتل ان يسرق بوصلة الديمقراطية من المقاومين، وألا تحول التاريخ الى ملهاة ومهزلة كبرى. في مقال لفي باخور أحد الكتاب اليساريين لصحيفة «يديعوت أحرونوت» اعتراف بأن مكانة ياسر عرفات «كأب للأمة» لن تتضرر بفضل البيعة، إلا انه ضمن مقاله الكثير من الافتراءات. ويقول لسوء الحظ، فان من يتوقع ان تتم مثل هذه الاصلاحات البنيوية من هذا القبيل قريبا لا يفهم الواقع السلطوي في المنطقة بما في ذلك في السلطة الفلسطينية الحالية منذ اكثر من نصف قرن. ومثلما هي الاصلاحات البنيوية غير متوقعة في السعودية أو مصر أو سوريا، فانه لا يجب توقعها في السلطة الفلسطينية ايضا. حسب الدارج، عندما يعلق زعيم عربي شرق اوسطي في أزمة فانه يتخذ خطوة الاستفتاء الشعبي أو نوعا من الانتخابات. وهو لا يعمد الى اجراء ديمقراطي الا لنيل التأييد المتجدد من أبناء شعبه، في ضوء النموذج السلطوي التقليدي للعالم العربي، نموذج البيعة، وهذا ارتباط شبه تعاقدي بين الحاكم، الملتزم بالحرص على الاستقرار الاجتماعي لشعبه، وبين الجماهير الغفيرة، الملتزمة بالولاء غير المتحفظ للحاكم. وتجديد البيعة يفترضه حدث جلل، وهكذا يتصرف الحكام الشرق اوسطيون، هكذا تصرف عرفات، عندما استقال بعد هزيمة بيروت وحصل على الثقة المتجددة من المجلس الوطني الفلسطيني في اكتوبر 1984. ويواصل الكاتب الصهيوني مزاعمه لقد كان عرفات هو الذي قاتل بكل قوته ضد مشروع الدستور الذي صاغته مجموعة من القانونيين الفلسطينيين، برئاسة أنيس القاسم، لدى قيام السلطة الفلسطينية وهذا الدستور، الذي خرج عن النموذج التقليدي للبيعة، ولم يمنح امتيازات زائدة للرئيس، لم يجر تبنيه أبدا. وفضل عرفات ان يقيم نظاما فلسطينيا مركزيا يقوم على أساس تفضيل المقربين «المحسوبية»، والفساد الاداري وانعدام النجاعة. قبل مجيء عرفات كان الشعب الفلسطيني في المناطق قريبا من التحول الديمقراطي أكثر من أي شعب عربي آخر. تعدد الايديولوجيات والاحزاب واستخدام محكمة العدل العليا ومنظمات حقوق الانسان، وبفضل المجتمع الاسرائيلي المجاور ايضا - كل هذه انتهت عندما أقام عرفات نظام البيعة خاصته في المناطق، حين استورد مفاهيم سياسية من الدول العربية وجعل من السلطة الفلسطينية نظاما عربيا آخر. فما الذي يمكن توقعه من عرفات في ضوء حساب النفس الفلسطيني، كما وصف في نهاية حملة السور الواقي؟ القليل جدا، في ضوء منطق حكمه في المناطق. فمكانة عرفات كأب الأمة بفضل البيعة لن تتضرر بأي حال. وعلى الأكثر سيصار الى نقل بعض الوزراء أو اجراء انتخابات للبرلمان. وعلى أي حال فان عرفات يرى في البرلمان الحالي مصدر قلق. وحقيقة ان عرفات أقام هنا نظاما عربيا آخر، بكل ثغراته، هي كارثة لاسرائيل، الجارة المباشرة، ولكنها قبل كل شيء كارثة للفلسطينيين ولحلمهم الديمقراطي الذي لم يسبق له ان كان بعيدا مثلما هو اليوم.