تحت ضغط المقاومة البطولية الفلسطينية للعدوان والاحتلال الاسرائيلي، والفشل الذريع لعدوان «الجدار الواقي» رغم فداحة الخسائر، رأى عكيفا الدار مراسل «هآرتس» ان الصراع السياسي الدائر حالياً يتمحور حول سعي فلسطين لاستنساخ تفاهم ابريل بين لبنان واسرائيل عقب عدوان «عناقيد الغضب» فيما تسعى حكومة ارييل شارون الى تطبيق تجربة الحرب الاميركية في افغانستان على الضفة وغزة. «قل لي من فضلك ما الذي يتوجب علي ان أفعله الآن» قال أحد المسئولين الفلسطينيين في منطقة بيت لحم لدبلوماسي غربي. المسئول الفلسطيني أشار الى بلدوزر اسرائيلي ضخم، الاثنين أخذا ينظران الى أسنان البلدوزر وهي تقضم في اراضي بيت ساحور لتشق شارعا التفافيا جديدا لصالح الاحتلال الاسرائيلي. الشارع المذكور يهدف بالاساس لتحسين اوضاع سكان مستوطنة موكديم التي يقطنها عضو الكنيست افيغدور ليبرمان. «ماذا كنت ستفعل لو كنت مكاني؟»، واصل المسئول الفلسطيني يقول وهو شخص معتدل غير ميال للعنف، «هل كنت ستكتفي بمراقبة المستوطنين الذين يصادرون أرضك أم أنك كنت ستطلق النار على البلدوزر؟». مثل هذه الاسئلة لا تشغل بال قادة التنظيم وقادة كتائب الاقصى. فبالنسبة لهم ولأغلبية الفلسطينيين الحاسمة (92 في المئة حسب استطلاع الدكتور خليل الشقاقي) يوجد اجماع وقناعة بمشروعية الكفاح العنيف ضد المستوطنين والجيش الذي يحميهم. المعضلة التي تحير التنظيمات الفلسطينية غير الدينية اليوم تدور حول جدوى واخلاقية العمليات الانتحارية في داخل اسرائيل. هناك مؤشرات متزايدة من قبل الفلسطينيين على انهم كانوا سيوافقون على اتفاق يماثل تفاهم عناقيد الغضب في لبنان، ولكن بالنسبة لخيار ايقاف الانتفاضة في داخل المناطق فهو يعتبر خيارا واقعيا تماما مثل امكانية ايقاف حكومة شارون لمصادرة الاراضي من اجل شق الطرق الالتفافية. كما ان التلميحات بايقاف شامل لاطلاق النار والأحاديث عن اصلاحات سياسية من دون مقابل سياسي حقيقي تعتبر أفكارا تصل الى حد الكفر. في قيادة السلطة الفلسطينية يقولون ان هذه أحد اسباب تأخير المستشار الاقتصادي لياسر عرفات، محمد رشيد، عودته الى البلاد من الخارج، ردود الفعل في رام الله لم تكن راضية عن المحادثات التي أجراها محمد رشيد في واشنطن بشأن الاصلاحات في السلطة (سبب آخر: في رام الله يقولون ان محمد رشيد شوه سمعة رئيس الأمن الوقائي في الضفة، جبريل الرجوب، مدعيا انه سلم عناصر فتح للجيش الاسرائيلي الذي هاجم مقر قيادته. الوزير حسن عصفور تعرض للضرب المبرح وما زال في المستشفى بسبب تهمة مماثلة). في الآونة الاخيرة أخذوا يتذكرون أصل محمد رشيد غير الفلسطيني واعتادوا على تسميته بـ «الصديق الكردي العراقي لعرفات». من يتوقع ان يخفف الفلسطينيون من كفاحهم ضد المستوطنين عليه ان يتبادل عدة كلمات مع عزيز عمرو، نائب وزير شئون الأوقاف في السلطة. عمرو يقضي أيامه الاخيرة في التجوال بين محطة الشرطة المحلية وسوق الجملة. كل ما يطلبه هو ان تقوم الشرطة الاسرائيلية بتطبيق القانون على المستوطنين الذين اقتحموا سوق الجملة في الخليل والذي هو أملاك وقفية. بعد المذبحة التي ارتكبها باروخ غولدشتاين أمرت اسرائيل باغلاق السوق وأصبحت الحوانيت خالية منذ ذلك الحين، قبل عدة اشهر اقتحم مستوطنو الخليل أحد المباني هناك وحولوا أربعة محلات الى شقق ورياض اطفال. في الايام الاخيرة وضعوا أيديهم على أربعة محلات اخرى في بناية اخرى. عمرو يقول ان الأوقاف استجابت لاقتراح الشرطة باغلاق أبواب الحوانيت بالحديد. وبالامس صباحا طرد المستوطنون الحدادين ورجال الشرطة الذين يحمونهم بالقوة وسجنوا مسئولي الأوقاف الاسلامية في الطابق الثاني. الخلايلة يسألون انفسهم هل كانت الشرطة ستتصرف بنفس المقياس من ضبط النفس لو كان الفلسطينيون هم المقتحمون لحانوت يهودي. تصرف المستوطنين ولامبالاة رجال الامن تجاه خارقي القانون اليهود في المناطق تعزز من موقف الفلسطينيين المؤيدين للكفاح العنيف. تفسيرهم لظاهرة مصادرة الاراضي الآخذة في الاتساع ولاغلاق المناطق واقتلاع الاشجار هو ان الحرب ضد المستوطنين هي حرب دفاعية عن حياضهم ومنازلهم. حتى المؤذن في المسجد المجاور للحي اليهودي لا يستطيع رفع الآذان للصلاة. الجنود قالوا للأوقاف ان الآذان هناك والذي يرفع من هذا المسجد منذ مئات السنين يشكل خطرا على سلامة الجمهور. الوضع يذكر بكفاح الجزائريين ضد المستوطنين الفرنسيين. وحتى لو قرر أحدهم في الأعلى ايقاف الانتحاريين المتوجهين الى بيتاح تكفا فلا توجد احتمالية لان يظهر قائد فلسطيني يندد بالخليلي الذي يطلق النار على مستوطن قام باقتحام منزله. اللقاء الذي أجراه رئيس الوزراء في هذا الاسبوع مع قادة اللجنة اليهودية الاميركية يذكر باللقاء الذي عقد في نفس الديوان قبل 19 عاما. في صيف 1983 وقبل ان يختفي مناحيم بيغن في منزله، التقى مع مجموعة من المساعدين الشبان (اعضاء الكونغرس الاميركيين). في ختام المحادثة قال أحد الضيوف بأن زيارته لاسرائيل قد اثرت فيه كثيرا وطلب ان يساعدوه في كيفية الاسهام بالدولة. بيغن لم يتردد: أيها الشاب ان أهم شيء يمكن ان تفعله هو ان تهاجر الى اسرائيل». الضيوف طأطأوا رؤوسهم، والأعمى فقط أو المضطرب فقط هو الذي لا يرى ان الشاب كان من أصل افريقي. ضيوف شارون من اللجنة الاميركية اليهودية تحدثوا باعتزاز عن نشاطهم من اجل اسرائيل في الولايات المتحدة واوروبا والهند وجنوب اميركا. وزفوا لشارون البشرى ان الامم المتحدة منحت منظمتهم مكانة خاصة في لجنة حقوق الانسان في جنيف، وهذا الامر سيتيح المجال أمامهم لاعتراض قرارات مناهضة لاسرائيل. الضيوف أعلموا شارون عن كفاحهم ضد الارهاب العالمي وضد اللاسامية. شارون قال لليهود الاميركيين ان الامر الأهم في نظره هو تكثيف الهجرة لاسرائيل. هدفه، كما قال، ان يهاجر لاسرائيل في العقد المقبل مليون يهودي ولا أقل. صحيح ان الوضع الاقتصادي صعب جدا بسبب الوضع الامني والازمة في السياحة وصناعة التكنولوجيا المتطورة، الا انه حذر من ان ضعف اسرائيل سيغير حياة اليهود في العالم الى الاسوأ، وطلب ان لا ينتظر اليهود الاميركيون حلول السلام حتى يزوروا البلاد. شارون تحدث عن حلمه حول السلام على النحو التالي: «دولة فلسطينية هي أمر لا مفر منه، ولكن يتوجب الوصول اليها تدريجيا. اولا يتوجب تطبيق صيغة افغانستان، أي حكومة مؤقتة تعين لسنة واحدة بقيادة رئيس تنفيذي تكون كل خطواته الاصلاحية خاضعة للرقابة والاشراف المستمر. وزير مالية الحكومة المؤقتة يقدم تقريرا الى أين تذهب الاموال، ووزير التربية يكون مسئولا عن التربية الصحيحة للاولاد والى حذف التحريض من الكتب التعليمية». شارون خصص للاردن الذي يقوم بدور المهديء في المنطقة دورا مركزيا في الرقابة والاشراف على الاصلاحات، هذا الى جانب الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة. في نفس اللقاء كما يحدث عادة في الآونة الاخيرة قلل شارون من التطرق لفكرة المؤتمر الاقليمي. ربما أصابه القلق من التقارير الواردة من واشنطن حول الجلستين اللتين أقيمتا في البيت الابيض وآخرهما كانت عشية توجه بوش الى اوروبا. في هذه المداولات جرى الحديث عن التسوية الدائمة بمصطلحات ومفاهيم أكثر شيوعا من تلك التي يستخدمها شارون، الاميركيون بدأوا يتعمقون في التقرير الختامي الذي أعده المبعوث الاوروبي ميغيل موراتينوس عن مجريات محادثات طابا 2001 بين حكومة براك والسلطة. زيارة مساعد وزير الخارجية وليام بيرنز ورئيس الـ سي.آي.ايه جورج تينيت للمنطقة ستكون فرصة لاستيضاح مدى أحقية المشككين في الخارجية الاسرائيلية الذين يقترحون على وزيرهم شيمون بيريز بأن يخفض توقعاته من التدخل الاميركي الجدي. وفي نقاش جرى عند بيريز يوم الاحد الماضي تساءل وزير الخارجية عن الحاجة الى مثل هذا المؤتمر في الوقت الذي توجد فيه وثيقة جميلة اسمها وثيقة بيريز ـ أبو العلاء. وبعد ان اقتنع بالرغم من ذلك انه سيكون من الممكن تحويل المؤتمر الى رافعة لادخال شارون للعملية السياسية اقترح بيريز ان يتضمن هذا المؤتمر أربع سلال: سلة سياسية وسلة اقتصادية لاعادة بناء المناطق وسلة اقتصادية اقليمية وسلة للكفاح الاقليمي ضد الارهاب. وفي الوقت الحالي والى ان يقوم بيريز باقناع شارون بوضع بيضة أو اثنتين في هذه السلال يقوم حزب العمل بالتعاون مع أحزاب اليمين ضد مبادرات اليسار لاخلاء مستوطنات من بؤر الاحتكاك. أحد اعضاء الكنيست من حزب العمل لم يتوجه الى قاعة الكنيست لدعم اقتراح قانون بهذه الروحية قدمه عضوي الكنيست ران كوهين وموسي راز من ميرتس. وفي المقابل صوت الوزير رعنان كوهين وعضو الكنيست آفي يحزقيل ضد القانون.