يوم الرابع من يوليو هو عيد الاستقلال الاميركي اكثر الاعياد شعبية لدى العائلات في الولايات المتحدة الالعاب النارية ليلا هي ما يميز هذا العيد فمن نيويورك على الساحل الشرقي الى كاليفورنيا، على الساحل الغربي تحتفل الولايات كلها في استعراضات نهارية تخرج العائلات لمشاهدتها وهي تلوح بالاعلام الاميركية وتتوجها ليلاً ألعاب نارية تضيء السماء من الشرق وصولاً الى الغرب. ولكن الرابع من يوليو هذا العام يبدو مختلفاً، فالاميركيون يحبسون انفاسهم وهم ينتظرون الاجابة عن السؤال: هل ستضرب «القاعدة» في أميركا مجدداً؟ أين و.. كيف؟ 25 تسللوا بحراً السؤال كان أول من بادر الى طرحه اجهزة الاستخبارات الاميركية بالذات.. وتلقفه الكونغرس، ونمت اشواكه في اجهزة الاعلام ليتحول رعباً وزرعاً عملاقاً ينمو في كل بيت اميركي. اذن «القاعدة» مازالت قادرة على الضرب وفي داخل اميركا ايضا. الاجابة هي نعم كبيرة ومن يطرحها ليس الصحف الشعبية ووسائل الاعلام الباحثة عن الاثارة بل الادارة الاميركية من الرئيس جورج دبليو بوش مروراً بنائبه ديك تشيني واجهزة المخابرات وصولاً الى لجان الاستخبارات في مجلسي النواب والشيوخ. ان القاعدة مازالت تشكل تهديداً للشعب الاميركي قالها الرئيس بوش في مقابلة مع صحيفة «لوموند» الفرنسية بينما سبقه رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ السناتور داشل للتأكيد على صحة التقارير التي تقول ان 25 ارهابياً تسللوا الى الولايات المتحدة عبر ثلاثة مرافيء بحرية وهم حتى الآن طلقاء. ومع هذا الملح الارهابي يأتي البهار اذ يقول تقرير غامض المصدر حتى الآن ان القائد العسكري لـ «القاعدة» ابو زبيدة المعتقل قد اعترف بأن اثنين من ابرز قيادات تنظيمه مازالا متواجدين في داخل الولايات المتحدة لتنفيذ خطة تقضي بتفجير مفاعل نووي. وهكذا تتكامل الصورة: «القاعدة» سوف تضرب داخل اميركا، والهدف مفاعل نووي، والتوقيت على الاغلب هو الرابع من يوليو يوم الاستقلال الاميركي، وللعلم فقط فإن في اميركا 103 مفاعلات نووية، صدرت الاوامر بعد هجمات 11 سبتمبر بحظر الطيران فوقها ولكن هذه الاوامر، رفعت مؤقتا يوم 7 نوفمبر الماضي، ووفقا لمجلة «تايم» الاميركية فإنه لم يتم تزويد هذه المفاعلات بأسلحة مضادة للطائرات مع ان الفرنسيين فعلوا ذلك. اذن هي قصة هجوم معلن مسبقا ليس على لسان اسامة بن لادن بل على السنة المسئولين في الادارة الاميركية الذين اغلقوا قبل ايام جسر بروكلين في نيويورك «على الشبهة» بعد وصول معلومة عن احتمال وقوع عمل ارهابي. الطبيب والمريض والجاني الآمن هل هناك مبالغة في اثارة رعب المواطنين في اميركا ولماذا؟ السؤال يحتمل اجابتين: الاولى هي ان التحقيقات الجارية حالياً حول تقصير الاجهزة الامنية في رصد الهجمات الارهابية يوم 11 سبتمبر قبل وقوعها وبالرغم من وجود خيوط في الجيوب المتناثرة لهذه الاجهزة، كان يمكن ان تكشف وان تمنع هذه العمليات دفع هذه الاجهزة الى المبالغة في التوقعات كي تبقى في الجانب الآمن اذا تعرضت للمحاسبة، وهذا على اي حال تقليد اميركي فاذا ذهبت الى الطبيب، كما فعل كاتب هذه السطور لتسأله عن علاج لالتهاب في الفم، فإن هذا الطبيب وبعد فحوصات لاتستغرق اكثر من عشر دقائق سوف يقول لك من دون ان يطرف له جفن: اعتقد انك تعاني من سرطان في الفك، وهناك حبيبات حمراء في سقف الفك العلوي تؤكد ذلك، ثم يقترح ان يأخذ عينة أو خزعة من الفك لتحليلها، على ان تظهر النتائج بعد اسبوعين، وعندما تعود اليه بعد اسبوعين وانت من شدة الرعب، بين الحياة والممات يقول لك بثقة: اطمئن ليس لديك سرطان في الفك، بل مجرد التهاب، وعندما تسأله لماذا اقترح السرطان منذ البداية وبصيغة التأكيد، فإنه سوف يرد عليك بارتياح: من واجب الطبيب ان لا يمنح المريض فرصة لمقاضاته فلو قلت لك انه التهاب وتبين فيما بعد ان سرطان، فإن باستطاعتك ان تقودني الى قاعة المحكمة لذلك من الافضل للطبيب ان يبدأ من السرطان كي يبقى في الجانب الآمن. وماذا عن معاناة المريض خلال فترة انتظار نتائج التحليل؟ الطبيب يبتسم وهو يجيب بحياد شديد: «ألا تشعر بالراحة الآن لانه لم يكن سرطانا؟». واعتقد ان الادارة الاميركية واجهزة الأمن فيها تريد حاليا ان تبقى في الجانب الآمن وهي تتحدث عن عمليات ارهابية شبه محتومة تستهدف اميركا في الداخل. ثمار حمى الحرب الاجابة الثانية عن السؤال حول المبالغة في اثارة رعب المواطن الاميركي من عمليات ارهابية متوقعة تطرحها جهات من داخل الادارة الاميركية ومن خارجها ولاسباب متباينة وتلتقي عند نقطة محددة وهي ان «حمى الحرب» لم تؤت كل ثمارها بعد. صحيح ان البنتاغون حصد حتى الآن 40 مليار دولار زيادة في ميزانيته وصحيح ان اجهزة الاستخبارات رفعت مخصصاتها الى ما يزيد على 30 مليار دولار سنوياً، وصحيح ان الولايات المتحدة تتحول الى قلعة امنية قادرة على توظيف عشرات الألوف من ابنائها الذين صرفتهم المصانع والشركات نتيجة للركود الاقتصادي إلا ان حمى الحرب التي منحت الرئيس شعبية غير مسبوقة في التاريخ الاميركي الحديث سوف تتوالى مواسم قطافها مع كل انتخابات تشريعية او رئاسية والمهم ان تبقى جذوتها مشتعلة حتى التجديد للرئيس الحالي في الانتخابات المقبلة.. وبالانتظار فإن اسامة بن لادن سوف يستمر سرطاناً.. وليس التهاباً، فالجميع يريد ان يكون في الجانب الآمن. ولعل المواطن الاميركي في نهاية اليوم الرابع من يوليو سوف يحمد الرب ويشكره.. لان الهجوم المتوقع لم يقع.. وسوف يشكر الطبيب ايضا.