الملف السياسي: ثلاثة احتمالات أصبحت قائمة عند التصدي لتفسير دور الإدارة الأمريكية، وأجهزتها الأمنية، بشأن مسئوليتها عما حدث في 11 سبتمبر، أو محاولة ازالة طبقات الغموض الكثيفة التي تلف الحادث. التقصير كان - حتى منتصف مايو - الاحتمال الذي تروج له الدوائر القريبة من الإدارة الأمريكية، وبالتالي كانت تطالب بتأجيل المحاسبة حتى تنتهي واشنطن من حربها المقدسة ضد الارهاب، والتي يمكن أن تستمر - حسب تقديرها - سنوات وسنوات لا يعلم مداها إلا علام الغيوب! إلا أن تفجر «فضيحة إنذارات» ما قبل 11 سبتمبر، طرحت بقوة احتمالين آخرين: إغماض العين.. أو التورط! وبعيدا عن تبني «نظرية المؤامرة»، أو ما وصفه بوش ب«رائحة المناورة» التي اتهم الديمقراطيين بتحريكها، فإن كشف المستور، عقب اعلان محطة تليفزيون أمريكية عن وجود تحذيرات مسبقة على مكتب الرئيس بوش، وكبار المسئولين، قبل وقوع الهجمات بأسابيع، اضطر البيت الأبيض للاعتراف، بعد أن أصبح الانكار مستحيلا، وفتح ذلك الباب أمام تساؤل بديهي: لماذا لم يتحرك بوش لمواجهة الموقف قبل أن تقع الواقعة؟ البحث وراء الدوافع لقد ارتفعت أصوات اليمين المتطرف الأمريكي، عقب أحداث سبتمبر، تتهم إدارة بوش بتنفيذ الهجمات - وليس العلم بها فقط - حتى تكون ذريعة لطلب سلطات استثنائية تتيح الإجهاز على الميليشيات اليمينية، والتقى مع تلك الرؤية تحليلات داخل، وخارج الولايات المتحدة، تؤكد أن ما حدث صناعة أمريكية - خالصة - وأن الادارة والأجهزة الأمنية ضالعة، أو على الأقل فإن ثمة «تعاون» بين أطراف أمريكية وأطراف خارجية تتراوح بين الموساد وعناصر أصولية) وكانت تلك التحليلات تستند - بالأساس - الى أن ما حدث بكل تلك الدقة في التخطيط، والتقنية شديدة التقدم المستخدمة في التنفيذ، لا يمكن إلا أن يكون من صنع جهاز بكفاءة وحجم الـ «سي.آي.إيه» كما أن البحث عن المستفيد طبقا لتحليل أي جريمة - على ضوء دراسة دوافع الفاعل المحتمل - سوف يقود الى نتيجة مشابهة! في هذا السياق تم طرح احتمال التنفيذ بواسطة الموساد، بالاتفاق مع عناصر ذات وزن ثقيل في إدارة بوش، وبموافقته الضمنية أو الصريحة، لأن عملية بهذا الحجم سوف تكون ذريعة قوية لإطلاق يد الولايات المتحدة في تنفيذ خططها الطموحة للهيمنة على العالم، بل إن عضوة بمجلس النواب - وهي ديمقراطية تمثل ولاية جورجيا أعلنت بوضوح - في ابريل الماضي - أن إدارة بوش كانت على علم بما حدث، ولم تتخذ إجراءات تمنع وقوعه، لأن عددا من المقربين من إدارة - أفراد وجماعات مصالح - سوف يحصدون أرباحا طائلة - تفوق أي خيال - من جراء اشتعال الحرب ضد الارهاب، التي لا تحتاج سوى لذريعة. و.. و.. وفرضيات عديدة تم نسجها على هذا المنوال، تؤكد أن بوش أجرى حساباته على النحو التالي: أن الخسائر المتوقعة، مهما كان حجمها، سوف تتحول الى مكاسب سياسية واقتصادية واستراتيجية هائلة تعود عليه شخصيا وعلى ادارته، وجماعات المصالح المرتبطة بتلك الادارة. الكتاب - القنبلة! ثم صدر كتاب «الاحتيال المرعب» للفرنسي تيري ميسان الذي أكد على صفحاته أن ما حدث في سبتمبر كان من تدبير الإدارة الأمريكية، التي كانت بحاجة الى ذريعة قوية لشن حرب واسعة تخدم مصالح الولايات المتحدة في العالم تحت دعوى مكافحة الارهاب، وأن الانفجار المروع في البنتاجون كان بفعل صاروخ أمريكي من طراز «كروز» وليس من جراء ارتطام طائرة ركاب مختطفة، وإلا فأين ركاب الطائرة المزعومة الذين لم يعثر لهم على أثر؟! وقال ميسان - في كتابه القنبلة - ان الطائرتين اللتين اصطدمتا ببرجي مركز التجارة تم توجيههما عن بعد بأيد أمريكية، وأن إدارة بوش أخرجت تلك المسرحية حتى تسيطر هستيريا الحرب على العقول، بل إن بوش شخصيا كان على علم بموعد الهجوم، وأعطى موافقته، وتساءل ميسان عن سبب تغيب آلاف اليهود عن مكاتبهم في البرجين، مؤكدا أنهم تلقوا تحذيرات مسبقة و.. و.. وحاول الكاتب الفرنسي أن ينفي عن نفسه اللجوء لنظرية المؤامرة، فدعم آراءه بشواهد عديدة، وتفسيرات منطقية. ولم يكن أصحاب تلك الرؤى بحاجة الى الكشف عن فضيحة الانذارات الأخيرة للاستناد اليها في دعم ما ذهبوا اليه لأن ثمة شواهد وتفاصيل سابقة، لم تكن بحاجة إلا لمحلل أمني متوسط المستوى، يربط بين الخيوط، ثم لجهاز مخابرات لا يمتلك قدرات ال«سي.آي.إيه» يضع خطة وقائية، اجهاضية لمواجهة الكارثة التي لم يكن حدوثها سوى مسألة وقت، طبقا للمعلومات والتقديرات المتاحة وكان بعضها منشورا على مواقع الانترنت! رتوش تكمل الصورة وإذا بدأنا في تتبع الأمر منذ تولي بوش مسئولياته، فإنه تسلم من سلفه - كلينتون - في ديسمبر 2000 وثيقة بعنوان «التهديدات حتى عام 2015» تتضمن تفاصيل كاملة عن الأخطار الارهابية التي تهدد الأمن القومي الأمريكي، كما تسلم ملفا متخما عن أسامة بن لادن وخططه بشأن ضرب أهداف أمريكية في الداخل والخارج. وثمة تفاصيل ورتوش، وجوانب أخرى، تكمل بناء الصورة. ـ استقالة جون أونيل نائب رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي قبل أشهر من أحداث سبتمبر، بعد اتهامه للإدارة بعرقلة أي تحقيقات حول طالبان، بهدف اتمام صفقة خطوط نفط معها، وهو الاتفاق الذي وقعته إدارة بوش - بالفعل - في 7 مارس 2001، واتهم أونيل - صراحة - الإدارة بالدفاع عن مصالح كارتيلات النفط، وليس عن الأمن القومي! في أوائل يوليو 2001 حذر ريتشارد كلارك المسئول الأول عن مكافحة الجاسوسية بالولايات المتحدة في اجتماع شارك فيه مسئولون من 12 وكالة فيدرالية، حذر من أن «شيئا خطيرا بدرجة هائلة سوف يقع هنا، وأن وقوعه وشيكا».. ولم يتم الربط بين تحذير كلارك، وتحذير آخر - بنفس المعنى - صادر عن ال ـ«سي.آي.إيه» في الفترة الزمنية ذاتها. كانت سماء الولايات المتحدة صبيحة يوم 11 سبتمبر في حماية 8 طائرات حربية رابضة على الأرض، وتحت قيادة عناصر تابعة للحرس الوطني!! استقالة رئيس لجنة التحقيق في هجمات سبتمبر من منصبه في نهاية ابريل الماضي، وبعد أقل من شهرين على توليه المهمة، وفي ظروف غامضة، مع الوضع في الاعتبار ما كان مشهودا له بالكفاءة والموضوعية. ـ رفض مسئولو المخابرات ومكتب التحقيقات الفيدرالية التعاون مع الكونغرس، الى الحد الذي دفع رئيس لجنة التحقيق البرلماني بوب جراهام للتلويح برفع الأمر الى الرئيس بوش، حتى يتدخل، أو يصدر مذكرة استدعاء للمسئولين في الجهازين، وكان ذلك التطور قبل أقل من أسبوع على تفجر فضيحة الانذارات. ـ ممارسة البيت الأبيض ضغوطا سرية على الكونغرس حتى لا يفتح تحقيقات حول الثغرات التي شابت أسلوب عمل الأجهزة الأمنية والمخابراتية خلال الفترة السابقة على هجمات سبتمبر. ـ نفي نقابات الطيارين الأمريكيين تلقي أي تحذيرات حكومية بشأن احتمال اختطاف طائرات مدنية، رغم إدعاء البيت الأبيض أنه حذر - بالفعل - شركات الطيران بهذا الصدد، بناء على تحذيرات مخابراتية قبل هجمات سبتمبر. ـ نفى المسئولون عن مدارس الطيران في «أريزونا» أي علم باهتمام الأجهزة الأمنية بموضوع انضمام متدربين عرب الى مدارسهم، وعدم طلب أي معلومات حول أي من هؤلاء المتدربين قبل الأحداث. ـ تعمد بوش وأركان إدارته - منذ تفاعل فضيحة التحذيرات - إثارة الفزع في صفوف المواطنين بهدف تغيير اتجاه الرأي العام الذي بدأ في اتهام الإدارة والأجهزة الأمنية بالتقصير، والمثير أن التحذيرات تميل الى التعميم، مما يدفع الى الظن بأن الهدف الحقيقي هو صرف الأنظار في اتجاه آخر ليس إلا! ـ رفض نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني الكشف عن نص التحذير الذي تلقاه بوش قبل وقوع الهجوم بأكثر من شهر، والاصرار على عدم تقديم البيت الأبيض أي تفسير موضوعي لعدم الكشف عن الكثير من الملابسات المحيطة بالقضية. تساؤلات بلا إجابة في وسط كل هذه التفاصيل تظل تساؤلات عديدة قائمة بلا إجابات شافية أو مقنعة: ـ لماذا تجاهلت إدارة بوش كل تلك التقارير والمعلومات؟ - لماذا لم تحاول الأجهزة الأمنية والمخابراتية التعامل بجدية مع الأمر؟ - لماذا لم يتم الربط بين الخيوط العديدة التي كان يجب الربط فيما بينها للخروج باستنتاجات محدودة، ورؤية أكثر وضوحا للموقف؟ - ما الدافع المشترك بين البيت الأبيض والأجهزة المعنية في التقليل من شأن المعلومات التي توافرت قبل الهجمات؟ - لماذا لم تتم إقالة، أو استقالة، أي مسئول أمني أو مخابراتي كبير رغم إقدام الكثيرين على الاستقالة في مناسبات أقل هولا - بكثير - مما حدث؟ - لماذا لم يدحض أركان إدارة بوش ما ذهب اليه خبراء مكافحة الارهاب من أن الحكومة كان بمقدورها التنبؤ بالهجمات واتخاذ الاحتياطات المناسبة؟ أسئلة كثيرة ما زالت معلقة تبحث عن إجابة، وتصب كلها في خانة إدانة البيت الأبيض، والأجهزة الأمنية والمخابراتية، وتتجاوز مجرد الاتهام بالتقصير الى ما هو أكثر فداحة وخطورة. ربما من هنا - تحديدا - تأتي أهمية التساؤل الذي طرحه زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب ديك جيبارت حين قال: «علينا أن نعرف ما الذي كان يعرفه الرئيس والبيت الأبيض حول التطورات التي أدت الى 11 سبتمبر؟ وفي أي وقت عرفوا بها؟ والأهم من ذلك ما الذي فعلوه بشأنها في ذلك الوقت؟» إن الذي يستوقف النظر هنا في عبارة جيبارت أنه صاغها بطريقة تشبه الى حد بعيد السؤال الذي طُرح في بداية التحقيق في فضيحة «ووتر جيت». هل يعني ذلك - على نحو ما - أن بوش يمكن أن يواجه نفس مصير نيكسون؟ ربما.. فلا شييء يصبح مستبعداً، ما دامت ورقة الدومينو الأولى قد سقطت! إلا أنه بالمقابل، ثمة روح يسودها التشاؤم والشك فيما يتعلق بالتحقيقات التي قرر الكونغرس اجراءها حول مدى تقصير ال«سي.آي.إيه» والمباحث الفيدرالية في منع وقوع الهجمات، إذ يتوقع العديد من المراقبين أن تواجه التحقيقات المزمعة عقبات كثيرة من جانب الأجهزة المعنية، بحيث يكون السيناريو الأكثر توقعا هو عدم تقديم تلك الأجهزة لكل المعلومات والتقارير التي كانت بحوزتها الى المحققين، ثم يقدم المسئولون كماً هائلاً من المعلومات الفنية التي يصعب فهمها على غير المتخصصين، حتى يغرق المحققين في خضم هائل من المعلومات والبيانات التي يغلب عليها الغموض! على الجانب الآخر - في إطار ذات السيناريو - فإن الأمر لن يختلف كثيرا في الكونغرس، إذ تمضي الأمور بشكل مواز متصاعد خلال المشاكل بين الجمهوريين والديمقراطيين حول ما تتضمنه التقارير المقدمة، وبدرجة تدفع باتجاه إفشال التحقيق! هل نحن بصدد جريمة كاملة؟! لاشك أن المتهم سوف يحاول بكل الوسائل دفع التهمة بعيداً عنه. هكذا تبدو الصورة قاتمة على نحو يفرض مرة أخرى، وبعيدا عن نظرية المؤامرة، ورائحة المناورة، ممارسة قدر من «الشك الديكارتي» للوصول الى درجة ما من اليقين بصدد التعامل مع القضية، باعتبار ما حدث لا يمكن - خاصة بعد إماطة اللثام عن فضيحة التحذيرات - أن يكون مجرد تقصير، وأن ثمة احتمالات أخرى، تتعلق «بدور ما» لبوش وإدارته، ربما أكثر بكثير مما يستطيع أن يرسمه أو يتصوره عقل مخرج عبقري لأفلام الخيال و«الأكشن»، أو متآمر من طراز نادر، ربما لا مثيل له إلا ضمن أولئك الذين صنعوا - بالفعل - أحداث 11 سبتمبر! ـ كاتب مصري