الملف السياسي: عادت كرة تفجيرات 11 سبتمبر في واشنطن ونيويورك الى حيث يجب ان تكون، الى الملعب الاميركي نفسه، بعد حوالي تسعة أشهر حاولت خلالها ادارة الرئيس جورج بوش اشغال الاميركيين والعالم بمسائل جانبية تحت ستائر عريضة لعل الارهاب ومكافحته أبرز العناوين بينها. و«البرج» الثالث والأخطر الذي انهار في التفجيرين هو النظام الاستخباري الأميركي. فتحت افتراضات عدة وتحليلات وتفسيرات وتأويلات تتعاطى مع ما حدث على انه في حده الأدنى تقصير من المخابرات المركزية في التعاطي مع مؤشرات سبقت التفجيرات، ومعها هي بالذات وما أعقبها، فقد أعلن مؤخراً انهيار ذلك النظام الذي طالما تغنى بقدراته على قلب أنظمة سياسية والاطاحة برؤوس وعقول وجيوش حتى في عز أيام زمانه في الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي سابقا. وتحت افتراضات أخرى تنشط في الربط بتوقيت الإعلان عن «نعي» ذلك النظام وتقصيره بالانتخابات المرتقبة في الكونغرس الاميركي، وعمليات شد الحبال بين الديمقراطيين والجمهوريين والحرب العبثية ضد «الارهاب» في افغانستان وما شابه. لكن الخبراء الاستخباريين في بيروت (وهم عادة يعملون ويحللون في الظل، لا يرون انهيار النظام الاستخباري الاميركي عملاً سياسياً على الاطلاق. ويصفه أحدهم بالقول: «انه واقع مخابراتي معقد جداً، للسياسة فيه استهدافات تكتيكية، لكنه استراتيجياً، عمل استخباري بامتياز ويجب قراءته بنظارات سوداء (أي وفق منطوق المخابرات) وليس بعيون أهل السياسة والمال والأعمال والاقتصاد والمصالح». لكن هؤلاء يستدركون قائلين انه يجب وضع النقاط فوق الحروف، كما يشرح الدكتور كمال ملاعب (استاذ جامعي) بقوله: 1ـ ان نظام المخابرات المركزية الاميركية «سي.آي.ايه» ليس تجسساً فحسب، بل هذا هو الأقل حجماً بين أدواره التي تتركز على خطط استراتيجية تتعلق بعلاقات الولايات المتحدة بالأنظمة القائمة في العالم، أو تلك التي انتهت وبادت أو التي أطيح بها وتخطط للعودة الى السلطة. 2ـ بعكس الرائج، فإن ذلك النظام هش وضعيف وعاجز في أداء مهمات كثيرة وفاشل في أداء أخرى، وهو طالما ورط ادارات أميركية عدة بحروب ووحول كادت تلامس الحرب العالمية الثالثة، ولعل فضيحة الصواريخ في كوبا عام 1960، وباخرة التجسس «ليبرتي» في عدوان يونيو الاسرائيلي عام 1967 من الادلة على ذلك. 3ـ يبدو اختراق المخابرات الاميركية بالعملاء المزدوجين لصالح أجهزة استخباراتية أخرى، وهو ما حصل مراراً وتكراراً خلال العقود الثلاثة الأخيرة بالذات، مع بدء تفكك الاتحاد السوفييتي وقبيل انهياره، أخطر بكثير من الاتهامات التي توجه الى ما سمي بتقصيراتها في احباط تفجيرات 11 سبتمبر قبل وقوعها. وشهد شاهد من مخابراته تقول الإعلامية ماري بطيش ان تلك النقاط الثلاث هي ما أكده لها وغيرها الكثير ايضاً، روبرت بايير العميل السابق في المخابرات الأميركية، وصاحب كتاب «انهيار سي.آي.ايه» وهو عبارة عن مذكرات محارب «في الظل» على جبهات الاصولية الاسلامية. بطيش التقت بايير (وعمره 49 سنة) في باريس وتقول انه يتحدث العربية بطلاقة، وسبق ان عمل في لبنان والعراق وآسيا الوسطى وباريس. ومن المتوقع ان يتحول كتابه ذاك الى فيلم سينمائي قريباً. يوضح العميل السابق، وهو ضابط أمضى في خدمة المخابرات أكثر من عشرين سنة: «قبل 11 سبتمبر الماضي، لم تكن وكالة الاستخبارات الاميركية تملك أي مصدر حقيقي في أفغانستان، ولم تأبه بأن يكون لها حضور فعال وسط الجالية الاسلامية، في ألمانيا مثلا، لاسيما في هامبورج حيث تم التحضير للعمليات الانتحارية، لقد أصيبت الوكالة منذ سنوات بالعمى والصمم، فمن أين كان يمكن إذن اكتشاف ما يحدث داخل التنظيمات الارهابية». وعن أسباب التراجع الذي أصاب الوكالة تنقل بطيش عن بايير قوله ايضاً: «الواقع انه بعد انتهاء الحرب الباردة، حصل نوع من التراخي داخل الوكالة، وتحولت الى بيروقراطية من الطراز الأول، ينخرها الكسل والروتين والجبن مما يسمى مبادرات هجومية، ولم يعد تجنيد المصادر مهمة أساسية مع انها مسألة حيوية في مجال التجسس. كل شيء تغير مع مطلع التسعينيات وشهدنا تجميداً لكل العناصر التي نشطت في هذا المجال بطريقة أو بأخرى. ولعل السبب الأساسي الكامن وراء ذلك هو حرص الوكالة على عدم الاساءة الى العلاقات الدبلوماسية مع الدول الصديقة. وفي أخرى طغى هاجس الاجراء السليم من الناحية السياسية على الوكالة فأصبحت مسألة ترقية العنصر فيها تتم بأي ثمن، وبمنأى عن الكفاءة، وفي التسعينيات، أصبحت مراعاة التساوي بين الرجال والنساء العاملين في الوكالة من حيث العدد، تشغل بال المسئولين أكثر من مسألة جمع معلومات مهمة حول الجماعات الارهابية الاصولية. وحول ما إذا كان بايير يبالغ في تصوير مثل تلك الوقائع للوصول الى التأثير على الآخرين، ومحاولة اقناعهم بالخلاصات التي يريدها من تجربته المخابراتية، يوضح بقوله: «ليتأكد الجميع اني لا أبالغ، تصوروا ان زوجة أحد الضباط شعرت بالفراغ، فطلبت العمل في الوكالة، وشرعت تطبع تقارير زوجها، وسرعان ما تحولت الى منصب نائب مدير القسم المكلف دراسة شئون الخليج وافغانستان! وهي تملي التعليمات على الضباط سواء في قندهار أو في كابول، رغم عدم خبرتها، وعدم نزولها الى ميدان الصراع، فهل يجوز ذلك؟ وأية مبالغة يمكن ان تكون بعد ذلك؟». وفي نقد ذاتي يتابع قائلا: «انني أعرف الفرق الاربعة لـ (سي.آي.ايه) انهم مثلي، في الخمسينيات من العمر يفتقرون الى اللياقة البدنية، ولم يعودوا قادرين على القتال، وخصوصا في مواقع صعبة كأفغانستان، والحرب السرية المزعومة التي تدور رحاها، كما قيل على ارتفاع خمسة آلاف متر ليست سوى خدعة يقصد بها الحصول على مزيد من الأموال». تسأله بطيش: «كيف تبرر عدم اكتشاف المخابرات المركزية الاميركية مسبقا لما يخطط من تفجيرات في 11 سبتمبر الماضي، فيجيب بايير أخيرا: «كنا كثيرين في الشرق الأوسط وفي العالم، وعجزنا عن اكتشاف المؤامرة الارهابية على برجي التجارة العالميين والبنتاغون، وجاءت التفجيرات بشكل يستحيل تخيله، وهي في مطلق الأحوال ادانة لقصورنا عن توقع ما حصل ولمؤسساتنا ووسائلنا التكنولوجية الحديثة الوكالة المغمورة بالآليات الفاعلة، الاقمار الاصطناعية، التقاط المكالمات الكترونياً.. كنا نعتمد على اصدقائنا في أوروبا والشرق الأوسط لاطلاعنا على ما يتعلق بالاصوليات الاسلامية واجنحتها المتطرفة. لكن في النهاية، لديكم انتم العرب مثل شعبي ظريف وله دلالته في سياق ذلك، فهو يقول: «ماحك جلدك غير ظفرك». لقد اعتمدنا على غيرنا، هذا صحيح، وقد كنا مخطئين حتى الموت تحت سابع ارض، في ذلك، وهذا اصح من الصحيح». عودة إلى الامجاد»! وما لم يقله بايير، يلفت اليه مسئول العلاقات الخارجية في «حزب الله» في بيروت نواف الموسوي لجهة الاضطراب القائم في العلاقات بين المخابرات المركزية الأميركية والاستخبارات الاسرائيلية (الموساد)، وذلك بعد ان تمكن العملاء الاسرائيليون من السطو على البث التجريبي لمحطات المجمع الاستخباري في الولايات المتحدة. وعلى ضوء ذلك تقول تقارير اجنبية تلقتها جهات نقابية وعسكرية لبنانية مؤخراً (وفق ما يكشف النقاب عنه) نقيب محرري الصحف والمجلات والمطبوعات (ملحم كرم) ان وكالة المخابرات الاميركية تجتاز ازمة عميقة، تشهد حركة اقالات، واستقالات غير مسبوقة في حجمها، على خلفية التقصير الكبير الذي لم تتمكن من تفاديه على الرغم من ميزانياتها الكبيرة، وصلاحياتها الواسعة. وإذا كانت قد ربحت العديد من المعارك، ايام الحرب الباردة، فإنها في مواجهة الارهاب الاصولي، بدت غير جاهزة ولا مستعدة للتصدي له. ولذلك راكمت الفشل، منذ تفجير السفارتين في نيروبي ودار السلام عام 1988، مروراً بتفجير المدمرة «كول» في ميناء عدن عام 2001 ووصولا إلى تفجيرات 11 سبتمبر ولعل ذورة الخلل تمثلت في الاكتشاف المتأخر لشبكة تجسسية اسرائيلية إقتفت خطوات انتحاريي اسامة بن لادن الـ 19 الذين قادوا الطائرات المخطوفة في المدن الاميريكية حيث كان لهم حضور، من دون علم السلطات الاميركية. وقد عادت تلك الشبكة إلى اسرائيل، قبل أيام من حدوث الهجمات الامر الذي كشف عن ملامح «ووترلو» جديدة بها يتخبط فيها المجمع الاستخباري الاميركي، فيما لا تستطيع ادانه بوش اكثر من معالجة ذيول ما حدث وراء كواليس الصمت، وعض الاصابع مع الحكومة الاسرائيلية. وهو يسعى الان لاظهار نفسه وكأنه يقود «انتفاضة» لتطوير المخابرات المركزية الاميركية التي كان والده الرئيس الاب جورج بوش رئيساً لها ذات مرحلة. ومن ضمن ذلك يضيف في الميزانيات المرصودة للمهام الاستخبارية، واحاطة نفسه بمستشارين في الامن القومي امثال بول وولفوتيز، ريتشارد ارميتاج، ودوف زاخايم، وتنشيط جناح الاغتيالات والتصفيات والتركيز على مواجهة الارهاب النووي، والكيماوي، والبيولوجي، مع ضمان توفير تكنولوجيا المعلومات الحديثة جداً «للجواسيس الاميركية في عصر الانترنت». كما طلب بوش من الكونغرس تخصيص 27.1 مليار دولار اضافية للقوات المسلحة. والامن الداخلي لتلبية الاحتياجات الامنية المحلية المتزايدة في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر. وتلفت التقارير الواردة إلى بيروت الى ان مدير الـ «سي.اي.ايه» اليوناني الاصل، جورج تينيت، مازال متفائلاً بقدرته على اعادة اطلاق «مجد» المجمع الاستخباري الاميركي الذي يضم نحو مئة ألف موظف، وعشرات الآلاف من المخبرين في العالم، ومقره في «فورت ميد» بولاية ماريلاند الى واشنطن وبالتيمور. وبمزيد من النزق والتباهي يقول تينيت لبعض المسئولين العرب الذي التقاهم مؤخراً، خاصة خلال بعض الجولات الشرق اوسطية التي قام بها: سنعيد امجاد المخابرات الاميركية، ولن يكون الوقت بعيداً لنضيف الى لائحة بعض اعمالنا المشرفة، انجازات اخرى. ومن هذه الاعمال مثلاً: 1ـ فواز يونس: دشنت المخابرات الأميركية في 13 سبتمبر 1987، زمن وليام كايسي اسلوب اختطاف المطلوبين، وكان مسئول حركة «امل» العسكرية في منطقة برج البراجنة (جنوب بيروت)، فواز يونس هدف عملية «العصا الذهبية» عندما نقل الى عرض البحر، ومن هناك الى الولايات المتحدة، حيث السجن المؤبد، بعد ان اختطف طائرة اردنية الى مطار بيروت في 11 يونيو 1985 ونسفها. 2 ـ رمزي احمد يوسف: «الرأس المدبر لانفجار مركز التجارة العالمي (23 فبراير 1993) اعتقل في احد فنادق كراتشي في يناير 1995، وتبين ان لديه عشرة جوازات سفر، واعتقل معه محمد سلامة ونضال عياد. 3 ـ انها الساعة الرابعة فجراً، ميرايمال كانسي، الباكستاني الذي تطارده المخابرات الأميركية منذ 1993 يغط في نوم عميق على تقاطع الحدود الافغانية ـ الباكستانية، اقتيد سراً الى الولايات المتحدة، قيل ان جماعة الملا عمر، في مراحل «الغزل السياسي» بينه وبين الرئيس كلينتون، قد ساعدت على ترحيله، وهو الذي اطلق النار في 25 يناير أمام مبنى «سي. اي. ايه» في ولاية فرجينيا، ضاحية لانغلي، فقتل اثنين من ضباط الوكالة وجرح اخرين، وكلف القبض عليه مليوني دولار. .. في الولايات المتحدة محاولات للتذكير بمثل تلك «الامجاد» تغطية لتقصير المخابرات في 11 سبتمبر، ودعما للرئيس بوش في مواجهة الظروف الداخلية الدقيقة، والتي تزداد حساسية على ابواب الانتخابات المرتقبة للكونغرس، وووسط ظروف دولية واقليمية تدعو كبار العالم، قبل صغاره الى الخوف على المصير والمسير