وفي ضوء هذه الخلفية يبدو ان المعلومات الاخيرة حول ملابسات 11 سبتمبر وتعامل ادارة بوش معها وضعت النقاط على الحروف، لناحية غض البصر عن «الارهاب» وتركه يتمادى ويرتكب الحماقات، التي يمكن توظيفها لحروب اميركا وانفلاتها في تعاملها مع العديد من المناطق في العالم وفي خضم ذلك، شهدت الولايات المتحدة عدة هزات ارضية متتابعة وكان آخرها عودة زلزال 11 سبتمبر 2001، بعد ثمانية اشهر على وقوعه الى التداول الساخن في واشنطن لكن هذه المرة من زاوية جديدة طرحت علامات استفهام وانطوت على اتهامات اثارت «ضجة» في الوسطين السياسي والاعلامي الاميركيين نظرا لابعادها ومدلولاتها الخطيرة. فقبل ايام انفجر هذا الموضوع على اثر توافر معلومات تناقلتها وسائل الاعلام تفيد بان ادارة الرئيس بوش كانت قد تلقت معلومات استخبارية في السادس من اغسطس الماضي تحدثت عن امكانية وقوع (اعمال ارهابية) كبيرة في الداخل الاميركي وفي الامد القريب، ولم تتخذ اي اجراءات احترازية لاحباط مثل هذه الاعمال بل ان بعض التقارير ذكرت ان واشنطن تلقت تحذيرات عاجلة وصريحة من بلدان واستخبارات اجنبية تتحدث عن عمليات ارهابية وشيكة الوقوع يخطط تنظيم (القاعدة) لتنفيذها ضد اهداف اميركية كبيرة، ومن هذه المعلومات ما اشارت بالذات الى الطائرات المدنية وترجيح احتمالات اختطافها وبدأ النقاب ينكشف عن المزيد في التفاصيل التي تصب في هذا المجرى، ومن ابرز ما جاء بوجود طلاب اجانب يتلقون تدريبات في مراكز طيران في ولاية اريزونا، والتقرير اوصى بوجوب فتح تحقيقات معهم لكن التقرير هذا لم يؤخذ به وبقيت توصيته من دون تنفيذ. في حين كان (آريفلايشر) المتحدث باسم البيت الابيض قد انكر معرفة الرئاسة بالمذكرة قائلا (ليس لدينا مايشير الى ان الرئيس رأى او سمع بهذه المذكرة الا قبل بضعة اسابيع فقط). بجانب ذلك اكد احد مسئولي وزارة العدل ان وزير العدل لم يحصل على تفاصيل بخصوص المذكرة المعروفة باسم «مذكرة فينيكس» الا منذ شهر تقريبا. وبجانب ذلك فقد تردد ايضا ان خطة عسكرية جاهزة لضرب تنظيم ابن لادن وصلت الى مكتب الرئيس بوش قبل يومين فقط من هجوم 11 سبتمبر، لكن الرئيس لم يتسن له الاطلاع عليها. وتوسعت دائرة الشبهات والظنون حين كشفت «دايان فاينستاين، عضو مجلس الشيوخ، انها فاتحت الجهات المعنية في الادارة بضرورة اتخاذ احتياطات وخطوات احترازية عاجلة وفعالة قبل احداث 11 سبتمبر لتطويق اية عملية ارهابية لكن الادارة تجاهلت طلبها. وفي الوقت الذي تستمر فيه التساؤلات بشأن ما يحتمل ان الرئيس بوش وكبار مسئولي الحكومة الاميركية كانوا على علم بشأن التهديدات المحتملة، فان التطورات التي شهدتها الاسابيع الماضية انطوت على تصوير الحكومة وكأنها تتعامل من خلال مستويات متباينة من مصادر المعلومات وتنامى الاعتقاد بان مكتب التحقيقات الفيدرالي اما كان غير مهتم واما عاجز او الامران معا. ازاء ذلك فمازالت العملية تتفاعل حتى اللحظة ومعها يحوم المزيد من الشكوك حول حقيقة ما كان بحوزة ادارة بوش من معلومات كما عن الدوافع والاسباب التي وقفت وراء سكوتها وعدم تحركها. والملاحظة هل ستنحو الاحداث الداخلية في واشنطن منحى فضائحيا في اللحظة الراهنة بعد ان تجاوز الامر مرحلة التساؤل عن حقيقة علم الرئيس بالعمليات الارهابية قبيل وقوعها، بل وتجاوز ايضا الجدل حول اسباب تقاعس الرئيس عن اتخاذ اجراءات واقية، والقضية الآن اصبحت في طور السجال الحزبي والاتهامات المتبادلة، حيث تواجه عاصفة الغضب التي يشنها الديمقراطيون في الكونغرس ضد الرئيس بوش وادارته والمطالبة بكشف حقيقة التقصير برد من الجمهوريين وباتهامات من قبيل سود النية والاستغلال السياسي وليس مستبعدا بشكل نهائي ان يتم جر الرئيس بوش في حالة تطور القضية لتحقيق قانوني شبيه بذلك الذي جرى لسلفه كلينتون. والمهم في الامر ليس الجانب الدرامي، انما المهم ان تطورا بهذا الحجم سيأخذ مكانه في قائمة المؤشرات المهمة في السياسة الاميركية حيال العالم كله وحين تملى قواعد ادارة الازمات باستئصال لب المشكلة والتركيز على حلها وعلاجها وعدم تشتيت الموارد على الامور الثانوية فان اي عملية لادخال ترتيب جديد ستواجه معارضة ومحاولات افشال في تلك القوى المستفيدة من الوضع الحالي مالم يتم اخذها في الحسبان وثمة طرق تستهوي الادارات الاميركية للخروج من الازمات والفضائح، سيما وان عدة سيناريوهات شبه جاهزة للمواقف والمعضلات، ففيما يتعلق بالتفصيلات، لجأ الديمقراطيون في الكونغرس الى فتح تحقيق موسع حول الامر، وضرورة الكشف عن الوثائق الخاصة بعلم الرئيس الاميركي شخصيا باعتزام جماعات ارهابية بتنفيذ هجمات ضد المصالح الاميركية، فالتهمة المبطنة في هذه المعلومات والمداولات، هل كانت ادارة بوش فعلا على علم مسبق بعملية ارهابية ليس بالضرورة بحجم التي وقعت، وتجاهلت الامر عن عمد، لتركها تأخذ سبيلها الى التنفيذ أم ان الامر لايتعدى التصور الاستخباراتي والامني. بمعنى آخر هل تركت اليد تقوم بضربة موجعة في اميركا كي تأخذ منها الذريعة لتغطي بها انفلاتها العسكري والسياسي في العالم. وبجانب ذلك، فان الديمقراطيين بدأوا يضغطون على اوتار حساسة بالنسبة للاميركيين وهو ما اتضح في الاسئلة التي رددتها وسائل الاعلام الاميركية من قبيل: لماذا تأخر الامر ثمانية اشهر قبل ان يتم ابلاغ الشارع الاميركي بالامر.. وماهي الاحتياطات التي اتخذتها الادارة لمنع وقوع تلك العمليات وما الذي يضمن عدم تكرار الكارثة لاحقا مادام علم الرئيس الاميركي يساوي عدمه. ومهما حاولت ادارة الرئيس بوش تقييد الجدل حول عدم اتخاذها الاجراءات الكفيلة بمنع وقوع احداث 11 سبتمبر على منصة الخلافات الحزبية فلن تستطيع الافلات من الاجابة عن الاسئلة الخاصة بالقضية ليس من اجل الماضي فقط، بل من اجل التأكيد من امكانية ان الحكومة يمكن ان تفعل كل ما يلزم لحماية مواطنيها من هجمات محتملة مستقبلا. ادارة الرئيس بوش ردت بان خصومها في الكونغرس ارادوا فتح هذا الملف لتحقيق مآرب سياسية لا اكثر ،ولا ضعاف موقف الرئيس وحزبه الجمهوري من خلال تحميل البيت الابيض مسئولية حدث كبير او على الاقل خلق مناخ من القلق والارتياب قد يؤثر في انتخابات الكونغرس في شهر نوفمبر المقبل. وفي هذا السياق، بات من المؤكد ان اغتنام الفرص من هذا النوع لانزال الخسائر بالخصم ممارسة معروفة في السياسة الاميركية لكن ذلك لايلغي بالضرورة صحة القضية وبالتالي فان امر تسييسها لايقلل من مشروعية طرح التساؤلات حول نوايا الادارة ثم ان هناك منذ البداية تسليما اميركيا واسعا بوجود قصور استخباراتي ـ امني، والا كيف كان لعملية واسعة وخطيرة بهذا الحجم والتنظيم ان تلقى طريقها الى التنفيذ من دون اعتراض. ولكن ما تردد في الايام الاخيرة بهذا الخصوص والتراشق الذي حصل حوله يشير الى ان هناك ماهو ابعد من مجرد قصور او تصفية حسابات سياسية او توظيفات انتخابية وبدا من خلال العديد من الوقائع التي برزت ان المعلومات حملت اسماء وارقاما وتحدثت عن تقارير وعن الجهات الصادرة عنها سواء الاجنبية ام الاميركية كذلك فان دخول الكونغرس ودفعه باتجاه الكشف عن حقيقة موقف الادارة وتعاطيها مع هذه المعلومات من شأنها تعزيز مصداقية علامات الاستفهام المصوبة باتجاه الادارة ونواياها فمهما كانت الارباح السياسية مغرية لا يجرؤ الكونغرس وبالتحديد خصوم الرئيس بوش على تصعيد الموقف وتسخينه بهذا الشكل بكل ما ينطوي عليه من حساسيات تطول الامن القومي في صميمه لو لم يكن هناك تصور ضمني للموضوع. كذلك فانه حتى في حالة ان نظرية القصور البحت صحيحة فان الثابت ايضا لم تحصل هناك تحقيقات جريا على العادة في مثل هذه الحالات وماهو اقل منها حول الملابسات والاهم من ذلك انه لم تتدحرج رؤوس كبيرة او تقصير امني بهذا المستوى ولو وجد فالموضوع يرقى الى مستوى الفضيحة والمألوف ان الفضيحة في اميركا لاتمر من غير ثمن، كما اوحى الهجوم المضاد الذي شنته الادارة الاميركية بسرعته وكثافته ومستوى الذين اضطلعوا به من كبار المسئولين ان هناك خلف الاكمه ما يخشى انكشافه. وفي هذا الاتجاه فان ادارة الرئيس بوش ردت على كل الموضوع بعدم نكرانها بوجود معلومات في شأن (احتمال وقوع عمليات ارهابية) غير انها تذرعت بان التحذيرات كانت عمومية لكن ذلك لايرد على التهمة المبطنة ولا يفسر سكوت الادارة على المعلومات ناهيك بعزوفها عن التصرف في ضوئها. وجاءت تصريحات نائب الرئيس الاميركي «ديك تشيني» بخطابه في نيويورك حيث اخذ فيه موقع الهجوم على خصوم الرئيس بزعم انهم لم يتورعوا عن المتاجرة بموضوع في مثل هذه الاهمية لتحقيق مكاسب سياسية لكنه لم يعمل على تفنيد المعلومات ولم يقدم ما يحمل على شطبها او اسقاطها بل ان القضية التهبت اكثر بعد تصريحاته. واذا كان الوضع الاميركي الداخلي مرشحا لان يؤجج تلك المطالبات فان الجبهة العريضة للحرب على الارهاب توفر العديد من بوابات الخلاص لاي رئيس اميركي قد يقع في (حفرة) داخلية والامر لايحتاج الى التخطيط من الصفر، فالخطط جاهزة للتنفيذ، منها ما يصاغ في شكل حرب على مناطق في العالم لتأجيل المحاسبة الداخلية او استنباط مواقف جديدة لغرض تحويل الانظار بالتحذير من هجمات جديدة محتملة وكل الدلائل تشير الى ان ما يجري عبارة عن سيناريو «سييء الاخراج» ففي الوقت الذي تسود فيه الولايات المتحدة اجواء مشحونة بالانفعالات والتوترات تتصاعد تحذيرات من وقوع هجمات ارهابية جديدة تناقلتها تقارير اعلامية واستخباراتية ولا تستبعد تلك التقارير وقوع عمليات تفجير انتحارية، بجانب ذلك فان الموقف ينم عن انه وللمرة الاولى مند هجمات 11 سبتمبر فان الحكومة الاميركية ليس بوسعها منع وقوع هجمات جديدة وان كانت السلطات تبذل كل ما في وسعها لمنع وقوع هذه الهجمات التي يتم التكهن بوقوعها عبر التقارير اليومية التي ترد لمكتب التحقيقات الفيدرالي والتي تحتوي بصورة دائمة على سلسلة من التهديدات المحددة في بعض الحالات والعامة في حالات اخرى. ورغم كل ذلك فان الحملة المضادة والمرتقبة في الجناح الديمقراطي الاميركي تعمل جاهدة لتقويض حملة بوش وادعاءاته ومشروعه المسمى الحرب على الارهاب تلك الحرب التي كلفت الشعب الاميركي عشرات الملايين من الدولارات ناهيك عن حالات الترقب والخوف التي اسهمت وسائل الاعلام في تأجيجها للحصول على استمرار الدعم الشعبي وتناغمه مع تلك الطروحات والتي قد يراها بعض المحللين بانها تتعارض وتتناقض مع الواقع والمنطق كما في تصريحات (توم ريدج) رئيس مكتب البيت الابيض للامن القومي بانه لم تؤد التحذيرات العديدة الى اي رفع في مستوى التأهب الامني لان المعلومات الاستخبارية ضبابية للغاية، كما ويرى المراقبون السياسيون ان عامة الشعب الاميركي يمكنهم التساهل ازاء عجز المسئولين عن منع وقوع هجمات 11 سبتمبر الماضي لكن لايمكن القبول او التساهل ازاء من ينشرون اجواء الرعب بين الناس. وفي وسط الملابسات المحتملة يبقى ما يخيف الرئيس الاميركي وادارته هو امكانية نجاح الخصوم الديمقراطيين في تسييس الامر وهو مايبدو انه امر قائم وهناك تأكيدات بان رموز الحزب الديمقراطي لاتبدو راغبة في تفويت فرصة ذهبية كهذه دون ان تنال من خصومها الجمهوريين فهناك اصرار لدى الديمقراطيين في مجلس الشيوخ على التحقيق المحايد في الامر، وهو ما يرفضه نائب الرئيس الاميركي ـ تشيني ـ بصراحة وبحدة، والجمهوريون اذن وضعوا في طريق خصومهم ما يكفي من العراقيل لمنعهم من المضي في هذه المعركة فائقة الحساسية ولكن ماذا يكون الموقف لو اصر الديمقراطيون على المضي في اغتنام فرصتهم التاريخية، من المرجح ان المعركة والتحدي سيكون شرسا وضاريا ومختلفا عن المواقف ومعارك الفضائح السابقة سيما ما تردده وسائل الاعلام الاميركية من ان احد اهم اركان معركة بوش السياسية التي يشنها من خلال الحرب على الارهاب تتمثل في استعادة هيبة الرئاسة الاميركية ناهيك عن تعزيز الوضع الامبراطوري لاميركا فهو يعتقد ان هيبة الرئيس تآكلت خلال العقود الاخيرة ومن واجبه ان يعيد للرئاسة سطوتها ونفودها سيما انه ملتزم بالحفاظ على منصب الرئيس قويا في وجه المؤسسة التشريعية. ويتضح بعد كل ذلك ان الادارة قد اجهضت الزخم الابتدائي لتداعيات الفضيحة، لكنها لم تنجح في كبحها تماما، فهناك ابعد من مجرد قصور او تصفية حسابات سياسية او هيمنة انتخابية وبدا ذلك من خلال الاخذ والرد وتوالي المعلومات ان الموضوع يصح فيه المثل القائل« لا دخان من غير نار». ـ كاتبة عراقية