الملف السياسي: وكأن أميركا العملاقة كانت تغط في سبات عميق صباح الحادي عشر من سبتمبر الماضي حينما وقعت الأحداث التي هزتها من المحيط الى المحيط ومازالت تفعل.. فقد كان أعنف هجوم يستهدفها على الاطلاق منذ اعتداء اليابانيين على بيرل هاربر في السابع من ديسمبر عام 1941، فقد كانت الأفظع على مدى التاريخ، فقد تمت كل المواجهات والحروب خارج أراضي الولايات المتحدة وكان هذا أول هجوم بهذا الجهد والدقة والتوقيت والخسران يتم داخل أميركا. وبعد بيرل هاربر كانت كل حروب أميركا بعيداً عنها وفي مختلف انحاء المعمورة.. ولهذا كان الذهول والصدمة والخوف من القادم المجهول هو كل حصيلة ما بعد سبتمبر الحزين.. فكيف يمكن تفجير برجي التجارة العالميين في نيويورك، وكذلك قلب العالم العسكري وهو أكبر مبنى في العالم وعلى مقربة من البيت الأبيض في العاصمة واشنطن والذي شاءت الاقدار ان تسقط الطائرة الرابعة ليس بعيداً عنه بعد عراك بين الركاب والخاطفين. بدأت الحكاية في السادس عشر من مايو عندما عبر توم داشيل زعيم الاغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ عن قلقه تجاه تقارير وصلته في اليوم السابق تتحدث عن وصول معلومات وثيقة ومحددة الى البيت الابيض تفيد بامكانية حصول الهجمات من قبل القاعدة! سؤال الساعة وقع كالصاعقة على الساحة الاميركية ولخصته السيناتورة هيلاري كلينتون في مجلس الشيوخ واستشهدت بمانشيت عريض في جريدة الـ «نيويورك بوست» صدر صبيحة ذلك اليوم يقول (بوش كان يعرف؟ فقالت يعرف ماذا؟ ومتى عرف ذلك؟ ان الناخبين في نيويورك يودون معرفة ماذا كان يعرف الرئيس.. لكنها أكدت في اليوم التالي انها لم تكن تواجه أصابع الاتهام لأحد ولا تلوم أحداً؟ فعندما سربت بعض التقارير التي تزعم ان البيت الأبيض تلقى معلومات حول احتمال عمليات اختطاف طائرات مدنية قبل الحادي عشر من سبتمبر.. حدث ما لم يكن متوقعا في العاصمة الصاخبة ـ الحُبلى ـ بالأحداث واشنطن فقد انفجرت بشكل متصاعد حين تم الكشف بأن وكالة المخابرات الاميركية «سي.آي.ايه» سبق وان حذرت الرئيس بوش في أغسطس الماضي بأن تنظيم (القاعدة) بدأ في العمل والتخطيط لعمليات اختطاف طائرات! وفي الوقت نفسه كشف النقاب عن مذكرة رسمية كتبها عميل مخابرات الـ «اف.بي.آي» كين وليامز يوليو الماضي في مدينة فينكس عاصمة ولاية اريزونا تحذر بأن بعضاً من جنود المشاة التابعين للقاعدة يتدربون في مدارس للطيران المدني في الولايات المتحدة لكنها لم تجد آذانا صاغية لكنها اليوم وبكل تأكيد تسببت في مواجهة ساخنة بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري حيث يتم التراشق بالكلمات القوية بين الأطراف.. ولكننا نجد جمهورياً عريقا هو السيناتور آرلن سبنكتر عضو اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ يدعو مدير الـ «اف.بي.آي» الى تسليم المذكرة وعندما رفض السيد موللر قال له السيناتور سبنكتر ان الكونغرس منحك عشر سنوات لكي تخدم ويتوقع منك رداً ايجابياً والناس تستحق ان تعرف، ثم بعد ذلك اتصل بالسيناتور الديمقراطي باتريك ليهي رئيس اللجنة القضائية في مزرعته بولاية فيرمونت واتفق الرجلان على استدعاء مدير الـ «اف.بي.آي» الى الكونغرس وإذا رفض فبمذكرة احضار اخرى الى مجلس الشيوخ، وقال أعضاء من الحزب الجمهوري انه إذا حاول البيت الأبيض عرقلة هذه المساعي فسوف يصوت عشرون من أعضاء المجلس الجمهوريون مع طلب الاستدعاء! ثم كشف النقاب عن شكوى كولين احدى كبار موظفات الـ «اف.بي.آي» في ولاية مينسوتا والتي كتبتها في ثلاث عشرة صفحة ويمكن تلخيصها في ان مسئولي المكتب الرئيسي منعوا وبشدة التحقيق مع زكريا الموسوي والذي تم حجزه قبل ثلاثة أسابيع من 11 سبتمبر وفي رسالتها هاجمت مزاعم موللر والتي نفى فيها أي معلومات كانت ستساعدهم لتوقع أو احباط اختطاف الطائرات، وقد سلمت الرسالة الشكوى للجنة البرلمانية التي تحقق في مدى جاهزية الحكومة للهجمات والتي أحيطت بها علماً سلفاً كما اعترف بذلك مؤخراً آري فلايشر السكرتير الصحافي للبيت الأبيض مؤخرا. وهناك السيد كولنز عميل آخر للوكالة في أريزونا راقب ورصد تحركات هاني هنجور وأبلغ ادارته بالمعلومات لكنهم لم يمنعوا هنجور من خطف الطائرة واصابة وزارة الدفاع لأنهم وببساطة لم يكونوا يتوقعون ان تتم العمليات الانتحارية بالشكل الذي جرى. وفي فبراير الماضي شهد موظف الاستخبارات وليامز ضد فيصل السالمي الطيار الذي أدين بتهمة الكذب وانكار علاقته بهاني هنجور. قال وليامز انه وزميله جورج بيرو الذي يتحدث العربية بطلاقة أمضيا عشر ساعات في استجواب الطيار السالمي الذي تحداه وقال له «لا انت ولا الحكومة تستطيعان عمل أي شيء ضدي» فرد وليامز فقط بأنه يعتقد انه كاذب... يومها حكم على السالمي بالسجن لمدة ستة أشهر! ومفهوم الآن ان هاني هنجور هو أحد الانتحاريين الذي قاد الطائرة الى البنتاغون. ومع تدفق هذه الأنباء والمعلومات المذهلة لم يشأ الرئيس ان يواجه الكاميرا والأضواء أو الصحافيين بل تحدث وراء أبواب موصدة مع بعض شيوخ الجمهوريين وقال وهو يدرك ان حديثه سيتسرب الى وسائل الإعلام وبلهجة فيها الكثير من الوجل ومحاولة كسب أكبر قدر من الناس (انه لو كان يعلم سلفاً بذاك الهجوم لاستخدم كل قوة أميركا لدرئها عن الناس) وفي اليوم نفسه أوحى لنائبه ديك تشيني للرد وكان سيخاطب جمعاً حزبياً في المساء لجمع تبرعات للحزب الجمهوري ولم يتوان النائب عن مواجهة الكاميرا.. وهنا حذر الديمقراطيين من محاولة استغلال الحدث سياسيا، خاصة والانتخابات قادمة.. لكن الموقف الذي أوضح بجلاء ان البيت الأبيض على عتبة حرب جاء في بيان لزوجة الرئيس لورا بوش والتي كانت في زيارة في باريس وقالت ان الرئيس حزين للغاية مما يجري! بعدها ظهر الرئيس بوش في عدة مناسبات وهو يدافع بشراسة ومرارة عن نفسه وهو يرد على الأقاويل التي تحدثت عن معرفته شخصياً وادارته بالهجمات قبل وقت كاف من وقوعها في سبتمبر الماضي. كل الشواهد تؤكد ان البيت الأبيض لم يكن ينوي ان يطلع الكونغرس على حقيقة تقرير وتوصيات الـ «سي.آي.ايه» في أغسطس الماضي والتي زعمت ان القاعدة في طريقها الى شن هجمات انتحارية داخل الولايات المتحدة وحاول البيت الأبيض ترك تلك المعالجة للزمن.. لكن التحرك الجريء نحو بدء تحقيقات فعلية قلب الموازين في الوقت نفسه، وفي حقيقة الأمر فإن الرئيس ونائبه يحاولان كسب تأييد النواب لتعطيل تشكيل أي لجنة للبحث في الأحداث، بل ان توم داشيل زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ أكد في البرنامج الأشهر مِْ مو ممح ان الرئيس بوش طلب منه في افطار في البيت الأبيض يوم 24 يناير الماضي عدم التحقيق في أحداث سبتمبر ثم كرر الطلب في مناسبات مختلفة وكذلك فعل نائبه الذي كان قد أنكر الموضوع سابقاً. وفي هذه الأثناء التي تراجعت فيها شعبية الرئيس بوش والتي بلغت الذروة بعد هجمات سبتمبر وشن الحرب ضد الارهاب حيث رفع ستانلي هلتون مدعي منطقة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا نيابة عن عدد من أقارب ضحايا الأحداث رفعوا دعوى قضائية ضد الرئيس بوش وضمت قائمة الاتهام أعضاء كباراً في الحكومة الاميركية ادعى فيها انهم فشلوا في القيام بواجباتهم الدستورية في حماية الولايات المتحدة واستطرد السيد هلتون في دعواه قائلاً ان الرئيس سمح لهجمات سبتمبر بأن تحدث مطالباً بتعويض مقداره سبعة مليارات دولار. ثمانية أشهر عاشها هادئاً جورج بوش بعيداً عن انتقادات متمتعاً بشعبية كبرى ووجد الكل ملتفاً حوله حتى انه حصل على كل الاعتمادات المالية التي يريدها من الكونغرس وبلا تردد.. وهي المدة التي كان الخوف مسيطرا فيها على الجميع لأن أي انتقاد يوجه اليه أثناء الحرب سيدمغ صاحبه لا محالة باللاوطنية ولكنه فجأة وجد نفسه في موقف المدافع تجاه الديمقراطيين خاصة بعدما بدأت تتكشف يوماً بعد يوم المزيد من المعلومات وبعض المذكرات والتي أشارت الأصابع فيها الى البيت الأبيض ووضعت الرئيس بوش في موقف لا يحسد عليه. وتسببت التداعيات الأخيرة بعد هجمات سبتمبر المأساوية في انقسام الرأي العام الأميركي ففي الوقت الذي يعتقد فيه معظم الاميركيين حسب استطلاعات الرأي ان الرئيس بوش وادارته لم يتجاهلوا الاشارات والتحذيرات قبل سبتمبر مازال ثلث الاميركيين يؤمنون ان بوش وحكومته أخفقا في التصرف ومنع الهجمات وحماية أرواح الضحايا. ومما زاد الطين بلة انه بالاضافة الى التحذيرات التي أرسلها ثلاثة من عملاء الـ «اف.بي.آي» في ولايات مختلفة فقد ظهر ان هناك تقريراً أعده مجلس الأمن القومي في ادارة الرئيس بيل كلينتون بعنوان «سيكولوجيا الارهاب.. من يصبح ارهابياً ولماذا؟» تم اصداره ويا لسخرية الأقدر قبل عامين بالتمام والكمال من الأحداث، أي في سبتمبر .1999. تمت الاشارة فيه وبشكل دقيق الى ان انتحاريين من وحدة شهداء القاعدة يتدربون لصدم طائرات محملة بمتفجرات بمبنى البنتاغون والـ «سي.آي.ايه» والبيت الأبيض. وكشفت الأحداث المتتالية ان أجهزة المخابرات المختلفة في أميركا والتي (تتراءى) كعملاق للمراقب الخارجي لم تكن تعمل كما يجب لأنها لم تتعاون وتنسق وتتبادل المعلومات بصورة أوثق وأفضل، فالمؤشرات المتماثلة كان من الممكن ان تؤتي ثمارها لو انها عوملت كما يجب ولو ان التعاون الأمثل كان قائماً. ومازالت تتفاعل في العاصمة الاميركية الكثير من القضايا، فضيحة شركة انرون العملاقة.. وعلاقة كبار مديريها برجالات الادارة، ومسألة السرية التي استنتها ادارة بوش في التعامل حتى انها شكلت بعد هجمات سبتمبر حكومة سرية مازالت محل استنكار الكثير من الاميركيين، ثم مدى ادراك الرئيس بوش وحكومته ومعرفتهم بالأحداث المأساوية التي وقعت في الحادي عشر من سبتمبر الماضي ومن ثم التأخير في الاعلان عن حقيقة ما حدث في الوقت الذي بدأت تتدفق فيه الكثير من المعلومات مدعمة بوثائق يأبى موظفو هذه الادارة تسليمها للكونغرس.. وفي الوقت الذي يوقن الكثيرون انه من الصعب تشكيل أي لجنة تحقيق ضد رغبة الرئيس يستغرب الكثيرون استماتة الرئيس وادارته ضد تشكيلها! الديمقراطيون أجبروا على بعض التروي لكنهم تيقنوا ان رسالتهم وصلت ومفادها ان الأمور لو كانت بيد الأيدي المتمكنة والمسئولة في البلاد لأمكن تفادي تلك الأحداث الكارثة. المأزق الكبير الذي وقعت فيه هذه الادارة هي انها ألقت القبض على أبو زبيدة والذي كان مؤخراً شخصية الأسبوع، فكلما أعطاهم معلومة عن خطط القاعدة القديمة لشن بعض الهجمات يخرج وزير العدل شخصياً لينذر ويحذر الأميركيين باتخاذ الحيطة والحذر، ثم لا يقع أي شيء.. وهنا تبدأ الشكاوى والضجر لأنها تتسبب في اقلاق المواطنين وازعاجهم نتيجة معلومات مغلوطة وعجلى.. ولكن المشكلة تكمن في انها لو لم تفعل ووقع أي مكروه فسوف تتهم بالاهمال والتقصير من جديد.. ويعلق بعض المراقبين قائلين ان كثرة تكرار التحذيرات ما هي إلا محاولات لتغطية الاخفاقات السابقة! الأمر المؤكد ان البيت الأبيض تلقى في الصيف الماضي معلومات بأن هناك هجوماً يخطط له من قبل ابن لادن والقاعدة ولكن جملة من الأخطاء أسهمت في عدم تمكين المسئولين من ادراك ما يمكن عمله.. فقد وضح بما لا يدع مجالاً لأي شك ان المؤسسة الأمنية الاستخباراتية الأميركية تعاني الكثير من الفشل وسوء الادارة والبيروقراطية لقصور في المقومات الأساسية لهذه المؤسسات متعددة الأشكال والأسماء والألوان والأهداف.. فقد انصب جهد الأجهزة رغم تحذيرات أجهزة خارجية صديقة وكذلك الكثير من موظفيها وعملائها عن الطلبة العرب في مدارس الطيران الى المصالح الأميركية في الخارج لعدم تصور أو تخمين ما يمكن ان يحدث هنا.. ويبدو ان القاعدة قد استثمرت خدعة هائلة لن تتكرر لتحويل الأنظار الى أوروبا والشرق الأوسط، حيث السفارات والقواعد العسكرية. لكن المفيد من جملة ما حدث ان هناك اعترافاً بأنه يجب وضع حل سريع وعاجل من خلال لجنة التحقيق المزمعة لحل المشكلة المزمنة وهي عدم تعاون الأجهزة الأميركية واستقلاليتها المفرطة، ولأول مرة توجه فريق من وكالة الاستخبارات الـ «سي.آي.ايه» لمساعدة الـ «اف.بي.آي» من أجل هدف واحد وهو حماية المصالح الأميركية في الداخل والخارج وعدم السماح بتكرار ما حدث. ومع كل هذه التطورات يبقى السؤال الكبير.. سؤال الساعة: متى علم الرئيس بأمر هجوم سبتمبر، وكيف ولماذا لم يتصرف لمنع الأحداث؟! ـ كاتب عربي ـ واشنط