في الأسبوع الماضي أكمل مجلس التعاون واحد وعشرين سنة من عمره، حيث ولد في مدينة أبوظبي في 25 مايو 1981، شهد المجلس خلالها اثنتين وعشرين قمة اعتيادية وأربع قمم تشاورية، تعامل مع حربين كبيرتين، العراقية الإيرانية، والغزو العراقي على دولة الكويت، وتعاطى مع بؤر توتر إقليمية كثيرة، صراع اليمن الجنوبي مع السلطنة حتى عام 1984، الصراع بين اليمن الشمالي والجنوبي حتى عام 1994، التوتر بين اليمن ـ صنعاء، ومجلس التعاون خلال الغزو، النزاع القطري ـ البحريني، حادثة الخفوس، التهديدات الإيرانية ضد دول مجلس التعاون، أزمة الجزر مع إيران.. إلى آخر اللائحة التي عايشها المجلس منذ ولادته. ولا شك بأن هناك حقائق راسخة في تاريخ دول المجلس مكنت هذه الدول من السيطرة على الأزمات، وهي الحقائق التي لم يدركها العراق ولم تقتنع بها إيران، ولم يشخصها حكام عدن، وأبرز هذه الحقائق هي قوة الجبهة الداخلية في دول المجلس، وهي قوة لا تستمد فعاليتها من المخابرات، ولا من أدوات القمع، ولا من أجهزة حزبية متسللة في بنية المجتمع، ولكن من تجذير مقنن لعلاقات متواصلة بين الحكام والناس، فيها التحاور والتزاور والتخاطب المباشر والاطمئنان المتبادل. واقع الخليج غير واقع العالم العربي في تشابكه الاجتماعي، وفي معالجته للقضايا السياسية والاجتماعية، فلا توجد آليات التستر على المشاكل التي تعيش فيها دول المجلس، ولا توجد تقاليد التغطية على العجز، ووضع مسئولية نتائجه على الآخرين، مثل التدخل الأجنبي أو الصهيونية أو الإمبريالية، لأن دول المجلس لا تعرف الثقافة المبطنة التي تلجأ لها الأنظمة العسكرية أو الحزبية لإبعاد المساءلة عنها. منذ أيام عقد قادة دول المجلس القمة الاستشارية الرابعة في مدينة جدة، بحضور الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، والشيخ حمد بن خليفة أمير قطر، والشيخ حمد بن عيسى ملك البحرين، والشيخ صباح الأحمد ممثلاً عن الشيخ جابر الأحمد أمير الكويت، وصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد ممثلاً عن صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات، وفهد بن محمود ممثلاً عن سلطان عمان قابوس بن سعيد. وقد أكدت مصادر خليجية مسئولة بأن القادة ركزوا على ايجاد مخرج للوضع المأساوي في الأراضي الفلسطينية والجهود المبذولة لاستئناف المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل. وأطلع الأمير عبدالله، نائب خادم الحرمين الشريفين، قادة الدول على نتائج زيارته الأخيرة إلى واشنطن والجهود التي بذلت لاقناع الإدارة الاميركية للقيام بدور متوازن في المنطقة. كما رحب القادة بالجهود لعقد مؤتمر للسلام يرتكز على الشرعية الدولية والمبادرة العربية، كما ناقش القادة الوضع في العراق بعد قمة بيروت وضرورة وفاء العراق بالتزاماته تجاه مجلس الأمن، وتحويل تعهداته في بيروت إلى أعمال إيجابية. كما ناقشت القمة الاستشارية الوضع السياسي والأمني في المنطقة، وقضايا مجلس التعاون ممثلة في الملف الإقتصادي وتفعيل الإتفاقية الاقتصادية التي أقرت في قمة مسقط في ديسمبر الماضي، والجهود حول قيام الإتحاد الجمركي الخليجي والعملة الموحدة عام 2010، والسياسة البترولية لدول المجلس. ولا يمكن المرور على لقاء القادة السريع في جدة بتعليق موجز دون إبداء الملاحظات التالية، حول مسيرة المجلس وحول التركيبة البنيوية التي أفرزها النظام الأساسي للمجلس: أولاً: تحتاج صناعة القرار في دول المجلس إلى مواكبة التطورات والتبدلات الإقليمية والدولية لتوفير آلية تمكن القادة من اتخاذ القرار السريع دون معوقات قد تصيب مصالح دول المجلس إذا ما تعثر القرار. وفي هذا الصدد أعتقد من المناسب تشكيل مجلس دفاع أعلى يتشكل من وزراء الدفاع ووزراء الخارجية للاجتماع بشكل دوري لاستعراض الوضع الأمني في المنطقة، واستباق الأحداث بالسعي لرصدها والتفكير في التعامل معها، مثل الحالة العراقية، التي ستشهد تبدلات واقعة في المستقبل القريب، تفرض على دول المجلس اتخاذ الاحترازات الجماعية المناسبة. كما يوفر انشاء مجلس دفاع مشترك لدول المجلس ماكينة مناسبة للتنسيق والتكامل الأمني والعسكري في دول المجلس. وقد شعرت خلال عملي في مجلس التعاون بالحاجة إلى تنظيم مشابه يحفز الدول على تبني اجراءات واقية وبشكل متكامل. كما أعتقد من المناسب أن يعاد النظر في النظام الأساسي للمجلس الذي وضع عام 81، بالتركيز على الجوانب الإقتصادية والثقافية والاجتماعية وهي جوانب مهمة قطع المجلس فيها شوطاً كبيراً، بينما لم يعالج النظام الأساسي الشئون الاستراتيجية والعسكرية، مع أن الأحداث فرضتها في آخر عام 81 مع الثورة الإيرانية والحرب العراقية ـ الإيرانية ومشاكل اليمن. ثانياً: أشعر بأن هناك حاجة ماسة وملحة إلى قرار من القادة لإزالة قائمة الممنوعات في الجانب الإقتصادي والتجاري، وذلك باتخاذ قرار سريع بإعطاء المواطن في دول المجلس حقوق التملك والإيجار والبيع في العقار، وفي الاستيراد والتصدير وتملك الأسهم والملكية الزراعية والصناعية. ومن الغريب أن هذه الممنوعات والمحظورات متوفرة للمواطن الخليجي في جميع دول الإتحاد الأوروبي بينما لا تتوفر له في الكيان الواسع الذي ينتمي إليه. ولا يحل هذه العقدة إلا القادة أنفسهم فقد أثبتت التجارب بأن تركها لوزراء التجارة أو اللجان الفنية هي القاؤها في متاهة الانتظار لسنوات على حساب أهمية مواكبة القرار للتحولات الإقليمية والدولية. ونلاحظ بأن دول المجلس بدون استثناء تسعى إلى تفعيل القطاع الخاص وتنويع مصادر الدخل وتوطين المهن والحرف وتغري الاستثمارات الأجنبية واتخذت قرارات لتحقيق هذا الهدف الذي يستقيم مع إزالة لائحة المحظورات. ثالثاً: يجب التأكيد على أهمية الدور المؤثر لمجلس التعاون في الشأن الإقليمي والعربي، وعدم انتظار المبادرة من جهات لا تمكنها ظروفها من تقديم مبادرات وفي هذا الإطار فإن مبادرة الأمير عبدالله ولي عهد المملكة حول الشرق الأوسط ودعمها خليجيا وعربياً ينبع من ثقل المملكة ودورها المحوري ومن وزن دول المجلس مجتمعة، ومن الظلم أن نتوقع مبادرات من السلطة الفلسطينية المكبلة بقيود داخلية واقليمية، لا تستطيع تجاوزها بمفردها، ولا يمكن أيضا ترك مصير المنطقة لممارسات حزبية وحسابات عقائدية ومصلحية فئوية على حساب الصالح العربي العام. ومع تقديري لمكانة مصر، ومع احترامي لبراغمتية الملك عبدالله الحسين ملك الاردن، تظل كل من القاهرة وعمان مثقلتين بتبعات اتفاقية السلام مع اسرائيل، مما يزيد من مسئوليات دول المجلس في الخوض المباشر في قضية فلسطين، بدلاً من تركها للموقف المدبلج المعروف بقبول ما تقرره السلطة الفلسطينية التي لن تتخذ القرار المناسب والعملي والقابل للتنفيذ. رابعاً: أعتقد أن الدور الحيوي لمجلس التعاون، بالإضافة إلى القيادة السياسية الإقليمية، يتفوق في المحيط الإقتصادي والتجاري، حيث يتردد الكثير من الكلام عن السوق العربية المشتركة، التي لن ترى النور لمسببات كثيرة، أبرزها ضعف شريحة الصادرات العربية، باستثناء المنسوجات والأطعمة المحفوظة، وتباين الفلسفات الإقتصادية ودور المجلس الذي يلعب الآن دور البنك الدولي في الإقتصاد العربي في التمويل والمشاركة في برامج التنمية، هو الإصرار على تحديث القوانين والاجراءات الاقتصادية في الدول العربية، التي تريد استثمارات دون خلق بيئة استثمارية، وتريد تنمية دون تلبية شروطها، وتريد قروض دون قبول تبعاتها، وإذا كان مجلس التعاون بعد واحد وعشرين سنة رسخت هويته الاقليمية، فإنه ما زال متردداً في القيام بدور القاطرة الاقتصادية للدول العربية التي تستفيد من دول المجلس دون الامتثال لشروط التنمية في تحرير الإقتصاد والسعي نحو الإنضمام إلى النظام الاقتصادي العالمي. خامساً: يحتل مجلس التعاون موقعاً متميزاً في النظام السياسي العالمي الحالي، لمسببات كثيرة، أبرزها وضعه الاستراتيجي المميز، واعتداله السياسي المقنن، وترابطه مع التطورات الدولية السياسية بتفاعل ايجابي مؤثر، وهذا الموقع المميز يؤمن لمجلس التعاون طرح القضايا الإقليمية وهمومها ومخاطرها على الطاولة العالمية في العواصم البارزة، كما شهدنا مؤخراً في رحلة الأمير عبدالله إلى واشنطن، وتسجيله القدرة على ترطيب مواقف واشنطن وتحويلها من عدم الإهتمام إلى المشاركة الفاعلة. ولهذا لابد من التوصل إلى صيغة سريعة لتقنين العلاقات الخليجية الاوروبية، ولترسيخ الروابط الخليجية ـ الأفريقية، ومع شبة القارة الهندية، فضلا عن اليابان والصين. أعتقد أن الهدف من القمة الاستشارية الحالية الخالية من القيود والبروتوكولية والحرة من الملفات المعقدة، هو تشخيص حالة المجلس، في العلاقات بين أعضائه، وترسيخ المسيرة الأمنية والاقتصادية، واخراج المجلس من الرتابة والجمود، وفوق ذلك تسخين الدور المؤثر الفاعل للمجلس في تناول القضايا العربية وفق الاسلوب الخليجي العملي، وفي تحريك المكانة الدولية المميزة لمجلس التعاون في الملف العالمي من اجل الصالح العربي. سادساً: يهمني جداً أن تبرز الاستراتيجية الخليجية النفطية الموحدة، التي أرادها القادة منذ أكثر من عشر سنوات، ولكن الوزراء وأبرزهم الوزير السعودي آنذاك هشام ناظر لم يكن متحمساً لها، ومع تفهمي لوجهة نظره في تفضيل المرونة غير المقيدة، فقد كنت أشعر بأن الموقف النفطي الموحد والواضح فيمايتعلق بسياسة الانتاج، وسياسة الاسعار، وسياسة التحديث هي المعيار الذي يمكن دول الخليج من تهميش المتطرفين النفطيين، وترسيخ العلاقات الخليجية ـ العالمية على اسس مقننة ودائمة. وأهم شيء في الاستراتيجية النفطية الخليجية هو الحفاظ على دور دول المجلس في التحكم في تذبذب الأسعار، بحيث لا ترتفع عن السقف المعقول، ولا تنزل عن الحد المقبول، قادرة على تعويض الانتاج اذا ما ظهر شح في الاسواق، وقادرة على خفض الانتاج إذا ما بدر إغراق فيها، هذا الدور المميز كان ضمن المنظور النفطي الذي سعى له المجلس منذ نشأته، لكن حدثت تجاوزات في فترة بين عامي 88 و90 بسبب غياب التنسيق، صار المجلس الان في فصل الرجولة بعد أن تجاوز عمره 21 سنة وهو تاريخ تأهيل المواطنين في الممارسات السياسية والاجتماعية.