ظاهرة الانقسام في الاحزاب والبيوت «الدينية والقبلية» عامة، لم يسلم منها حزب سياسي في السودان ولكن ما حدث في الجبهة والاسلامية القومية وهامشها المكتسب باغراءات السلطة له نكهة ، مميزة لخصوصية التنظيم ولدور الشيخ حسن الترابي فيه، الشيخ مع كل ما اثاره من جدل لا ينتمي لجيل مؤسسي الحركة الاسلامية ولكنه اضاف اليها ابعادا جديدة مكنتها من تحقيق اهدافها في زمن قياسي بالقفز من الصفوية الى الجماهيرية ومن الدعوة بالتي هي احسن الى السلطة وتوظيفها لفرض ايديولوجيتها ومشروعها الحضاري بآلياتها. لذلك عندما انقسم النظام على نفسه اختلف الناس في تفسير ما حدث للسرعة التي تم بها والحدة التي واجهت بها كوادر الجبهة الشابة شيخها رغم ما كان بينه وبينهم من روابط اقوى من رابطة الدم، عبر عن هذه المرحلة بصدق الدكتور غازي صلاح الدين في الرسالة التي نحن بصددها اذ جاء فيها: لقد اعتصم الناس اول الامر بأمل ان يكون الامر خدعة بارعة حتى استبانوا الحقيقة عارية!! البعض قبله كواقع له ما يبرره اما الغالبية فقد ذهبوا بعيدا بعد ان استعادوا من الذاكرة مقولة د. الترابي حول الانقاذ... ذهبت للسجن وذهب البشير للقصر الجمهوري. التمرد على الشيخ من تلاميذه محوره الصراع على السلطة لذلك تفاوتت درجته بين اصحاب المواقع وقاعدة التنظيم التي لم يسرها ما حدث وشرعت بدوافع مبدئية لمعالجة الازمة دون فائدة وفي رسالة د. غازي اشارة واضحة اذ جاء فيها بالحرف: تعددت محاولات الاصلاح وتكاثرت واخفقت حتى قارب اليأس ان يطبق على الناس ولكن المؤمن لا ييأس من روح الله، بل هو مطالب بأن يغرس الخير والنفع متى ما استطاع. اقصى ما استطاعت الوصول اليه اتيام الوفاق بين تياري الانقاذ «المؤتمر الشعبي والمؤتمر الوطني» هو القبول بمبدأ التعايش التي عبرت عنه الرسالة نفسها بالآتي: لقد اقتنعت المحاولات السابقة بخيار التعايش ظنا بانه المتاح والممكن. لكن خيار التعايش يحمل جرثومة الفشل في طياته ذلك لانه يستبقى قدرا من القطيعة والتنافس، وهما ان بقيا في الحد الادنى، ما يلبث ان تدفعهما تصاريف الحياة والمدافعة. ان خيار التعايش ليس ضمانا من التنازع بل هو سبب اليه، اذ ليس خافيا ان مأخذ الطرفين من مشكاة واحدة وكذلك قاعدة تحركهما وخطابهما، ليس الخلاف هنا كالخلاف بين الجماعات الاسلامية التي يختلف فقهها واولوياتها ومقاصدها. التغيير الذي حدث للتنظيم بعد ان تم تنصيب الدكتور حسن الترابي في قمة قيادته كبير فالرجل اضافة الى اجتهاده الفكري يتمتع ببعد حركي لم تشهده الساحة السياسية السودانية من قبل وقدرة على التفكيك واعادة التركيب في هياكل التنظيم اقرب الى الانقلاب منها الى الاصلاح المتدرج لهذا لم يحتمل بعض مؤسسي حركة الاخوان المسلمين راديكاليته وهو الذي لم يتردد في اعادة ترتيب البنى على اسس جديدة لم يفصلها فقط من اخوان الداخل بل من الحركة العالمية لتنظيم الاخوان المسلمين مما اعطى للتنظيم استقلاليته حتى من الرابط المعنوي بالحركة الام. وفتح امام الحركة الاسلامية ابوابا جديدة لخصوصية تكوينها في الجامعات والمعاهد العليا. عامل اخر ساعد في نمو الحركة الاسلامية وتصاعد تأثيرها هو البيئة التي وجدت فيها وفي السودان مجتمع متسامح لم يواجهها بما ووجهت به في دول اخرى «السجن والقتل والنفي والاستئصال». اهتمام التنظيم الجديد بتأهيل كوادره في اميركا وفي غيرها وبناء مؤسسات اقتصادية ومالية وفرتها له فرصة مصالحة التنظيم المايوي ففي ظله تمدد التنظيم في الجامعات وفي اهم مؤسسات الدولة والقوات المسلحة مكنته من امتصاص اجماع كل القوى السياسية على عزله وابعاده في مرحلة الانتفاضة. وجوده داخل القوات المسلحة عجل بانقاذ قيادته من عقاب كان متوقعا قد يصل الى تصفيتهم جسديا في اخر الحقبة المايوية، امكانياتهم المالية والاعلامية اعطتهم صوتا عاليا في مرحلتي الانتقال والديمقراطية الثالثة اضافة الى النتائج الكبيرة التي حصلوا عليها في الانتخابات لاسباب المجال لا يسمح بسردها قرر التنظيم الاستيلاء على السلطة في 30 يونيو 1989م واقامة نظام لهم ووحدهم فيه كل شيء بما فيها الوصاية على الاخرين تتناقض المصالح والصراع حول المواقع اهم اسباب الخلاف وهو الذي عجل بالانقسام وباعتقال الشيخ اما الرسائل المتبادلة بينه وبين د. غازي صلاح الدين فقد تمت في سرية عمقتها مبادرة الطاقم الحاكم وهو الذي تعود دائما على نفي اي اتصال مع المؤتمر الشعبي واختيار د. غازي صلاح الدين لهذه المهمة وان تم وصفها بأنها مبادرة شخصية مفاجأة جديدة، للدكتور غازي موقف من الشيخ تعددت دوافعه منها العام وهو في مقدمة زملائه الذين جاهروا بالمواجهة وله ايضا بعد شخصي فهناك حديث عن ابعاده من مواقع مفتاحية. الرسائل المتبادلة: اولا رسالة الدكتور غازي صلاح الدين بتاريخ 12/4/2002م وعنوانها «رؤية للاصلاح والوحدة». ـ اهتمت الرسالة بالاثار السالبة لانشقاق الحركة ووصفتها بانها الفتنة التي اصابت الحركة في صورتها وفي مصداقيتها فما عاد خطابها مقنع للجموع التي تجاوبت مع تجربة حكمها كما لم تتجاوب مع اي تجربة اخرى ولقد اعتصم الناس اول الامر بامل ان يكون الامر خدعة بارعة حتى استبانوا الحقيقة عارية. فانقلبت النظرة الى قادتها وعامتها فصار الشك فيهم قاعدة وسوء الظن مبدءاً. وبسبب ذلك ايضا لما اصاب ابناءها من خزي لما وقع بهم، ضعف واقعهم الاجتماعي واثرهم الدعوى، فخلت الارض لدعاة يسوقون الناس الى حقبة الانحطاط. ـ اعترفت الرسالة بتناقص السند الشعبي والكسب الدعوي بصورة مقلقة في القطاعات الحية والتيارات المتجددة كالطلاب والشباب والفئات والنساء. واعترفت ايضا بقلة الاجتهاد والفكر وضعف الخطاب الذي يعنى بالقضايا التي سعت الحركة للتمكن من اجل ان تقدم اجابة لها، وهكذا تراجع وقعها في الساحة الفكرية وتحير النظر نحو فقه الحكم الصالح والشورى والاقتصاد والمجتمع، وتردد اليقين فيما تقدم من كسب الحركة في تلك المسائل. ـ اعتراف اخر باصابة علاقات الحركة الاسلامية الخارجية بالوهن الذي ترتب عليه تراجع سندها الشعبي في المنطقة العربية الاسلامية وانقطاع تواصلها مع قادة التيار الاسلامي. في محورها الثاني اهتمت الرسالة الموجهة للشيخ باهداف التحرك وهو وحدة الحركة الاسلامية وعودة صفها ووقعها اقوى مما ما كانا لتحقق ما دون ذلك من اهداف هي: * تجديد الانقاذ احياءً لمكاسبها وبعثا لهديها. * امتلاك اعنة القوة والتمكن في الاقتصاد والاعلام والحركة الجماهيرية التقليدية كانت ام حديثة متجددة. * استعادة الشوكة والبأس بجمع قوة الدولة وسند الولاء في المجتمع. * استرداد التأييد الشعبي الخارجي والتعاطي مع العولمة من منطق الاصالة والقوة. * تجديد الطرح الفكري وتقوية الخطاب العام. * ايجاد نواة لوحدة اخرى اقوى واجمع للصف الاسلامي والوطني. خطوات الاصلاح: يستحسن ان تنطلق خطوات الاصلاح والوحدة في سياق الدعوة الى وحدة الصف الوطني والسعي العلمي لاحراز المبتغى منه. تكمن اهمية هذه المظلة في انها تمنع غيرة الآخرين او ان ينظروا الى مسعى الاصلاح بسوء ظن في مقاصده كأن يحسب صفقة بين أهل الحركة الاسلامية للاستئثار بالامور. تأسيسا على ذلك يكون الاتفاق اولا على كل الخطوات ومقاصدها بوسيلة مرضية للطرفين. مراحل وخطوات الاتفاق: اولا: المرحلة الاولى «مدتها شهر» وهي مرحلة تطبيع الاوضاع تشمل الخطوات الآتية: * اطلاق تصريحات تصالحية محسوبة من الجانبين. * اطلاق صراح المعتقلين وايقاف اي اجراءات قضائية او ملاحقة. * اعادة دور المؤتمر الشعبي وحرياته مع التأكيد والالتزام من ناحيته بالاقتصار على النشاط في حده الادنى وبصورة خاصة تجنب الحشود او اي اعمال قد تحمل معنى الاستفزاز او ابراز القوة ويستحسن ان يقتصر النشاط على الاعمال الشورية الضرورية لمتابعة خطوات الاصلاح. * يجمد اي اتصال مع حركة المتمردين او تطوير العمل معها بواسطة المؤتمر الشعبي ويمكن ان يكون ذلك بدون اعلان. * يلتزم بالتعبير التصالحي الموجب طيلة هذه الفترة بما يعزز الامل لدى ابناء الحركة ويحدث فيهم دافعاً قويا يمنع من الانتكاس. * طيلة هذه المرحلة والتي تليها تبسط ايادي التصالح وينشر ادب التحاور والتعافي وتكثف اللقاءات العفوية والمنظمة التي تذكر الاخوان بماضي وحدتهم وجهادهم المشترك وتزيل حواجز التصنيف، ويضرب القادة في هذا المثل الاعلى. المرحلة الثانية: تطوير الاتفاق ومدتها شهر وتشمل: * الاتفاق على عضوية كيان مؤقت ينشأ لاغراض هذه المهمة وينتهي دوره بالتوحد الا اذا قرر ان يستبقى شيئا متفرعا منه لرعاية الاتفاق ومتابعته الى اجل مسمى. * اجازة المعالم الرئيسية لنظام اساسي جديد عند اعلان التوحد في المؤتمر العام. * اجازة برنامج عملي للتوحيد الفوري للكيانات التنظيمية الظاهرة كالطلاب والفئات والشباب والمستترة كالامن الشعبي وما في حكمه. * مراعاة المصلحة العامة للتنظيم عند اختيار قيادات الكيانات التنظيمية بحيث لا يكون احد فوق المساس بموقعه. * ابداء الاستعداد والتعهد من كل اصحاب المواقع في الدولة والتنظيم لاخلاء مناصبهم متى ما وجبت اللحظة وبحسب ما تستدعيه المصلحة العامة يستثنى من ذلك رئيس الجمهورية ونائبة الاول فيثبتان الى اجل ولاية الرئيس. المرحلة الثالثة: تنفيذ الاتفاق واعلان الوحدة مدتها شهر ايضا فيها يتم انعقاد المؤتمر العام وتختار القيادة على مستوى المركز وتعقد مؤتمرات في الولايات لذات الاعمال والقرارات. المرحلة الرابعة والاخيرة: هي مرحلة البناء واستعادة القوة. فيها تسعى الحركة لبناء صفها وتمكين سلطانها المعنوي والمادي وتسعى ايضا لتوحيد الصف الوطني بالدعوة لانشاء حلف واسع وانشاء حكومة ذات قاعدة عريضة تحقق السلام العادل والنهضة الاقتصادية والاجتماعية التي ظلت تبشر بها الانقاذ وحملتها اطروحات الحركة الاسلامية ورؤاها الفكرية.