يجدر الا تختتم سلسلة مقالات تعرضت لجوانب اساسية وضرورية لاصلاح النظام السياسي الفلسطيني دون توضيح الاطار المرجعي لهذا الاصلاح المنشود فمن السذاجة السياسية، ان عملية اصلاح النظام السياسي أي نظام تتم بمعزل عن السياسة وتقتصر وتتوقف على كونها عملية تقنية تتم فقط من اجل اعادة هيكلية البنى والآليات الادارية والمالية والامنية . بل هي في جوهرها عملية سياسية تستهدف احداث تغيير في رؤى ومنطلقات وتوجهات واهداف النظام السياسي المطالب بالاصلاح لينعكس ذلك على كيفية صناعة القرار السياسي وتحديد السياسات وبالتالي على طبيعة القرارات والسياسات التي يتبناها هذا النظام. عملية الاصلاح اذن عملية تنطلق من رؤية سياسية ذات اجندة واولوياتها محددة لتعكس اهدافاً معينة. وباستخدام المدخل الداعي للإصلاح تتزاحم على النظام السياسي الفلسطيني حالياً دعوتان مكثفتان للقيام بعملية تغيير: دعوة «اصلاح» شكلي تطويعية ودعوة اصلاح حقيقية وطنية. الدعوة التطويعية دعوة خارجية اميركية -اسرائيلية تسحب في سياقها اوروبيين وعرباًولها صدى داخل الساحة الفلسطينية. اما الدعوة الوطنية للإصلاح فهي دعوة فلسطينية داخلية. ومع ان الدعوتين تتشابهان في المظهر وتتقاطعان في جوانب عديدة من البرنامج الاصلاحي الا انهما تختلفان جذريا عندما يتعلق الامر بالمنطلقات والاهداف ولدرجة التعارض والتصادم. فمنطلق الدعوة الخارجية «للاصلاح » يتمثل بالحفاظ على اسرائيل وضمان امنها وتطبيع احتلالها للارض الفلسطينية الى جهاز يحمي هذه المنطلقات ويقبل بتسوية سياسية وفق الاشتراطات الاسرائيلية. وعلى هذا الاساس ، لا تعير هذه الدعوة المفبركة ادنى اهتمام حقيقي للعلاقة التي تنشأ من منطلقاتها واهدافها بين السلطة والشعب الفلسطينيين. بل هي دائما مستعدة وقد فعلت ذلك في الماضي بغض الطرف عن كافة التجاوزات للقانون والديمقراطية وحقوق المواطن اذا كان ذلك يخدم منطلقاتها وأهدافها، وفي المحصلة هي دعوة تحركها مصلحة غير المصلحة الفلسطينية وزاد منها اضعاف الموقف السياسي الفلسطيني والقدرة الفلسطينية على مواجهة الاحتلال من اجل تحقيق الحرية والاستقلال اما الدعوة الداخلية للاصلاح فمنطلقها ان قوة ومتانة وسلامة الوضع الفلسطيني الداخلي ضرورة اساسية للتمكن من مواجهة الاحتلال وتحقيق الحرية والاستقلال. وعلى سبيل المثال يؤمن اصحاب هذه الدعوة بأن الفساد لا يمكن ان يعتبر ركيزة اساسية وضرورة وطنية للتخلص من الاحتلال وبالتالي تستهدف هذه الحركة ادخال اصلاحات اساسية على هياكل وبنى واداء السلطة بما يؤدي اليه ذلك من اثر تحولي على النهج السائد فيها حاليا من اجل تصليب موقفها السياسي في مواجهة الضغط التطويعي الخارجي وتدعيم قدرتها على الصمود ومجابهة الاحتلال وتحقيق الحرية والاستقلال. بعد كل ما جرى ويجري لنا يبدو جليا انه لم يعد بالامكان استمرار المناورة والمراوغة بشأن ضرورة اصلاح النظام السياسي الفلسطيني. وبالتالي فان امام السلطة احد احتمالين : اما الخضوع المتوالي لابتزازات مطلب التطويع الخارجي ، ما يؤدي فعلياً الى فرض الوصايا الاميركية - الاسرائيلية علينا واما القيام بعملية اصلاح فلسطينية وطنية تشكل درعا واقية امام تلك الاحتمالية، بالتأكيد لا مجال للمفاضلة فالانحياز الطبيعي يجب ان يكون باتجاه الاحتمال الثاني وليس الاول وما دام اصحاب الضغط التطويعي الخارجي يغلفون مسعاهم بالتشدق الاجوف من حرصهم على تطوير آليات الديمقراطية والشفافية والمحاسبة والمساءلة فان الاحرى بنا استغلال هذا التشدق للقيام بعملية اصلاح جدية تقينا من منطلقاتهم واهدافهم الحقيقية. نحن امام امتحان صعب ومواجهة مصيرية ولا يجوز ان نتجاهل ذلك بطمس الرؤوس بالرمال او بـ «الطبطبة»، اعتقادا منا بانها مع الوقت ستزول فهي لن تزول عنا الا بمواجهتها والتصدي لها فالاحتلال جاثم والاتفاقيات السابقة مع مفاوضاتها لم تنتج المتوقع منها والعدوان الاسرائيلي مستمر ومتصاعد والضغط الخارجي ينهال علينا من كل حدب وصوب واوضاعنا الداخلية على حالها الان واهنة لا تستطيع مواجهة كل ذلك فهل نستسلم ام ان الواجب الوطني يدعونا لأن نعيد ترتيب اوراقنا واوضاعنا بما يحسن امكانياتنا ؟ والسؤال الاكثر الحاحا هو : ماذا سيخسر الشعب والوطن ان قمنا بذلك ؟! الكسب مضمون حتى لو توقف عند خسارة المتنفذين الفاسدين مصالحهم وامتيازاتهم التي انهكت العباد والبلاد. يجدر قبل اختتام هذه السلسلة من المقالات التأكيد على ان دعوة الاصلاح الوطنية تعي تماما ان عملية اصلاح النظام السياسي الفلسطيني لا يمكن ان تنهج في مواجهة التحديات الجسام التي تتعرض لها القضية الوطنية والمشروع الوطني الفلسطيني ان هي بقيت معزولة ومفصولة عن اقتحام وفتح الملف الشائك المتعلق بضرورة تحديد استراتيجية واساليب مقاومة الاحتلال، فتزاحم وتوازي وتضارب وتناقض الاستراتيجيات والاساليب المستخدمة في المقاومة لا يمكن ان ينتج موقفا فلسطينيا واحدا وصلبا بل انها تنخر في قشرة «الوحدة الوطنية » الفلسطينية وتزيد من امكانية الاختراق الخارجي وتصعيد العدوان الاسرائيلي علينا ويجب علينا الانتباه ان العربة لا يمكن ان تسير ان كانت عدة احصنة تجرها كل في اتجاه. ليس من المفيد اطلاقا ابقاء الوضع على تسيبه وتشرذمه الحالي اذ ان المصلحة الوطنية العليا تتضرر من ذلك كما ليس من المفيد ايضا التصدي لمثل هذا الموضوع الجوهري والحساس عن طريق حوار الطرشان وتبادل الاتهامات لقد بات من الضروري والملح ان يفتح نقاش فلسطيني هادئ وملتزم ومسئول حول هذا الامر كي يتم بحثه بموضوعية وجدية والتوصل بشأنه الى موقف موحد ـ ان هذا الامر في غاية الاهمية وعلينا ان لا نظن اننا نخترع العجلة بشأنه فالعجلة موجودة في تجارب كثيرة اخرى استطاعت من خلال مواجهتها لاشكاليتها وتناحراتها الداخلية ان تحقق الانتصار وتدحر الاستعمار. الوقت ينفد، والتحديات تتراكم وما علينا الا الصدق مع الناس والبدء باصلاح الاعوجاجات وتقويم المسارات.