لا ينتطح عنزان في أن ما يدور على الساحة الدولية والإقليمية والمحلية من أحداث إنما يستهدف أولا وأخيرا رأس المقاومة الفلسطينية عامة والعمليات الاستشهادية خاصة، وأول خطوة في هذا السياق كانت حملة الجدار الواقي التي قام بها جيش الارهاب الصهيوني بإذن اميركي وصمت عربي، والتي كان هدفها قتل أكبر عدد ممكن من الأطفال والشيوخ والنساء الأبرياء، واعتقال اكبر عدد ممكن ممن لا صلة لهم بالمقاومة من قريب او بعيد، واحداث اكبر قدر ممكن من الخراب والدمار في البيوت والممتلكات الخاصة والعامة، والمساس بمشاعر الشعب الدينية بالاعتداء على المساجد والكنائس، يضاف الى ذلك المعاناة اليومية بسبب الحصار وحظر التجول وشل الحركة التجارية وغير ذلك من أشكال المعاناة، وهدف الصهاينة من وراء ذلك خلق حالة من التذمر في الشارع الفلسطيني والنقمة على العمليات الاستشهادية، واحداث شرخ بين المقاومة وجماهير شعبنا الفلسطيني الداعم والمؤيد لها، وما ذلك الا لأن العمليات الاستشهادية بالذات أثبتت انها السلاح القادر على تركيع التنين الصهيوني، بل خلقت جدلا كبيرا في الشارع الصهيوني حول مستقبل هذا الكيان وقدرته على البقاء، فبدونها تفقد المقاومة تأثيرها المزلزل على السياحة، والاستثمار، وعلى المعنويات، والهجرة المعاكسة، وعلى آمال الصهاينة وأحلامهم في التوسع والبقاء، وبدونها سيستمر الاحتلال في إذلال شعبنا بدون منغصات. ولما فشلت الخطوة الاولى في إحداث هذا الشرخ جاءت الخطوة الثانية لاسنادها، وتمثلت في إطلاق العنان لبعض الأصوات المشبوهة والمعزولة لتعزف على نغمة نشاز مفادها ان العمليات الاستشهادية تضر بمصالح الشعب الفلسطيني، بل أخذت هذه الأصوات المشبوهة تمهد لشارون كي يقوم بعدوان جديد، زاعمة ان رد الجانب الصهيوني على العمليات الاستشهادية سيكون قاسيا جدا، ساعية الى نشر الذعر بين ابناء شعبنا المرابط، ولكن هذه الخطوة لم تكن أفضل حالا من سابقتها، فقد تحطمت على صخرة وعي الشعب الفلسطيني، الذي بدأ ينظر بعين الريبة لكل من ينظر ضد العمليات الاستشهادية، فأسقط في يد الصهاينة والأميركان فانتقلوا الى الخطوة الثالثة. وهذه الخطوة تمثلت في إلهاء الشعب الفلسطيني عن المقاومة والانتفاضة، فكانت الدعوة الى احداث اصلاحات فلسطينية، والدعوة لعقد انتخابات تشريعية، وبلدية، ومما أذهلهم ان الشعب الفلسطيني ازاء هذه الدعوات كان في غاية الوعي والحذر، فأدرك بحسه الوطني وبفطرته السليمة ان دعوة الاصلاح التي تأتي من قبل شارون لا يمكن ان تكون ابدا من أجل مصلحة الشعب الفلسطيني، خاصة ان كل مظاهر الفساد كان من ورائها اليد الصهيونية الخبيثة، ولذلك لم يتفاعل مع هذه الدعوات ونظر اليها ايضا بعين الريبة والشك، وبقي متجها الى وجهته التي آمن بأنها الطريق الوحيد الذي يمكن ان يحقق الغايات المنشودة، وما ان جاءت العملية الاخيرة حتى غمرت مشاعر الفرح الشارع الفلسطيني، وبدا واضحا ان الخطوة الثالثة من المخطط الصهيو ـ أميركي باءت بالفشل. وجاءت الخطوة الرابعة على شكل دعوة شارونية لمؤتمر اقليمي، ولكن شعبنا الفلسطيني رأى في هذه الدعوة محاولة لتقسيم عالمنا العربي الى معسكرين، معسكر ما يسمى بالسلام يقف جنبا الى جنب مع الغرب الحاقد والكيان الصهيوني، ومعسكر ما يسمى بالإرهاب على أمل محاصرته وعزله، ومازالت هذه الخطوة تحاول ان ترى النور مع أنني بت اشعر أنها ربما قتلت في مهدها، وان قدر لها ان تشق طريقها فلن تفلح في عزل المقاومة التي يحتضنها الشعب الفلسطيني بكامله. وأما الخطوة الخامسة فجاءت على شكل اشاعات مغرضة هدفها اثارة البلبلة والاحباط لدى الشارع الفلسطيني، وكان من وراء هذه الاشاعات مافيا متخصصة في التقارير الكاذبة، والتصريحات المضللة، والبيانات المدسوسة، وأخذ أقطاب هذه المافيا يثيرون الشبهات حول مواقف حماس من مواصلة المقاومة وعلى رأسها العمليات الاستشهادية، فقام رؤوس الفتنة في الشارع الفلسطيني بتوزيع التصريحات التي تقول بأن حماس استجابت لطلب من المملكة العربية السعودية لوقف العمليات الاستشهادية، ولقد أوعزوا الى وكالة فرانس برس لتنشر هذا الخبر على لسان مسئول فلسطيني مجهول، وهذه الصيغة بالذات تدل على ان الخبر ملفق، ولقد نشرت الوكالة هذه الفرية دون ان تكلف نفسها سؤال اصحاب الشأن في ذلك، ولكن هذه الخطوة فشلت ايضا لان قادة الحركة سارعوا الى تكذيب هذا الخبر، وبينوا بما لا يدع مجالا للشك ان احدا لم يطلب من الحركة وقف مقاومتها للاحتلال، كما ان الشعب الفلسطيني يثق بثبات موقف حماس ومصداقيتها في مواصلتها للمقاومة وعلى رأسها العمليات الاستشهادية، فأسقط هذه المرة في يد دهاقنة المافيا الاعلامية. ومما عزز مكانة الحركة ممارسات السلطة الخطيرة التي مست بأمن وكرامة وحقوق الشعب الفلسطيني، فهي من جانب تدين الارهاب، ومن جانب اخر تقوم بتسليم المجاهدين للاحتلال، وتسليم المناضلين لسجانين أميركيين وبريطانيين، وتساهم في ابعاد المجاهدين والمناضلين خارج الوطن، وكذلك فتح ملف الفساد من جديد والذي أزكمت رائحته الانوف، ولم يعد من الممكن غض الطرف عنه. ورغم الفشل المتكرر فمازال الرهان على ان تقوم السلطة بخطوة اخيرة تتمثل في الانقضاض على المجاهدين، وتجريدهم اسلحتهم، وزجهم في المعتقلات، ولكن وعي الشعب الفلسطيني يشكل درعا واقيا للمجاهدين، وعزم المجاهدين على عدم تسليم انفسهم كفيل بإفشال هذه الخطوة ايضا، من كل ذلك أقول وكلي ثقة بالله ان المقاومة لن تنحني أمام العاصفة.