هل دخلت القضية الفلسطينية «الحي الصيني»؟ وهل اصبحت احتمالات المستقبل اكثر غموضاً من أي وقت مضى؟ وهل صارت مواقف الاطراف المختلفة اقل وضوحاً مما كانت عليه في السابق؟. في الاستخدام الدارج لكلمة «الحي الصيني» في الولايات المتحدة، فإنها تعني الغموض وصعوبة تقصي اثر المعلومات والأشخاص. وبالعربية الفصحى ان الداخل اليها مفقود. وهذا مع ما يبدو هو مستقبل الحل السلمي للصراع العربي الاسرائيلي. ودعونا نقارن بين الموقف الان وما كان عليه الحال حتى شهرين قبل الان. فالحل العربي الذي بادر به الأمير عبدالله بن عبدالعزيز قد اختفت آثاره وسط زحمة التطورات على القضية نفسها داخل فلسطين وخارجها. ولا نعلم نحن المواطنون العرب أين وصلت الامور بهذه المبادرة الديناميكية ولا أين وصلت. وفي مؤتمر صحفي للرئيس بوش مع المستشار الألماني الاسبوع الماضي أشار الرئيس الى زيادة المشاركة السعودية وفاعليتها في العملية السلمية. ولكنه لم يشر الى المبادرة!! والوضع داخل فلسطين نفسها يلفه الغموض. فالوحدة الوطنية التي تحققت تحت السلطة قد خالطها تفرق المواقف حيال العمليات الانتحارية او الاستشهادية ـ كل حسب رأيه منها ـ. وكذلك، فان فئات المقاومة الميدانية تريد على الأقل الاستمرار في الانتفاضة ومعركة التحرير، والبعض يريد غير ذلك. وكذلك فان طبيعة الحلول للاصلاح الداخلي ومحتواه وآفاقه وتوقيته تبدو غير واضحة المعالم. ومما يزيد الطين بلة هو ان الموقف الاسرائيلي السياسي والعسكري لم يبد أي مرونة تذكر، فبناء المستوطنات ومصادرة الاراضي لايزال مستمراً والقبول بدولة فلسطينية وايقاف عمليات القتل والهدم والاقتلاع لاتزال بعيدة المنال. وحتى المعارضة اليمينية التي كان يمكن ان تؤدي الى زعزعة الثقة بحكومة شارون لقد تحولت بفعل «شاس» الى دعم اكثر لشارون، حتى وان كان الخلاف حول الموازنة ولكن شارون اكتسب قوة بسبب لجوئه الى الحرب ضد فلسطين والفلسطينيين كَعُذْرٍ لتبرير اجراءات التشدد وشد الاحزمة في الانفاق العام. ولو نظرنا الى الموقف الروسي بعد زيارة الرئيس بوش، فهل يمكن الاعتماد عليه، حتى ولو ضمن حدود ضيقة، للتأثير على مسار الحل السلمي ايجابياً بصفته الراعي الاخر للعملية، وانظر الى السلوك الروسي في قضية أسعار النفط. وقس بعد ذلك على الموقف الاوروبي، خاصة وأن الرئيس بوش، ادرك خطأه في استعداء اوروبا وبدأ يسعى للمصالحة معها، وقد يقوي هذا قليلاً من الموقف الاوروبي، ولكنه سيجعله في الشأن الفلسطيني، اكثر مرونة تجاه الموقف الاميركي. وخلاصة السؤال المؤرق هو ما يلي: اذا كان الموقف الاميركي لايزال مؤيداً لدولة فلسطينية جنبا الى جنب مع اسرائيل، ولكن دون تحديد لجغرافية هذه الدولة وحُدودها. واذا كان الموقف الليكودي هو رفض إقامة دولة فلسطينية داخل الضفة الغربية. فماذا يعني هذا؟ هل سيعني اقامة دولة فلسطينية في غزة وأريحا؟ هل سيعني اقامة دولة فلسطينية على حساب دول اخرى في الجوار مثل الاردن؟ ام هل سيعني نسيان مشروع الدولة والاكتفاء بإدارة ذاتية «اوتونومي» على المناطق السكانية كثيفة العدد بالفلسطينيين داخل الضفة والقطاع؟ اعتقد ان الموقف يتطلب دراسة عربية مستفيضة وبالطبع فان الملك عبدالله الثاني، ملك الاردن، قد صرح بأنه لن يتسامح على الاطلاق مع اي محاولة للتهجير «transfer» عبر الحدود الاردنية او الى داخلها، وصرح بأن الاردن لن يقبل بأي حل ينال كرامة اراضيه أو يمس سيادته. وبالطبع هذا هو الموقف الوحيد المطلوب والمتوقع، ولكن هذا لا ينفي الاردن من مسئوليات كبيرة حتى لو قبل الفلسطينيون ـ تحت ظروف معقدة ـ بفكرة الحكم الذاتي. وسيبقى الاردن معرضاً للضغوط طالما ان الحل الفلسطيني بقي ناقصاً ودون المتفق عليه عربياً وفي مؤتمر مدريد. ان استمرار الغموض حول تطورات الحل السلمي على المسار الفلسطيني يعني كذلك ابقاء الاردن اولا في موقف معقد، والوطن العربي في حالة توتر. والظروف الدولية لا تسير لصالح الوطن العربي. والمطلوب هو موقف عربي يعيد تأكيد عناصر هذا الموقف واعادة طرح مبادرة الامير عبدالله بن عبدالعزيز بأسلوب ديناميكي فعال. لاشك ان القضية الفلسطينية كلها قد دخلت «الحي الصيني»، واننا بحاجة الى قصاصي اثر اصحاب قلوب قوية وصلابة لاخراجها منه.