ما هو الدور الذي لعبته روسيا في حرب الخليج الثانية بالضبط وماذا عن حرب كوسوفو؟ لماذا استقال بوريس يلتسين فجأة من رئاسة الاتحاد الروسي؟ كيف وصل فلاديمير بوتين الى السلطة؟ وما هو الموقف الروسي من الصراع العربي ـ الاسرائيلي؟ هذه هي بعض الاسئلة التي يحاول مؤلف هذا الكتاب التصدي لها، ولاشك في ان الاجابات المقدمة تحمل الكثير من الجدة والجدية، فالمؤلف يفجيني بريماكوف هو احد ابرز رجال السياسة الروس الذين شغلوا مناصب حساسة، اتاحت لهم التعرف على حقيقة ما يجري وراء الكواليس حول اخطر القضايا التي شهدها العالم خلال العقود الاخيرة الماضية، فقد كان بريماكوف رئيسا لجهاز المخابرات السوفييتية الشهير «الكي. جي. بي» ووزيرا لخارجية روسيا ثم رئيسا لوزرائها وكان احد أهم المرشحين لخلافة بوريس يلتسين، وهو احد اهم الاختصاصيين الروس في شئون العالم العربي والاسلامي. إننا امام كتاب تختلط فيه سيرة حياة يفجيني بريماكوف وذكرياته السياسية، هذا الرجل الذي استهل مسيرته السياسية قبل قرابة نصف قرن من الزمان كرس حياته واهتمامه منذ الستينيات للشرق الاوسط، وخصه بموضوع اطروحته لنيل شهادة الدراسات العليا في العلوم السياسية، ليمضي بعد ذلك سنوات عديدة في المنطقة، وخاصة في القاهرة، مراسلا لصحيفة «البرافدا» قبل ان يستأنف مسيرته السياسية نحو القمة في بلاده. «من السهل ومن الصعب علي في الوقت نفسه الكتابة على صراع الشرق الاوسط»، بهذه الجملة يبدأ بريماكوف حديثه عما يسميه بـ «الفرص الضائعة في الشرق الاوسط». وبريماكوف يعرف جيداً منطقة الشرق الأوسط وصراعاتها وقد كرس لها الكثير من مقالاته وتحقيقاته وكتبه ويبدو للوهلة الاولى برأيه ان من السهولة بمكان فهم خباياها بالنسبة له ولكن على الرغم من معرفته بالمنطقة وتاريخها وقادتها فإنه من الصعب تبين سبل الوصول الى فك فعاليق تعقيداتها «ومع ذلك اجرؤ على القول والتأكيد اننا تركنا بعض الفرص للوصول الى السلام في الشرق الاوسط تضيع بسبب قراراتنا غير المتأنية». ويعيد بريماكوف ضياع تلك الفرص الى حد ما، لوجود بعض «الاساطير» المتجذرة في ضمير ووعي بعض الساسة والتي شاعت في جميع انحاء العالم «الاسطورة» الاولى تتمثل في المسلمة القائلة بأن حالة «اللاسلام واللاحرب» يمكن ان تسود الى ما لا نهاية في الشرق الاوسط؟ وتؤدي بالمحصلة الى استمرار الاوضاع الحدودية الراهنة كما هي. أيام الموت والرماد يشير بريماكوف الى انه كان رئيساً لتحرير البث الاذاعي باللغة العربية في راديو موسكو، عندما قام العدوان الثلاثي الانجليزي ـ الفرنسي ـ الاسرائيلي على مصر عام 1956 بعد ان كان الزعيم العربي الراحل جمال عبدالناصر قد قرر تأميم قناة السويس وكادت يومها المواجهة العالمية ان تحدث، لولا الجهود الفعالة التي بذلتها واشنطن والتي انتقدت فيها بشدة بريطانيا وفرنسا واسرائيل، وايضاً لولا جهود موسكو التي وجهت لهذه الدول الثلاث انذارات جدية، مع ذلك لم يؤد ذلك الى توقيف مسيرة الاحداث التي ادت الى نزاعات مسلحة جديدة على قاعدة تحالفات جديدة دعمت الولايات المتحدة عبرها اسرائيل بقوة. وعندما قامت الحرب الاسرائيلية ـ العربية الثالثة في يونيو 1967 كان بريماكوف مراسلاً لجريدة «البرافدا» في مصر ويشير الى ان اسرائيل قد قامت بشن حربها تلك، بعد ان كانت القاهرة قد «ابرزت عضلاتها» من دون سبب مقبول حقاً ولعل عبدالناصر كما يقول بريماكوف، قد فهم خطأ الجملة التي قالها المارشال اندريه جريتشكو رئيس اركان قوات حلف وارسو انذاك، وقد جاء في تلك الجملة التي تلفظ بها المارشال الروسي اثناء زيارته للقاهرة بغية ابراز العمل الممتاز الذي قام به الخبراء الروس، اذ اسر للرئيس عبدالناصر بان الجيش المصري يستطيع ان يتصدى بنجاح لعقبات عديدة على مسرح العمليات. وهنا يؤكد بريماكوف ان الاتحاد السوفييتي وعلى عكس الاتهامات التي تم توجيهها له لم يدفع مصر للدخول في حرب ضد اسرائيل ذلك لان الخبراء الروس الذين كانوا في مصر كانوا يعرفون ان الجيش المصري بحاجة لعدة سنوات كي يصل الى درجة مرضية من الكفاءة القتالية.بدأت الحرب يوم 6 يونيو 1967 وعند الساعة التاسعة صباحاً اخبر بريماكوف بـ «صوت مكسور» صحيفته هاتفياً بأنه رأى طائرة تسقط امام ناظريه كان الصاروخ قد اصابها في الجو لتنفجر وتسقط امام زغاريد القاهريين، حيث كانت الاذاعة المصرية تقدم ارقاماً خيالية عن الخسائر الاسرائيلية المزعومة اذ سرعان ما تبدى بأن الطائرة التي سقطت انما كانت طائرة مصرية وكذلك الصاروخ الذي اسقطها وعندما اجتمع بعض الاصدقاء القاهريين في منزل بريماكوف وصل خبراء روس من قاعدة غرب القاهرة للطيران واخبروهم بأن الطيران المصري قد جرى تدميره وهو جاثم على الارض، وانفجر الكثير من المصريين الحاضرين عندئذ بالبكاء مع سماع هذه الاخبار. انهزمت الجيوش المصرية والسورية والاردنية ولم تكتف اسرائيل باحتلال سيناء وقطاع غزة، وانما احتلت ايضاً الضفة الغربية والقدس الشرقية، وبدا منظور قيام حرب جديدة بعيداً جداً وبدا واضحاً ان العديد من الاميركيين بمن فيهم من يتابعون ملف الشرق الاوسط ـ باستثناء هنري كيسنجر ـ قد انطلقوا من فكرة ان التقسيم الحدودي الجديد الناتج عن حرب الايام الستة انما كان تقسيماً نهائياً. اما الروس فقد كانوا يفكرون بطريقة اخرى ففي مايو 1973 كان بريماكوف برفقة «فيتالي جوركين» مدير معهد اوروبا في اكاديمية علوم روسيا والاختصاصي بالشئون الدولية، يقومان بزيارة لنيويورك للمساهمة في اجتماع لـ «المجلس القومي للسياسة الخارجية» كان الحضور مزيجاً من كبار المحترفين من مفكرين سياسيين ومحللين يعملون في الخارجية الاميركية او في جهاز الاستخبارات الاميركي او في منظمات ومؤسسات اخرى عامة وخاصة، تهتم بشئون الشرق الاوسط وقد تنبأ بريماكوف وزميله بأن حرباً مقبلة لا محالة قريباً في الشرق الاوسط واضافا ان العرب هم الذين قد «يشعلونها» هذه المرة وقد يستخدمون فيها «سلاح النفط» للمرة الاولى عبر وقف تصديره للغرب. لاقت هذه الطروحات استهجاناً كبيراً من الحاضرين في القاعة وتحدثت امرأة كانت بين الحضور بكثير من السخرية من الآراء التي قدمها الروسيان وقالت: «ان الاسرائيليين يسيطرون تماماً على الوضع والعرب لن يتجرأوا ولن يستطيعوا الدخول في عمل عسكري وسيكونون اقل جرأة وقدرة، على تحدي الغرب كله» بعد ستة اشهر فقط شهد العالم احداثاً تطابقت الى حد كبير مع التشخيص الذي قدمه الروس وتحقق السيناريو نفسه تقريباً ويقول المؤلف: بالطبع، لم أكن انا وجوركين نمتلك معلومات قدمها لنا العرب بهذا الصدد، ويتابع بريماكوف الذي يؤكد في الوقت نفسه ان تلك الحرب التي فاجأت الخبراء الروس في سوريا ومصر، اثارت ايضاً استياء جدياً لدى القادة الروس والسوفييت. لقاءات مع القادة العرب اثناء حرب اكتوبر 1973 ذهب بريماكوف الى بيروت حيث استقل منها سيارة للذهاب الى دمشق ليكون شاهد عيان على اسقاط وسائل الدفاع الجوي السورية لثلاث طائرات اسرائيلية دفعة واحدة لكن هذا لم يمنع من خسارة العرب للحرب وقد اعتقد العديد من السياسيين الغربيين بأن الهزيمة التي لحقت بالعرب سوف تدفعهم الى القبول بجميع الشروط الاسرائيلية وكانت تلك «اسطورة» اخرى لم تصمد امام امتحان حقائق الواقع ذلك ان الحروب المتكررة لم تؤد الى تغيير عقلية المتحاربين وكان ذلك هو رأي بريماكوف الذي بناه على اساس نقاشاته العديدة مع قادة الشرق الاوسط الذين نسج معهم علاقات وثيقة بل ارتبط بـ «صداقة» مع بعضهم. وكان من بين هؤلاء الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد وكانت ادارة صحيفة «البرافدا» قد اوعزت لبريماكوف الذهاب مباشرة الى سوريا من القاهرة اثر استلام الجناح اليساري في حزب البعث للسلطة يوم 23 فبراير 1966 الانقلاب العسكري الدموي الاول في سوريا كان مطار دمشق مغلقاً لكن الطائرة التشيكية التي كان بريماكوف يستقلها هبطت فيه لأسباب «تقنية» وواجه بريماكوف احتمال الطرد فوراً لولا تدخل احد قادة الفريق الحاكم الجديد هكذا كان بريماكوف هو الاجنبي الاول الذي قابل رئيس الوزراء السوري الجديد وفي الثامن من شهر مارس، اثناء الاستعراض العسكري تكريماً للبعث تم تقديم بريماكوف لقائد القوات الجوية حافظ الاسد واستمر اللقاء بينهما بعد ان اصبح رئيساً حيث كانا يناقشان لساعات طويلة «احداث الساعة». وفي نهاية عقد الستينيات تعرف بريماكوف على رئيس منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك ياسر عرفات، وعلى ابو اياد وابو مازن وياسر عبدربه وفلسطينيين آخرين، اصبح بعضهم اصدقاء له كما تعرف على القادة العراقيين واللبنانيين وقد حصل بريماكوف مع صديقه ايجور بيلياييف على جائزة عبدالناصر الدولية على كتابهما حول الزعيم العربي، وهكذا دعاهما الرئيس انور السادات للحديث معه طويلاً «بهدوء» في مقره الريفي، حيث كانا عملياً آخر السوفييت الذين استقبلهم لانه كان قد قرر ان يدير ظهره للسوفييت. والتقى بريماكوف ثلاث مرات ولساعات طويلة الملك فهد بن عبدالعزيز الذي اعطاه سبحته، وارفقها بالقول: «انني خادم الحرمين الشريفين الرئيسيين للاسلام؟ فاحرص على ان لا تعطي هذه السبحة لأي كان ويؤكد بريماكوف: «لقد نفذت ما طلبه مني» وفي عام 1991 اسر الملك فهد لبريماكوف كما يقول بأنه يحب ان يشاهد نشرة الاخبار في التلفزيون الروسي، حيث يتم تقديم احداث الشرق الأوسط بصورة موضوعية وسأل بريماكوف: «ألا يمكن تأمين الترجمة العربية لهذا البرنامج يومياً؟». وذات يوم عرض بريماكوف في متحف الملك فيصل فيلماً وثائقياً استثنائياً لزيارة قام بها عام 1930 العاهل السعودي الذين لم يكن في ذلك العام ملكاً وانما وزيراً لخارجية المملكة العربية السعودية وبادر ابناء الملك فيصل فقدموا له الشكر من اجل ذلك. والتقى بريماكوف مراراً بالعاهل الاردني الراحل حسين، وقامت بينهما شبه صداقة ويروي عنه انه عندما كان يريد ان يشرح أسباب تأخره قليلاً عن الموعد كان الملك يبادره بالقول: «ان الاردن هي البلد العربي الوحيد الذي لا يمكن فيه خرق اشارات المرور الحمراء» ويروي بريماكوف حكاية ظريفة اخرى عن علاقته بالملك حسين الذي عرف ذات يوم بأنه، اي بريماكوف، مدعو عند رئيس الوزراء الاردني، فما كان منه الا ان ركب دراجته النارية (التي كان يقودها ببراعة، مثلما يقود الطائرة) والتحق بهما. وقد نسج بريماكوف ايضاً علاقة جيدة مع العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني ومع الرئيس المصري حسني مبارك: وقابل «سراً» جولدا مائير وموشي دايان ومناحيم بيجن وشيمون بيريز واسحق رابين ثم علناً اسحق شامير وبنيامين نتانياهو وارييل شارون ثم يضيف: «لا استطيع ان اذكر اسماء جميع الذين تحدثت معهم». ذلك ان اهتمامه بقضايا الشرق الاوسط جعله بحاجة دائمة لمصادر المعلومات، وقد توصل عبر هذا الى اقتناع مفاده انه نظراً للدماء التي اريقت وللحقد المتكدس لا يمكن الوصول لحل في الشرق الاوسط دون «تدخل خارجي نشيط». لعبة السادات بدا لبريماكوف للمرة الاولى ان الوصول الى تسوية شاملة لنزاع الشرق الاوسط كان عملية ممكنة في عام 1973 ولكن مهما كانت الاسباب لم يتم سوى سلام منفصل بين اسرائيل ومصر بتعبير آخر انتصرت السياسة الاميركية التي كانت تشجع على قيام سلام منفصل بين اسرائيل وكل بلد من البلدان العربية، كما مع الفلسطينيين وكان الرئيس المصري الراحل انور السادات قد رسم لبريماكوف وايجور بيلياييف اثناء لقائه بهما لوحة لحرب اكتوبر 1973، جاءت معالمها الرئيسية بالشكل التالي، وكان ذلك في نهاية عام 1975: ـ كانت الجبهة تشبه «رقائق متداخلة» كان جيشي الثالث محاصراً في سيناء من قبل الاسرائيليين لكن دبابات الجنرال شارون التي كانت قد اجتازت قناة السويس الى ضفتها الغربية كانت هي ايضاً محاصرة من قبل القوات المصرية، ولم تكن على تواصل مع القوات الاسرائيلية الأساسية الا بممر يمتد على مسافة 6 كيلومترات وبعض الجسور على القناة وقد ضغط على الجنرالات المصريين كي اقطع هذا الممر واضرب مواقع ارييل شارون وكان امتيازنا المزدوج على صعيد الدبابات والمدفعية يسمح لنا القيام بذلك، لكن في تلك اللحظة قال لي هنري كيسنجر: «سيادة الرئيس، اذا احرزت الاسلحة السوفييتية النصر على الاسلحة الاميركية فإن (لعبتنا) معكم سوف تنتهي»». فسأل بريماكوف وبيلياييف «اي لعبة تلك؟» فتحاشى السادات الاجابة وانتقل لموضوع آخر وفي اليوم التالي انتقل الروسيان الى عمان حيث حصلا على بعض التوضيحات من الملك حسين ورئيس وزرائه زيد الرفاعي، حيث كان بريماكوف قد قص عليهما اثناء حفلة غداء غير رسمية محادثات الأمس مع الرئيس السادات لقد بدأ الرفاعي بالقول: «اتذكر انه اثناء زيارتي للقاهرة قبل ستة عشر شهراً من بداية الحرب من اجل اعادة العلاقات الدبلوماسية التي كانت قد انقطعت قبل عام بقرار مصري لقد فتح السادات قلبه، وابلغني بأنه يقوم باتصالات سرية مع كيسنجر، ثم اسر لي بفكرته عن خلخلة النزاع مع اسرائيل وقال لي: «يمكننا فعل ذلك بالقيام بعمل محدود يقضي باحتلال رأس جسر على الضفة الشرقية للقناة، وبعد ذلك يمكنني الجلوس على مائدة المفاوضات. لكن الرئيس السوري حافظ الاسد هو الذي وضع النقاط على الحروف اثناء لقاء بريماكوف معه في 2 يونيو من عام 1983 حيث قال: «لقد توصلنا الى اتفاق مسبق مع السادات للتحرك معاً بشرف: وبالطبع، لم يقل لنا انه كان يتصور تلك الحرب من اجل تحريك الوضع والدخول في مفاوضات منفصلة وبالنسبة لنا في سوريا كان يفترض لهذه الحرب ان تؤدي الى سلام شامل قائم على قرارات مجلس الامن مع ذلك كانت خططنا تعتمد على فكرة انه في لحظة دخول الامم المتحدة نكون قد حررنا على الجبهتين الاراضي التي كانت اسرائيل قد احتلتها عام 1967. لكن الامور سارت بشكل آخر في الواقع». ان احد ابرع الساسة في النصف الثاني من القرن العشرين اي هنري كيسنجر نفى في مذكراته انه قد فهم منذ البداية ان هدف السادات لم يكن الحصول على الارض وانما مجرد اثارة أزمة تسمح بتطوير مواقف المتحاربين وبفتح الطريق امام المفاوضات لكن حتى اذا لم يكن قد لعب مع السادات منذ البداية فإن الخطة كانت تروق كثيراً لوزير الخارجية الاميركي من حيث حلحلة النزاع عبر عمل محدود جداً يقوم به السادات وسيطرة اميركا على الوضع؟ وتأمين ظروف مشرفة للسادات من اجل القبول بمفاوضات تؤدي الى سلام منفصل. وقبل ان يتم تبني القرار 338 الصادر عن مجلس الامن بخصوص وقف اطلاق النار في الشرق الاوسط ذهب هنري كيسنجر الى موسكو واظهر انه يقبل رأي القادة السوفييت بضرورة الربط في قرار الامم المتحدة بين نهاية الحرب والوصول الى حل شامل للنزاع لكنه كان في الواقع يستبعد مثل هذا الربط كما بدا فيما بعد اثناء مؤتمر السلام في جنيف الذي لم يكن بالنسبة له سوى وسيلة تسمح لكل طرف بأن يتابع طريقه الخاص بعده وفي عام 1978 وبعد ان كان كيسنجر قد ترك منصب وزير الخارجية الاميركي تم توقيع اتفاق منفصل بين مصر واسرائيل لكن ذلك لم يضع حداً للنزاع او لنشوب نزاعات لاحقة مسلحة مثل الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982 والذي ادى الى سقوط عدد اكبر من الضحايا عما شهدته الحروب العربية ـ الاسرائيلية السابقة. وفي 1991 شهدت العاصمة الاسبانية مدريد انعقاد مؤتمر للسلام في الشرق الاوسط بقصد دفع مفاوضات السلام الى الامام وكان اتفاق اوسلو فيما بعد احد المحطات الاساسية في هذه المسيرة ولكن على الرغم من الأهمية التي يكتسيها اي تقدم على الصعيد الفلسطيني، فإن السلام في الشرق الاوسط لا يمكن ان يقوم بدون تسوية مع سوريا، كما يقول بريماكوف ويؤكد انه اثناء حديث له مع الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد عرض عليه رؤيته للموقف السوري وتتلخص تلك الرؤية بالقول ان سوريا لا تريد ان تكون البلد الاول الذي يعقد السلام مع اسرائيل لكنها لا تستطيع ان تكون البلد الاخير لانها بذلك ستجد نفسها وحدها وجهاً لوجه مع اسرائيل ان مثل هذا «الديالكتيك» لم يكن يترك لسوريا سوى هامش مناورة ضيقاً جداً وكان الرئيس الاسد موافقاً تماماً على هذا التحليل وقد قال لبريماكوف: «ربما اننا لن نستطيع الوصول بوسائلنا الخاصة الى تسوية شاملة، لكننا نستطيع ان بكل الحالات منع قيام اي وضع تكون فيه سوريا وحيدة مع اسرائيل». لغز الدور الروسي ذات يوم من عام 1993 التقى بريماكوف بموسكو بأحد اهم الاختصاصيين الاميركيين بشئون الشرق الاوسط وهو ادوارد جيريجيان السفير السابق للولايات المتحدة في سوريا ثم نائب وزير الخارجية الاميركية ويتذكر بريماكوف بأنه كان قد اتصل هاتفياً عندما كان ذات مرة في دمشق بالسفارة الاميركية وعندما عرف عمال الفندق «صدفة» بالامر حرصوا ان يضعوا تحت تصرفه هو والسفير الاميركي قاعة خاصة لكن بريماكوف اصر على ان يكون اللقاء في بهو الفندق لكن لم يتحدثا بأية قضية سياسية وهذا على عكس عام 1993 عندما التقيا في موسكو حيث كرسا حديثهما لافاق التسوية السلمية في الشرق الاوسط وكانت سوريا في صلب اهتمامهما، حيث اكد بريماكوف بأن اهم ما تنبغي معرفته هو ان دمشق لن تقبل اي سلام بدون استرجاع هضبة الجولان وبالتالي ومهما كانت الطريقة التي تتم بها معالجة المسألة فإنه ينبغي ان يوضع منذ البداية منظور الانسحاب الكامل للاسرائيليين من هضبة الجولان لكن هذا لا يمنع التفكير بامكانية نزع سلاح الهضبة او اقامة مراكز للمراقبة او اللجوء الى دوريات مشتركة او اية اجراءات اخرى بالاتفاق مع دمشق ورأى جيريجيان ان فكرة قبول سوريا بانسحاب اسرائيلي تدريجي غريبة الامر الذي أثار بدوره استغراب بريماكوف كان الاميركي يسجل ملاحظات اثناء الحديث واعتقد بريماكوف بأنه كان ممكناً الوصول الى السلام في الشرق الاوسط اذا ضافرت الولايات المتحدة وروسيا جهودهما الدبلوماسية والسياسية لكن للأسف فان السياسة الاميركية وتنفيذها يداران بشكل اساسي من قبل دينس روس الذي كان يرى الامور بمنظار مختلف تماما. وبدا في الوقت نفسه ان الولايات المتحدة تلعب وحدها دور محرك عملية السلام في الشرق الاوسط اذ لم تكتف واشنطن بأن «تدير ظهرها» لروسيا الرئيس المشارك لها في مؤتمر مدريد بل انها اظهرت عدم رغبتها بالتعاون مع الاوروبيين، ويشير بريماكوف في هذا السياق بأنه قام بصفته وزيراً لخارجية روسيا؟ بثلاث جولات في الشرق الاوسط واحس خلالها كلها بأن هناك امكانيات لم يتم استغلالها بسبب رفض الادارة الاميركية التخلي عن احتكارها لدور الوسيط بين مختلف الاطراف. وفي شهر ابريل من عام 1996 عندما انفجرت الاوضاع في لبنان مع اسرائيل اقترح الرئيس الفرنسي جاك شيراك ارسال بريماكوف الى المنطقة حيث كان يوجد وارن كريستوفر ووزير الخارجية الفرنسي هيرفيه دو شاريت ووزيرة خارجية ايطاليا سوزانا اينيلي وبارك كلينتون هذه الفكرة واضاف بأنه سوف يعطي تعليماته لوزير خارجيته كلي يعمل بالتعاون الوثيق مع بريماكوف، ولكن برغم هذا كله ابدى كريستوفر تحفظه على اقتراحات بريماكوف لعقد اجتماع وزاري رباعي وانتهى الامر به الى عدم اللقاء ببريماكوف ولم يصل وزير الخارجية الى اية نتيجة مع كريستوفر ووصفه بأنه قليل التواصل وبأنه لا يكشف اوراقه بل ولم يطلعه على نتائج محادثاته في دمشق وكان ذلك هو نفس الاحساس الذي اعترى وزيرة خارجية ايطاليا. عمل الوزراء الثلاثة الروسي والفرنسي والايطالية بالتوازي مع كريستوفر للوصول الى تسوية وفي النهاية التزم الطرفان، الاسرائيلي وحزب الله في جنوب لبنان بوقف عمليات القصف مع انشاء لجنة دولية من المراقبين وقد بدا من الخارج بأن الولايات المتحدة قد توصلت وحدها الى مثل هذا الاتفاق لكن في واقع الامر بقي اغلبية الذين ساهموا في التوصل اليه في الظل وكان السوريون انفسهم قد ساهموا بذلك. زار بريماكوف اسرائيل بعد تولي بنيامين نتانياهو السلطة مباشرة، وكان الرأي السائد لدى القادة العرب هو ان مسيرة السلام لن تتقدم معه، وكان الاميركيون يقطبون الجبين عندما يسمعون اسمه، اما بريماكوف فقد كان له رأي آخر هذا مع تأكيده على معارضته بشأن عودته عن اتفاقيات السلام وهذا ما يؤكد بأنه قد قال له بكل صراحة ووضوح وذهب بريماكوف بعدها الى غزة حيث التقى بالرئيس ياسر عرفات وغيره من القادة الفلسطينيين وكرر ما كان قد قاله في اسرائيل اي الارض مقابل السلام وهذه هي الصيغة التي كان قد تم تبنيها في مدريد، مع ذلك كان بريماكوف يعتقد بشكل ما بامكانية البحث عن تسوية مع نتانياهو الذي قال لبريماكوف: «ارى انه من المناسب تعزيز دور روسيا في التسوية السياسية بالشرق الاوسط وهذه ليست مجرد كلمات في الفراغ وانما هو الخط الذي تنتهجه حكومتي، باختصار كان بريماكوف يعتقد بوجود امكانية للتسوية مع حكومة نتانياهو الذي لم يكن يخشى الضربات من اليمين على اعتبار انه هو نفسه من اليمين المتشدد. وهنا يفتح المؤلف قوسين لينبه قارئه لان مثل هذا الرأي لا يعني انه من انصار وصول اليمين الى السلطة في البلدان الغارقة في نزاعات لكنها مشيئة الحياة وكان نتانياهو يربط جميع مسائل السلام بما يسميه امن اسرائيل واثناء لقاء بريماكوف الاول معه كان من الصعب عليه تصور ان الامن لا يمر بالاحتفاظ بهضبة الجولان وانما بعقد اتفاقية سلام مع سوريا، وهذا السلام كان بدوره مستحيلاً اذا لم يتم جلاء القوات العسكرية الاسرائيلية عن الهضبة. وبعد عام اثناء اللقاء الثاني بين بريماكوف ونتانياهو ذكر هذا الاخير امكانية قيام وساطة بينه وبين الرئيس الاسد وهذه المرة اخذت الامور منحى ملموساً وكان القلق يبدو آنذاك على وجوه العديد من الاسرائيليين حين كانت وسائل الاعلام تردد اشاعات عن تحرك لقوات النخبة العسكرية السورية التي تتأهب للتدخل في الجولان بعد عدة اشهر فقط تبين ان الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية كما كشفت الصحافة ضللت اعلامياً المسئولين السياسيين كي تبرز فاعلية عملائها ولكن اثناء لقاء بين بريماكوف ونتانياهو في 26 اكتوبر 1997 اكد نتانياهو من دون ان يذكر مصادره انه يمتلك معلومات حول ما اسماه النوايا الحقيقية للسوريين. ويشير بريماكوف في هذا السياق الى ان نتانياهو لم يكن يستبعد ان الروس لديهم المعلومات نفسها ذلك لانه ابدى غبطة واضحة عندما سمع بريماكوف يصرح اثناء المؤتمر الصحافي المشترك: «ان روسيا تعارض اي خرق لاطلاق النار في الجولان كائناً من يكون المسئول عنه». ويؤكد بريماكوف انه قال لنتانياهو ما يشير الى عدم اعتقاده بامكانية قيام عمل عسكري سوري، مع ذلك كانت الشكوك المتبادلة تنمي حالة التوتر فقبل وصول بريماكوف الى اسرائيل قيل له في دمشق عن وجود تعزيزات عسكرية اسرائيلية في الجولان، ويؤكد بريماكوف ان نتانياهو قال له: «هل تستطيع اعلام القادة السوريين بأننا لا ننوي القيام بعمل عسكري؟» فأجاب بريماكوف: «سوف اعود الى دمشق كي انقل الخبر للرئيس حافظ الاسد شخصياً» ذهب الوزير الروسي الى دمشق وعاد بعد مقابلته للرئيس الاسد الذي كلفه بنقل نفس التأكيدات للاسرائيليين. ان بريماكوف يشير ايضاً الى الجهود الكبيرة التي بذلها الرئيس كلينتون وادارته بعد وصول حكومة ايهود باراك للسلطة في اسرائيل من اجل دفع عجلة السلام الى الامام وفي الفترة نفسها بعد مايو 1999 حذف المجلس الوطني الفلسطيني من ميثاقه الفقرة التي تنص على ان الهدف النهائي للنضال الفلسطيني هو ازالة اسرائيل. «لكن هل كان هذا يعني وصول مسيرة السلام الى نهايتها؟» هكذا يتساءل بريماكوف، ويجيب ان احداث نهاية عام 2000 اثر قيام ارييل شارون بزيارته الاستعراضية والاستفزازية لساحة المسجد الاقصى قد نسفت عملية المفاوضات وفي منتصف شهر مايو من عام 2001 قام بريماكوف بزيارة عدد من بلدان الشرق الاوسط وبدا له ان دورة العنف مرشحة للاستمرار بل للتصعيد ومن اجل كسر دورة العنف هذه لابد من العودة لطاولة المفاوضات وقد يمكن لمهمة وساطة موسعة تشمل الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الاوروبي ومصر والاردن ومنظمة الامم المتحدة ان تصل الى مثل هذا الهدف، ان حظوظه في التوصل لذلك اكبر، هكذا ينهي بريماكوف حديثه عن «فرص السلام الضائعة في الشرق الاوسط».