ما هو الدور الذي لعبته روسيا في حرب الخليج الثانية بالضبط وماذا عن حرب كوسوفو؟ لماذا استقال بوريس يلتسين فجأة من رئاسة الاتحاد الروسي؟ كيف وصل فلاديمير بوتين الى السلطة؟ وما هو الموقف الروسي من الصراع العربي ـ الاسرائيلي؟ هذه هي بعض الاسئلة التي يحاول مؤلف هذا الكتاب التصدي لها، ولاشك في ان الاجابات المقدمة تحمل الكثير من الجدة والجدية، فالمؤلف يفجيني بريماكوف هو احد ابرز رجال السياسة الروس الذين شغلوا مناصب حساسة، اتاحت لهم التعرف على حقيقة ما يجري وراء الكواليس حول اخطر القضايا التي شهدها العالم خلال العقود الاخيرة الماضية، فقد كان بريماكوف رئيسا لجهاز المخابرات السوفييتية الشهير «الكي. جي. بي» ووزيرا لخارجية روسيا ثم رئيسا لوزرائها وكان احد أهم المرشحين لخلافة بوريس يلتسين، وهو احد اهم الاختصاصيين الروس في شئون العالم العربي والاسلامي. إننا امام كتاب تختلط فيه سيرة حياة يفجيني بريماكوف وذكرياته السياسية، هذا الرجل الذي استهل مسيرته السياسية قبل قرابة نصف قرن من الزمان كرس حياته واهتمامه منذ الستينيات للشرق الاوسط، وخصه بموضوع اطروحته لنيل شهادة الدراسات العليا في العلوم السياسية، ليمضي بعد ذلك سنوات عديدة في المنطقة، وخاصة في القاهرة، مراسلا لصحيفة «البرافدا» قبل ان يستأنف مسيرته السياسية نحو القمة في بلاده. في 5 يناير 1996 رن الهاتف الخاص في مكتب بريماكوف، وكان المتحدث على الطرف الآخر هو الرئيس الروسي بوريس يلتسين، حيث بادر بالقول: هل تستطيع المجيء اليّ؟ بالطبع سأنهي تقريري حالا وانطلق إليك. لا حاجة لجلب وثائقك معك؟ في الطريق الى الكرملين كان بريماكوف يتساءل عن معنى هذه الدعوة ـ الاستدعاء ـ الاستثنائي والغامض، وكان استقبال يلتسين له وديا ليفاجئه مباشرة بالسؤال التالي: «ما رأيك بتعيينك وزيرا للخارجية؟». ويعترف بريماكوف بأن مثل هذا الاحتمال كان قد خطر له اثناء الطريق، لان وسائل الاعلام كانت قد أشارت مرارا الى ان استقالة «اندريه كوزيريف» كانت مرتقبة وقد ترددت بعض الاسماء للحلول محله، ومن بينها بريماكوف الذي لم تكن له، على حد قوله، أي رغبة بتولي هذا المنصب وقد اشار بذلك صراحة للرئيس يلتسين، وقال في الاسباب المبررة لذلك أمام الرئيس وفي مقدمتها احتمال ان يواجه الغرب ذلك بشكل سلبي بحجة ان بريماكوف صديق «الرئيس العراقي» وانه «من بقايا المدرسة القديمة. واذا كان جورج بوش رئيسا لجهاز الاستخبارات المركزية الاميركية قبل ان يصبح رئيسا للولايات المتحدة. وكلاوس كينكل وزير الخارجية الالماني كان رئيسا لجهاز استخبارات بلاده، فإن تسمية رئيس الاستخبارات الخارجية الروسية وزيرا لخارجية روسيا قبل عدة اشهر فقط من الانتخابات الرئاسية قد يتم استخدامها ضد يلتسين، كما شرح له بريماكوف. بالاضافة لهذا كله، كان بريماكوف متعلقا بعمله على رأس الاستخبارات الخارجية السوفييتية، والذي كان يمارسه منذ اربع سنوات. اصغى يلتسين جيدا لما قاله بريماكوف، ثم قال له: «ان جميع السيئات التي قلتها يمكن تحويلها الى حسنات، حسنا، بما انك ترفض قطعيا، لنتوقف عند هذا الحد لكن المسألة لم تغلق بعد». بعد اربعة ايام، وعندما كان بريماكوف يتأهب لكي يقدم للرئيس التقرير الاسبوعي الذي يعده له، بادره يلتسين بالقول ايضا: ألم تغير رأيك؟ كلا. اما أنا فقد غيرت رأيي، وانني ارجوك ان تقبل اقتراحي. الخروج من «الغابة» كانت الصيغة التي تحدث بها يلتسين لاتسمح بعدم القبول، وقبل الرئيس أن يستمر بريماكوف شهرا او شهرين آخرين على رأس جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية، لكن ما ان وصل الى «الغابة» ـ كما كان العاملون في الجهاز يسمون مقر ادارتهم ـ حتى تقدم منه احد مساعديه قائلا: «هل هذا صحيح؟ لقد اعلنوا للتو في التلفزيون انه قد تم تعيينك وزيرا للخارجية». وفي اليوم التالي قام يلتسين بالكرملين بتقديم وزير خارجيته الجديد لكبار مساعديه الذين سيعمل معهم، لكن بنفس اليوم مساء التقى بريماكوف المدير السابق لجهاز استخبارات المانيا الديمقراطية (الشرقية السابقة) وكان ذلك اللقاء مبرمجا منذ فترة طويلة. وكان ماركوس هذا او «ميشا» كما شاعت تسميته عندما كان على رأس عمله يتمتع بحرية مؤقتة بانتظار محاكمته بعد توحيد الالمانيتين بعد ان كان قد جرى اعتقاله لفترة من الزمن. ويرى بريماكوف ان تلك المحاكمة كانت «ضد اي منطق، لانه ـ اي ميشا ـ قد خدم بلاده ولم يتورط شخصيا بأي قضية، وقد كان يمارس في الواقع الوظيفة نفسها التي كان يمارسها نظيره في المانيا الغربية». لقد وجد بريماكوف تسهيلات كبيرة في عمله كوزير لخارجية روسيا بفضل علاقاته العديدة التي كان قد اقامها خلال مسيرته المهنية كلها، والتي كان فيها على اتصال وتواصل مستمرين مع مسائل السياسة الخارجية، كما كان على صداقة قوية مع كبار ممثلي الدبلوماسية السوفييتية مثل اندريه غروميكو الذي شغل منصب وزير خارجية الاتحاد السوفييتي منذ عام 1957 وحتى عام 1985 ان بريماكوف يتحدث طويلا عن رسالة كان قد تلقاها، عندما توفي ابنه الشاب فجأة في عام 1981، من اندريه غروميكو والتي يصفها بالقول: «لم تكن رسالة تعزية رسمية، كما انها لم تكن على شاكلة البرودة التي اشتهر بها هذا الرجل الذي تولى رئاسة الدبلوماسية السوفييتية لاكثر من ربع قرن، لكن بريماكوف خالف غروميكو الرأي بخصوص ارسال الجنود السوفييت الى افغانستان، لانه كان يعتقد بناء على قراءة دقيقة لتلك البلاد بأنه لم يكن هناك وضع ثوري يسمح بفرض تغييرات جذرية في افغانستان. لقد وصل بريماكوف الى وزارة الخارجية في مرحلة اخرى، حيث كانت روسيا قد ولجت طريق اقتصاد السوق وتبنت التعددية السياسية، وكانت التحولات الاجتماعية قد ادت الى نهاية الاستقطاب الثنائي الدولي وزوال حلف وارسو .. ضمن هذا الاطار كان على بريماكوف ان يمارس مهام منصبه كوزير لخارجية روسيا. كان البعض يعتقد ان روسيا سوف تندمج مع «العالم المتمرن» كدولة من الصف الثاني، وذلك على قاعدة الاعتراف ضمنا او صراحة بهزيمة الاتحاد السوفييتي في الحرب الباردة وباعتبار ان روسيا هي وريثة «المهزوم» فانه ينبغي ان تنتهج في علاقاتها مع الولايات المتحدة النهج نفسه الذي انتهجه «المهزومون» في الحرب العالمية الثانية اي المانيا واليابان بشكل خاص اللتين خضعتا لسيطرة واشنطن، ويسوق بريماكوف في هذا الاطار كمؤشر على الذهنية التي كانت سائدة في وزارة الخرجية الروسية في مطلع التسعينيات الماضي، حوارا جرى بين وزير الخارجية الروسي آنذاك اندريه كوزيريف والرئيس الاميركي الاسبق ريتشارد نيكسون الذي طلب من الوزير الروسي ان يوضح له «مصالح روسيا الجديدة» فقال «كوزيريف» «انتم تعرفون، ياسيادة الرئيس، ان احدى مشكلات الاتحاد السوفييتي كانت المبالغة في التركيز على مصالحه الوطنية. اما الآن فاننا نفكر كثيرا بالقيم الانسانية لكن اذا كان لديكم بعض الافكار حول تعريف مصاحلنا الوطنية فإنني سأعترف بجميلكم اذا اطلعتمونا عليها». أحس نيكسون بـ «الامتعاض» من هذه المقابلة وقال للمفكر السياسي (ديمثري سيمس) الذي كان يرافقه: «عندما كنت نائبا للرئيس ثم رئيسا كنت اناضل بكل قوتي من اجل الدفاع عن المصالح الاميركية، وكنت اتعلم عندها الكثير ايضا من هنري كيسنجر، واليوم وبعد ان انهار الاتحاد السوفييتي وغدا من المطلوب الدفاع عن روسيا الجديدة وتعزيز مواقعها يبدو كوزيريف وكأنه يريد ان يظهر للجميع انه غلام مهذب». ويؤكد بريماكوف انه قبل تولي منصب وزير خارجية روسيا على قاعدة الاقتناع بضرورة اقامة علاقات مع الجميع على اساس مبدأ «التكافؤ» وتحديد اطر للمصالح المشتركة مع بلدان اخرى والعمل «المشترك» من اجل تأمينها وضمن هذا السياق كان لابد من ظهور الخلافات وبالتالي كان لابد من البحث عن حلول لها بحيث لا تتم التضحية بالمصالح الحيوية لروسيا، من جهة، وعدم دفع الامر حتى المواجهة من جهة اخرى. كان ذلك هو «الديالكتيك» الذي يتبناه بريماكوف للسياسة الخارجية الروسية بعد الحرب الباردة، وكان يرى ايضا بأن تجاهل «المصالح المشتركة» كان لابد من ان يؤدي في افضل الحالات الى «حرب باردة جديدة» لكن بالمقابل كان اخذ تلك المصالح بالاعتبار يعني امكانية الحديث عن «شراكة». وكان هناك البعض ـ ولا يزال ـ يرى ان روسيا ضعيفة الى درجة لا يمكننا معها انتهاج سياسة خارجية نشيطة، وعلى هذا الاساس كانوا يقولون بتركيز الجهود على المسائل الداخلية وبناء القوة العسكرية المهمة قبل البحث عن موقع متميز على المسرح السياسي الدولي. وهذه وجهة نظر يراها بريماكوف «غيرمقبولة» اذ ان روسيا بدون سياسة خارجية ستجد صعوبة كبيرة في القيام بتحولات داخلية جذرية والحفاظ على وحدة اراضيها والانضمام الى الاقتصاد العالمي كشريك يستحق هذا الوصف وكما يقول مثل روسي «المكان الرائع لايخلو من الناس ابدا» فانه لا يمكن لروسيا ان تستعيد مكانتها فيما بعد كقوة عظمى، اذا تخلت عن تبني سياسة خارجية نشيطة، فعندما تتوقف اي دولة عن لعب احد الادوار الاولى تتم الاستعاضة عنها بدولة اخرى. ملف الناتو بعد ثلاثة ايام فقط من تعيين بريماكوف وزيرا لخارجية روسيا عقد مؤتمر صحافيا بعد ان كانت بعض وسائل الاعلام الاميركية والاوروبية قد اعربت عن مخاوفها وقلقها، بل وتحدثت صحيفة «النيويورك تايمز» عن ان اختيار رئيس سابق لمصلحة تجسس، انما يعني نهاية «النوايا الحسنة للدبلوماسية الروسية». لكن منذ البداية اقام بريماكوف علاقات وثيقة مع نظرائه الاجانب في مختلف انحاء العالم. كان الملف الاساسي الاول الذي عالجه بريماكوف، بصفته وزيرا لخارجية روسيا، هو ملف توسيع اطار الحلف الاطلسي ليشمل دولا اوروبية جديدة، في وسط القارة وشرقها، وكان قد اهتم بهذا الملف اصلا منذ ان كان على رأس جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية وقد لاحظ من خلال دراسته الدقيقة والطويلة لهذا الملف ان الحديث عن توسيع اطار الحلف الاطلسي لم يتم اثناء الحرب الباردة، وانما بعد نهايتها. بل ان الدول الاعضاء في الحلف كانت قد كررت مرارا للقادة السوفييت انه ليس لديها اية نية لتوسيع اطاره ليشمل بعض بلدان اوروبا الشرقية، وهذا ما عبر عنه صراحة جيمس بيكر وزير الخارجية الاميركي الاسبق و(جون ميجور) رئيس وزراء بريطانيا السابق وهلموت كول المستشار الالماني السابق . وحول هذه المواقف يعلق بريماكوف بالقول: «للأسف علينا ان نلاحظ ان كل هذه التطمينات لم تجد توثيقا قانونيا لها، في الوقت الذي كان ذلك ممكنا تماما آنذاك فكيف يمكن اذن تفسير تغيير البلدان الرئيسية في الحلف الاطلسي لمواقفها تماما، بما في ذلك الولايات المتحدة وذلك على الرغم من وعودها القاطعة بأنها لن تستقبل بلدان حلف وارسو في اطار الحلف الاطلسي؟ يقول بريماكوف « ان الاجابة معقدة» ويرى في «الحاح» قيادة بلدان اوروبا الوسطى والشرقية احد اسباب ذلك التحول في الموقف الغربي لكنه لاينفي في الوقت نفسه مسئولية موسكو التي لم تول، كما يرى ما ينبغي من الاهتمام لـ «حلفاء الاطلسي» بعد ان انفرط عقد حلف وارسو، ويعيد بريماكوف هذا الاهمال الى انشغال الروس بتسوية الاوضاع الداخلية لبلادهم. وفي 9 فبراير 1996 تم لقاء بين بريماكوف ووارن كريستوفر وزير الخارجية الاميركي آنذاك في مدينة هيلسنكي، «ان اصدقائي يدعونني كريس»، بادر وزير الخارجية الاميركي بالقول عند بداية اللقاء، كما اشار الى ان الولايات المتحدة وروسيا تظلان القوتين الرئيسيتين في العالم، فما كان من بريماكوف الا ان اقترح على كريستوفر التفاهم بين هاتين القوتين الرئيسيتين حول خمس نقاط مركزية هي: المشاورات المستمرة، وتبادل المعلومات حول المسائل التي تحسن مصالح الطرف الآخر، والوقاية من المفاجآت السيئة، وتنفيذ الاتفاقيات الموقعة بين البلدين، وأخيراً البحث عن حلول في الحالات التي لا تتفق فيها مصالح الطرفين. وبعد أن أكدّ بريماكوف على ضرورة استمرار العلاقات الوثيقة بين البلدين أشار إلى أن الروس لديهم الانطباع بأن الاميركيين لايعاملونهم على قدم المساواة معهم.. فاعترض كريستوفر على هذا قائلا: «لدي انطباع معاكس. اذ عندما نري الرئيسين كلينتون ويلتسين جنباً إلى جنب في مؤتمر صحافي لايمكن ان يخطر على بال أحد ان رئيسنا لايعتبر رئيسكم كنظير مكافيء له». فانتقل بريماكوف إلى الحديث مباشرة عن الحلف الاطلسي حيث قال: «الجميع يعرف ان روسيا ليست لديها النية لاعلان احتجاجها، كما كنا نفعل غالباً ـ وانتم ايضاً ـ في فترة الحرب الباردة، مع ذلك نشير إلى أن مسألة توسيع اطار الحلف الاطلسي تثير قلقا، وتتم محاولة بعث الطمأنينة لدينا بالقول بأن الحلف الاطلسي لا ينوي القيام بعمليات عسكرية ضد روسيا.. ولكنكم تعرفون بالمقابل بأن الصواريخ الروسية ليست موجهة ضد الولايات المتحدة (...). وبكل الحالات يمثل واقع اقتراب الحلف الاطلسي من الحدود الروسية وضعاً عسكرياً وجيوسياسياً جديداً ليس في صالحنا». لقد حاول كريستوفر بتعليقه على ما قاله بريماكوف ان يكون متفائلاً حيال المستقبل من خلال تأكيده ان توسيع اطار الحلف الاطلسي لا يعني ابداً رسم حدود جديدة في اوروبا، وانما المساهمة في اندماج جميع بلدان «القارة العجوز» في أوروبا كبرى من حدّة. «فهل أخذوا باعتبارهم موقف روسيا؟» يتساءل بريماكوف ليشير إلى ان كريستوفر وقادة الحلف الاطلسي قد فهموا ان روسيا تتمنى اولاً ان تتم عملية توسيع اطار الحلف تدريجياً، وثانياً العمل على ايجاد اشكال من التعاون بين روسيا والحلف الاطلسي. هكذا فهمت واشنطن اذن «الاشارات» التي بعثتها موسكو.. وماذا لو أن هذه «الاشارات قد تغيرت؟» وعندها سيكون عليكم ـ اي الروس ـ النوم مرغمين مع قنفد» فاكتفى بريماكوف بالاجابة عليه بأنه يفضل أكثر النوم مع مخلوق اكثر لغومة عن القنفد. ما العمل؟ ما العمل؟ تساءل الروس ووجدوا انهم يستطيعون الاجابة على الوضع القائم بثلاث طرق: 1 ـ اعلان معارضة توسيع اطار الحلف الاطلسي وعدم اقامة اية علاقات معه. وكان هذا يعني اختيار «طريق العدم» او بدقة أكبر طريق العودة الى اجواء الحرب الباردة. 2 ـ الاعتراف بتوسيع اطار الحلف الاطلسي، «عدم الاعتراض عليه وإقامة شراكة على هذا الاساس بين روسيا وبينه، وكان قادة الحلف الاطلسي يميلون الى مثل هذا الحل وعلى رأسهم الاميركيون، كما كان يؤيده بعض الساسة الروس.. لكن مثل هذا الحل كان شبيهًا إلى حد كبير بعملية استسلام وبالتالي كانت نتائجه فادحة. 3 ـ المحافظة على موقف رافض حيال توسيع اطار الحلف الاطلسي مع الشروع بمفاوضات ترمي إلى تحديد نتائجه الاكثر تهديداً بالنسبة للأمن الروسي والأكثر أذى للمصالح الروسية.. أي بتعبير آخر محاولة ممارسة نوع من التأثير على عملية التوسيع ذاتها. لقد رأت الخارجية الروسية في ظل بريماكوف أن هذا الخيار الثالث هو الخيار الاصوب والافضل في ظل الظروف القائمة. ويعبر بريماكوف في هذا السياق عن رأيه بامكانية انضمام روسيا نفسها الى الحلف الاطلسي ذات يوم، وهي الفكرة التي ناقشتها بعض وسائل الاعلام الروسية طويلاً. ويرى أنه لا يوجد رجل سياسة غربي يفكر جدياً بمثل هذه الامكانية.. وينقل عن زميل الماني غربي قوله له بأن قادة الحلف الاطلسي يرون في انضمام روسيا «افتراضا» للحلف الاطلسي انهياراً لهذا الحلف الذي قام اساساً من اجل تأمين دفاع جماعي لاعضائه ضد اي تهديد على المسرح الاوروبي ولكنه لم يقم من اجل حماية روسيا من تهديدات آسيوية محتملة في حال انضمامها له. بعد ان تم اختيار التوجه حيال مسألة توسيع اطار الحلف الاطلسي ـ خيار اعلان الرفض والتفاوض في الوقت نفسه بدأ ممثلون للخارجية الروسية بزيارات سرّية الى البلدان الرئيسية والاعضاء في الحلف الاطلسي، اي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والمانيا بغية اجراء مفاوضات ثنائية وسبر نوايا قادتها . وبدا ان «الخصم» قد قام ايضاً بعملية «سبر» حقيقة الموقف الروسي ولدى صلابته حيال عملية توسيع اطار الحلف الاطلسي هكذا اطلق كريستوفر، وزير الخارجية الاميركي، عندما كان في طريقه إلى موسكو، بعض التصريحات في مدينة «براغ» التي توقف فيها وأشار إلى وجود تهديدات لبلدان أوروبا الوسطى والشرقية، وكان رد فعل الروس، وخاصة الرئيس بوريس يلتسين، قوياً إلى درجة لم يعد معها يخامر اذهان قادة الاطلسي اي شك حول حزم الموقف الروسي، فما كان منهم الا ان دفعوا خافيير سولانا قائد الحلف الاطلسي في اوروبا، الى الواجهة للتفاوض مع الروس بينما بقيت اميركا والاعضاء الآخرين «في الكواليس». وقد تمثلت الفكرة الاساسية التي طورّها الروس آنذاك وعبّر عنها بريماكوف بأكثر من مناسبة ومحفل دولي تقول ان العالم قد أصبح يعيش اليوم في حقبة غدت التهديدات فيها ذات طابع اقليمي وليس عالمياً كما كان الوضع في ظل الحرب الباردة، وبالتالي يغدو من المناسب البحث عن نموذج جديد للأمن الاوروبي. وفي اطار المفاوضات حول توسيع اطار الحلف الاطلسي يتحدث بريماكوف عن اللقاء الذي جمع بين الرئيسين، الاميركي كلينتون والروسي يلتسين في هلسنكي، وعندما انتقد يلتسين بشدة إلحاح الولايات المتحدة على توسيع اطار الحلف الأطلسي، أجابه كلينتون قائلا: «بوريس. كن رحيماً بعاجز» .. وكان الرئيس الأميركي قد وصل إلى قمة هلسنكي على كرسي متحرك بسبب اصابة من جراء حادث في قدمه. وكانت صحة يلتسين تمضي من سييء إلى اسوأ. وبعد ساعات من المفاوضات بين هذين الرئيسين قررا الاستراحة قليلاً وعهدا لبريماكوف ولمادلين اولبرايت، اي وزيري خارجيتهما. بايجاد «حل» والوصول إلى صيغة لاتفاق يتم توقيعه في قمة هلسنكي. وفي النهاية وبعد مفاوضات صعبة تم الاتفاق على عدة وثائق خاصة بتقليص ترسانة السلاح النووي لدى الطرفين بحيث يتم قبل 31 ديسمبر 2007 تدمير جميع الصواريخ الاستراتيجية الحاملة لرؤوس نووية وذلك ضمن اطار اتفاقية «سالت 2» وجعل هذه الصواريخ حتى افق 31 ديسمبر 2003 غير قابلة للعمل عبر فك الرؤوس النووية عنها أو عبر اتخاذ اجراءات تقنية اخرى يتم الاتفاق عليها .. كما اتفق الرئيسان على انه حال دخول اتفاقية «سالت 2» حيّز التنفيذ تبدأ روسيا والولايات المتحدة المفاوضات حول «سالت 3» الخاصة بتقليص العبوات النووية الاستراتيجية في أفق نهاية عام 2007 الى ما بين 2000 الى 2500 كحد أقصى بالنسبة لكل طرف. بعد قمة هلسنكي بدأت جولة من المفاوضات بين بريماكوف ومادلين اولبرايت «السيدة الحديدية» كما يسميها بريماكوف، وقد انتهت هذه الجولة بتوقيع وثيقة حول العلاقات بين روسيا والحلف الأطلسي في العاصمة الفرنسية باريس يوم 27 مايو من عام 1997. وقد تم التوقيع في قصر الاليزيه وبحضور الرؤساء المعنيين... وهكذا أمكن الخروج من «دهاليز» المفاوضات الطويلة باتفاق يصفه بريماكوف بأنه «حدث استثنائي». وفي باريس ايضا التقى يلتسين بعدد من رؤساء الدول الذين وبعد ان اعلنوا عن غبطتهم بالاتفاق حاولوا اقناعه بالذهاب الى مدريد، حيث كانت ستفتتح القمة الاطلسية التي سيتم خلالها الاعلان عن بداية المفاوضات حول توسيع اطار الحلف الاطلسي. وقد قال له الرئيس شيراك: «إذا ذهبت إلى هناك فإن مسألة توسيع الحلف الاطلسي سوف تصبح في المقام الثاني بينما سيتم افتتاح الجلسة الأولى للمجلس الدائم لروسيا والحلف الاطلسي ـ كما نصت وثيقة اتفاق باريس ـ وسيكون الرئيس الروسي، كما في باريس، هو الشخصية الرئيسية».. وقد الح كلينتون في الاتجاه نفسه لحث يلتسين للذهاب الى مدريد. أمام هذا الالحاح تدخل بريماكوف وقال: «اعتقد أنه ينبغي على الرئيس يلتسين عدم الذهاب الى مدريد، ذلك ان تدشينه للجلسة الافتتاحية للمجلس الدائم لروسيا والحلف الاطلسي هو اقل دلالة بالنسبة للرأي العام الروسي من وجوده في جلسة مكرسة للاعلان عن البدء بالمفاوضات حول توسيع اطار الحلف الاطلسي». وفي الحال علق يلتسين على ذلك بالقول موجهاً حديثه للرئيس الاميركي: «كما ترى، بيل، إن الأمر ليس بهذا القدر من السهولة»، ولكن المجلس الدائم لروسيا والحلف الاطلسي بدأ عمله. ملفات أخرى إذا كان الملف الاطلسي على رأس اهتمامات بريماكوف كوزير لخارجية روسيا، فإن ملفات أخرى قد استرعت اهتمامه، في مقدمتها ملف لجان التفتيش حول اسلحة الدمار الشامل في العراق والحظر المضروب على هذا البلد، ويروي بريماكوف أنه ذات مرّة، في نهاية عام 1997، وبعد أن كان قد تقرر استبدال رولف إيكيوس رئيس اللجنة الدولية الخاصة بالتفتيش والذي كان قد أقام علاقات جيدة مع الادارة العراقية بالسيد «ريتشارد بتلر» الذي أثار تعيينه موجة من التفاؤل في البداية «لكن سرعان ما خاب الأمل» كما يشير بريماكوف. ويروي بريماكوف بأن بتلر قد وصل إلى موسكو لمناقشة تقرير لجنته حول تسليح العراق قبل عرضه على مجلس الامن. وسأل بريماكوف موجهاً حديثه لبتلر: «هل لديك معطيات تدل على ان العراق قد احتفظ بمنشآت لاطلاق الصواريخ؟» «كلا» رد بتلر، فاستأنف بريماكوف حديثه: «في هذه الحالة لماذا الالحاح على اطالة فترة التفتيش؟ انكم تطلبون من العراقيين اشياء تقارب ان تكون ضرباً من العبث. إذ وفي غياب منشآت لاطلاق الصواريخ هل تطلب لجنتكم ان يجلبوا لها أوقية حماية الصواريخ أو ملاقط تثبيت هذه الاوقية؟». وكانت اجابة بتلر «كل شيء يتعلق باتفاقكم مع الولايات المتحدة». فأردف بريماكوف: «اعذرني، لكننا لا نستطيع التفاهم معها على أي حل إلا بعد حصولنا من لجنتكم على معلومات موضوعية... لكن هذه الكلمات ذهبت في مهب الرياح وطلب مجلس الأمن من العراق مجدداً التعاون الكامل وغير المشروط مع اللجنة الخاصة كما حذّر العراق من العواقب الوخيمة التي تنتظره إذا لم يحترم التزاماته. هددت أميركا بالرد واتخاذ «الاجراءات المناسبة» ضد العراق إثر خرقه لقرارات مجلس الأمن. لكن العراقيين اصروا على رفض وجود مفتشين أميركيين لمواقعهم العسكرية لتتجمد عملياً اعمال اللجنة الخاصة. وعندما كان التوتر على أشده اقترح بريماكوف على يلتسين عندما كان في الطائرة إلى بكين إرسال كلمة للرئيس العراقي جاء فيها: «أرجوك ألا تؤكد ان العراق لا يرفض التعاون مع اللجنة الخاصة فحسب، وانما ايضاً ان تقترح عودة جميع المفتشين لاستئناف عملهم» ووعد يلتسين في الرسالة نفسها، بأن روسيا ستعمل على تحسين عمل اللجنة وعلى اقفال «الملف النووي» اذا كانت اجابة العراق ايجابية. وفي حديث هاتفي مع سعيد الصحاف وزير خارجية العراق آنذاك عرف بريماكوف بأنه سيتم «قريباً ابلاغ روسيا بالرد العراقي على الرسالة. قال بريماكوف: «لماذا قريبا؟ ألا تفهمون ان الوضع دقيق؟ فليجلب لنا طارق عزيز الرد فوراً». ولكن طارق عزيز في المغرب، وسيمر بطريق عودته إلى مطار عمّان لان مطار بغداد مغلق. وبعد وصوله سيأخذ الرسالة ويتوجه اليكم» هكذا قال الوزير العراقي. وجد بريماكوف هذا القول غريباً فأردف: «أليس لديكم وسيلة كي ترسلوا له الاجابة مباشرة الى المغرب بواسطة الشيفرة؟ أو تبعثوا الاجابة إلى موسكو؟» ثم ختم حديثه بحزم: «غداً. ينبغي ان يكون طارق عزيز عندنا». وفي اليوم الثاني بعد الظهر، كان طارق عزيز في موسكو حيث بدأ محادثاته مع بريماكوف، ثم في اليوم التالي مع بوريس يلتسين الذي اظهر غبطته عندما تم ابلاغه بأن مجلس قيادة الثورة العراقي سيعلن صباح اليوم التالي، عند الساعة العاشرة من يوم 20 نوفمبر 1997، قراره بعودة جميع اعضاء اللجنة الخاصة للعراق، بل وقبل القادة العراقيون تفتيش القصور الرئاسية والمواقع الحساسة الاخرى. وقدّم طارق عزيز قائمة بثمانية مواقع رئاسية لكن رفض تفتيشها قبل شهر ابريل من عام 1998. فهدد كلينتون بعمل عسكري.. وفي هذا السياق صبّ بتلر الزيت على النار عندما صرّح في مقابلة له مع نيويورك تايمز بأن العراق يمتلك اسلحة بيولوجية وانه يستطيع ان يضرب تل ابيب بها. ردد العالم كله هذه التصريحات بينما لم يذكر أحد تكذيب العراق لما جاء فيها. واستمرت التهديدات، واستمرت المفاوضات، واستمر الحظر المضروب على العراق، وكذلك الضربات باسم الامم المتحدة، واحياناً كثيرة على قاعدة ـ أو بحجة ـ التقارير التي قدمها ريتشارد بتلر، هذا ما أكده بريماكوف في احاديثه وحتى مع القيادات الاميركية العليا منذ كلينتون ونائبه آل جور، وفي محصلة تحليله يصل بريماكوف الى النتيجة التالية: «كما توقعنا، لم تؤد الضربات العسكرية الى اضعاف النظام العراقي الذي على العكس، بدأ بالخروج شيئاً فشيئاً من عزلته في العالم العربي. وهناك دول عديدة تطالب برفع الحظر عن العراق. وبعضها رفعته واقعياً. أو ليس هذا درسا يستحق التأمل به من قبل جميع اولئك الذين يعتقدون انه يمكنهم تسوية مشكلات العالم الحديث باللجوء إلى القوة؟».