يسترجع الدكتور رضوان زيادة العضو الناشط في جمعية حقوق الانسان ورئيس تحرير مجلة تيارات حالة الاحزاب السياسية في سوريا ويوضح رؤيته بهذه الاحزاب، من خلال تاريخها وتطورها ومستقبلها وخاصة فيما يتعلق بالجبهة الوطنية التقدمية التي تأسست في سوريا عام 1972 متأثرة بالمد الاشتراكي الذي ساد في تلك المرحلة ويرى ان أحزاب الجبهة كانت تجتمع حول اهداف وطنية مما جعلها في تلك المرحلة مفهوما متقدما للنخبة السياسية ولكنه يرى أنه ومنذ تلك الفترة انحصرت التعددية السياسية ضمن إطار ضيق هو الإطار القومي اليساري وان الجبهة امتنعت من الانفتاح على تيارات اخرى كالتيار الليبرالي. ويقول الدكتور رضوان زيادة ان التطور التاريخي الذي شهدته سوريا لم ينسجم مع مستوى التطور السياسي لاحزاب الجبهة ويدعو الى التفكير بإطار جديد للعمل السياسي وضرورة صدور قانون جديد للأحزاب يضمن التغيرات السياسية المختلفة ويرى ان الانفتاح السياسي يرتبط بشكل رئيسي بمفهوم التعددية السياسية التي ترتبط مستقبلا بمدى القيام بإصلاح كامل. وعن موضوع الأحزاب والمنتديات والتطور السياسي في سوريا كان لـ «البيان» الحوار التالي مع الدكتور رضوان زيادة: ـ بداية كيف تقرأ البنية التاريخية للأحزاب السياسية في سوريا خاصة فيما يتعلق باحزاب الجبهة الوطنية التقدمية وبالمقابل القوى السياسية الأخرى؟ ــ بداية ظهر مفهوم الجبهة الوطنية التقدمية عام 1972 ضمن فترة او لحظة تاريخية متقدمة بمعنى فترة التحول الاشتراكي التي مرت بالعديد من الدول كسوريا والجزائر وغيرها من الدول التي تأثرت بالمد الاشتراكي فلقد كان مفهوم الجبهة مفهوم كتلوي تنضوي تحت اطاره كل القوى التقدمية والأحزاب السياسية التي تجتمع حول اهداف وطنية محددة اولها طبعا كان يتصدر مفهوم الصراع العربي الاسرائيلي لذلك كان مفهوم الجبهة الوطنية التقدمية في تلك الفترة مفهوم متقدم بالنسبة للنخبة السياسية ومن المعروف انه كان يطرح بين اروقة التيارات المتنافسة داخل حزب البعث العربي الاشتراكي نفسه وتيار القوى القومية وتيار صلاح جديد «زعيم بعثي» وغيره اضافة الى التيار الذي ظهر فيما بعد برئاسة الرئيس الراحل حافظ الأسد والذي دخل في النهاية بين تيار يرى ضرورة الانفتاح والدخول في التحالف مع جميع الأحزاب الاخرى لتشكيل جبهة وطنية تقدمية وهذا كان يمثله الرئيس الراحل حافظ الاسد وبين تيار اخر انغلاقي مع خوض الحرب الشعبية ضد اسرائيل واتخاذ خطاب قطعي مع الدول الرجعية المصنفة انذاك او ذات الأنظمة الرجعية بعد ذلك كانت ما تسمى بالحركة التصحيحية والذي تم فيها انتصار التيار الذي كان يقوم بدور الانفتاح وتم تشكيل مفهوم الجبهة الوطنية التقدمية هذا المفهوم لم يكن حزب البعث العربي الاشتراكي هو أول من طرحه، طرحه ايضا حزب الاتحاد الاشتراكي العربي وخاصة د. جمال الأتاسي. ـ وهل كان خلاف جمال الاتاسي حول مفهوم الجبهة وطريقة عملها والأحزاب المنضمة لها ام حول طبيعة الميثاق؟ ــ تم التوافق فيما بعد وتشكيل الجبهة الخلاف لم يكن حول المفهوم الجبهوي الذي كان متقدما كما قلت. الخلاف كان في طبيعة الميثاق الذي قدم خاصة انه ينص على ان حزب البعث العربي الاشتراكي ومقرراته هي المرجع الرئيسي للجبهة الوطنية التقدمية وبالتالي على جميع الأحزاب الاخرى فيما بعد ان تقبل بمرجعية حزب البعث العربي الاشتراكي كمرجعية وحيدة وان ترفض العمل ضمن الاطار الطلابي عمليا يعني نهايتها بمعنى منعها من التجديد من قبل اطر شابة وجديدة تضفي الحيوية الضرورية على أي حزب سياسي وبالتالي تكلست هذه الأحزاب ومن المعروف انه في عام 1973 رفض د. جمال الأتاسي الدخول الى تلك الجبهة بسبب الاختلاف على مواد الميثاق الجبهة هناك احزاب ايضا لم تنضو تحت اطار الجبهة حينذاك وكانت موجودة على الساحة كحزب الاخوان المسلمين لانها ذات رؤى دينية فتم استبعادها. نستطيع ان نقول بتفكير استرجاعي نقدي للفترة المقبلة اي انه منذ تلك الفترة التعددية السياسية انحصرت ضمن اطار ضيق هو الاطار القومي اليساري وامتنعت من ان تنفتح نحو تيارات اخرى كالتيارات الليبرالية. ـ وهل استطاعت الجبهة الوطنية واحزابها ان تطور نفسها ضمن السياق التاريخي خاصة ان العالم شهد تطورات نوعية في العقدين الماضيين؟ ــ ان التطور التاريخي الذي شهدته سوريا فيما بعد لم ينسجم مع التطور السياسي لهذه الاحزاب مما انتهى في النهاية الى ان تكون احزاب سياسية غير قادرة على الفعل لا في الشارع ولا على مستوى التنظير القومي او تطوير رؤيتها السياسية والاجتماعية لذلك اصبح يؤسر عنها الكثير من النكت التي تستخف بقيمتها ويروي ان احد الدبلوماسيين وخلال اجتماعه مع نائب رئيس الجمهورية عبدالحليم خدام وعندما طرح موضوع احزاب الجبهة الوطنية التقدمية ذكر ذاك الدبلوماسي انه من الأفضل ان تحال الى المتحف، فأجابه خدام: ان المتحف لا يحوي الا الأشياء الثمينة اذا كان هناك رؤية رسمية ان احزاب الجبهة نفسها تكلست وفقدت الفعل. نخلص الى مقولة شهيرة لـ «ماكس فيبر»: ان تلك الاحزاب تعيش من السياسة ولا تتعايش معها وتخلص لها. ـ وكيف ترى الطريق للانفتاح السياسي في سوريا؟ ــ الان يجب التفكير بإطار جديد للعمل السياسي وهو ما استشعره العديد من المسئولين الرسميين في البلد من شهر فبراير الماضي اثناء الحديث عن ضرورة صدور قانون جديد للأحزاب يضمن التعبيرات السياسية المختلفة، الايديولوجية والليبرالية وما الى ذلك اضافة الى حرية رجال الأعمال بتشكيل احزاب سياسية كما هو حاصل في مصر. ان الانفتاح السياسي يرتبط بشكل رئيسي بمفهوم التعددية السياسية. ـ جاء خطاب القسم للرئيس بشار الأسد عنوانا لمرحلة جديدة ولكن كيف تقيمون الان المرحلة السياسية الحالية؟ ــ تولى الرئيس بشار الأسد لحظة مهمة من عدة مجالات، المجال الأول ما ظهر في خطاب القسم وتركيزه بشكل رئيسي على حرية الرأي الاخر لكن للأسف ان خطاب القسم حولته الحكومة الى مجموعة شعارات لم تأخذه على انه خطاب مؤسساتي يجب تحويله الى برنامج عمل تلتزم بتطبيقه الحكومة وانما تحويله الى مجموعة شعارات هذا مما أفقده الفاعلية على مستوى الارض والواقع اما المجال الاخر هو القرار الاقتصادي الذي يأخذ الاولوية لدى الرئيس بشار الاسد واذا رجعنا الى الكتاب الأهم الذي يدرس كيفية صنع القرار الاقتصادي في سوريا تحت عنوان «السياسية الاقتصادية تحت حكم الرئيس الاسد» لغولكريير لوجدنا ان القرار الاقتصادي لم يكن يأخذ اولوية عند الرئيس الراحل حافظ الاسد وعلى مدى ثلاثين عاما شهدت سوريا انفتاحين اقتصاديين على مستوى قانونين بسيطين، الاول عام 1986 بالسماح للتعاونيات الزراعية بإقامة مشاريع مشتركة بين القطاع الخاص والعام والآخر مع قانون الاستثمار رقم «10» عام 1990 ما عدا ذلك لم يشهد أي تطوير اقتصادي جديّ حتى ان سوق الاوراق النقدية الذي يتم النقاش فيه حاليا تم تقديم مقترحه الى الرئيس حافظ الاسد منذ عام 1990 كان الرئيس الاسد مشغولا بعملية السلام بوصفها الاولوية الاستراتيجية لسوريا من أجل حسمها الان الرئيس بشار الاسد يعيد ترتيب الاولويات بشكل يأخذ القرار الاقتصادي الاولوية الأهم نطرح الان ما هي انعكاسات السياسة الاقتصادية على الاصلاح الاقتصادي؟ هذا سينعكس بشكل مباشر او غير مباشر على مستوى الانفتاح الاعلامي او حرية التعبير وبالتالي العمل السياسي يفترض وجود مناخ جديد وتعبيرات جديدة ظهرت هذه المنتديات بوصفها تعبيرات مشروعة للمجتمع عن ذاته وخياراته ورغبته في المشاركة في صنع القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي لكن مع شهر فبراير وظهور هذه الحملة التي انتهت الى اعتقالات واسعة ازاح المجتمع او ضعف من فاعليته هذا يعني انه حتى بإصدار قانون جديد للأحزاب يجب ان يسبقه مناخ جديد لحرية الرأي والإعلام. ـ وهل يكفي قانون للأحزاب او قانون للمطبوعات لتعزيز حرية الرأي؟ ــ الاطار القانوني ليس كل شيء بمعنى ان صدور قانون المطبوعات لا يعني تعزيز حرية الرأي والتعبير بالعكس فهو من الممكن ان يقيدها او يحتجزها ضمن إطار قانوني مخيف احيانا كما ظهر ذلك ان تعزيز المناخ الانفتاحي سواء الحريات السياسية او حريات الرأي والتعبير هذا يفترض ان يكون ضمن مناخ عام، مناخ اصلاحي سياسي يسمح للجميع بالتعبير عن أنفسهم وبالتالي انا ارى ان التعددية السياسية مرتبطة مستقبلا بمدى القيام بإصلاح برنامجي كامل. بدءاً من صدور قانون جديد للاحزاب يستوعب كافة التيارات ولا يلغي اي تيارات اخرى والاستحقاق الرئيسي الاهم هو انتخابات مجلس الشعب في نهاية عام 2002 هل سوف يكون هناك قانون جديد للانتخابات فالقانون القديم يحمل الكثير من المآخذ يكفي ان اذكر ان محافظة ريف دمشق تعتبر دائرة انتخابية واحدة وهي تفوق بمساحتها مساحة لبنان هذا يعني ان المرشح يجب ان يدور كل لبنان شرقا وغربا طولا وعرضا حتى يحصل على الأصوات وهذا مستحيل يجب العودة الى قانون الانتخابات السابق او تطويره بتوزيع هذه المحافظات الى دوائر انتخابية. ان صدور قانون انتخابات جديد ايضا سوف يعزز التعددية السياسية اضافة الى الترشيح على مستوى الكتل الانتخابية وهذا تقليد افتقدناه للاسف في الانتخابات التشريعية السورية والكتل الانتخابية شيء مهم جدا مجموعة من المرشحين يتوافقون على رؤية وطنية عامة يجب ان يتم ترشيحهم على مستوى كتل انتخابية وبرنامج انتخابي معين. ـ باعتبار حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد للمجتمع والدولة هل يمكن ان نعتبر ان مباديء حزب البعث العربي الاشتراكي وأفكاره تواكب التطورات الدولية والاقليمية الراهنة؟ او ما الذي قدمه حزب البعث العربي الاشتراكي تاريخيا بالنسبة لسوريا وللأمة العربية؟ ــ تقييم حزب البعث العربي الاشتراكي يجب ان يكون على مستويين: التقييم النظري والتقييم الاداري من المعروف ان كل حزب سياسي يحكم في اي دولة يصاب بالاهتراء بعد فترة حتى اذا تحدثنا على مستوى دولة كألمانيا الديمقراطية التي وحدها هيلموت كول وحقق لها نجاحا اقتصاديا معينا بعد 17 سنة وتم اهتراؤه شعبيا لان اي حزب عندما يدخل ضمن اطار اللعبة السياسية ويكون حاكما سوف يتعرض لاهتراء اداري ومساءلات قانونية فما بالكم بأحزاب في دول العالم الثالث تحكم لسنوات طويلة دون اي محاسبة او مساءلة. اكيد سوف يتعرض جهازها الاداري والسياسي الى تكلس مما يفترض حتمية التغير والتطوير لقد كانت خطوة مهمة السماح للشعب الحزبية والفرق الحزبية ان تنتخب كوادرها ولكن للاسف هذه الخطوة توقفت ولم تنتج اي شيء لسببين السبب الرئيسي هو المناخ العام والسبب الاخر هو عدم القدرة على تطوير اللغة السياسية لحزب البعث العربي الاشتراكي. ـ الانفتاح الاقتصادي والذي بدأت سوريا مشواره وبالمقابل الاحزاب السياسية القائمة هل تستطيع هذه الثنائية ان تتوافق مع التطور العام في الصيغة السياسية العالمية وتطور السوق؟ ــ حزب البعث العربي الاشتراكي قام اولا على مجموعة من المقولات الرئيسية: الوحدة والحرية والاشتراكية وهي تشكل اهدافه عمليا لا احد يشكك بمدى صلاحيتها لكن الان لابد من اعادة النظر فيها بمعنى ان المفهوم الاشتراكي هل مازال يحكم الرؤية الاقتصادية لسوريا اذا كانت السياسة الحكومية الان تقر سوق الاوراق المالية اذن فهي سياسة اقتصاد سوق والاطار العام للدستور السوري في الاقتصاد ينص على التمويل الاشتراكي وعدم الانسجام هو بحد ذاته مأخذ رئيسي على الحزب، النقطة الثانية: ان الرجالات القائمة على حزب البعث العربي الاشتراكي لم تقم دائما بكفاءة ادارية وبحس المسئولية انتهوا في معظم القيادات الى محاكمات الفساد سواء أكان رئيس الحكومة الاسبق «محمود الزعبي» او رئيس الاتحاد العام للفلاحين «مصطفى العادي» الذي احيل في الشهر الاول من عام 2001 بتهمة غسيل الاموال هو وأمين السر وعضو مجلس الادارة وبالتالي هذا اكبر دليل يؤكد ان الاتحاد العام للفلاحين الذي بنى حزب البعث رؤيته على اخلاصه لهذه الطبقة الكادحة يخرج من رأس هذا الاتحاد العام للفلاحين ويعتبر فاسدا هذا بحد ذاته يطرح علينا سؤالا على مستوى الكينون الوجودي لحزب البعث العربي الاشتراكي لذلك لابد تجديد كوادره وطرحها ومساءلتها قانونيا اضافة الى استيعاب الكوادر الشابة وهذا جزء رسمي لذلك انا اشكك في ان حزب البعث بكوادره الحالية قادر على تطوير نفسه وإدخال دماء نقية وجديدة. ـ كيف تقيم احزاب الجبهة وهل لها حضور في الشارع السوري؟ ــ احزاب الجبهة بحد ذاتها بحاجة الى رؤية مختلفة لانها تبنت الخيار الإلحاقي بحزب البعث العربي الاشتراكي وبالتالي هي الان تتبنى نهاية هذا الخيار بمعنى انها هي مجموعة من الاحزاب المتشابهة حتى ان أحد الباحثين اشار الى ثلاث كلمات قومية ـ اشتراكية ـ حزب ونقوم بخلطها سنحصل على اسماء تلك الاحزاب لذلك كان السماح بإصدار صحف لها لا يشكل انفتاحاً بالعكس لان الشعب بحد ذاته لم يكن يتعامل معها على أنها موجودة فكيف سيتعامل مع صحفها يعنى على مدى سنوات طويلة لم يعترفوا بوجود هذه الاحزاب ولا بخطابها السياسي لانه لم يكن هناك خطاب سياسي لاي حزب من تلك الاحزاب يتمايز عن خطاب حزب البعث العربي الاشتراكي وهي جميعها انشقاقات والأخطر من ذلك انها كرست نوعا من الاستبداد الحزبي داخل كل حزب نفسه وهي تسمى في الشارع السوري أحزاب سوزوكي. وهي تنتهج الخيار الوراثي الذي ترفضه مبادئها لذلك لابد من احزاب الجبهة لكي نضعها امام المسئولية ان نترشح بشكل مستقل مع انتخابات مجلس الشعب اذا استطاعت ان تحصل على نسبة معينة من الاصوات يبقى تسميتها كحزب سياسي معترف به اما اذا فقدت ان تصل الى اي مقعد بمجلس الشعب لم يعد لها ضرورة. وخاصة ان هذه الاحزاب عقليتها لم تنسجم او لم تدخل حركية العصر فما بالكم بالتأثيرات الدولية الجديدة بعد احداث 11 سبتمبر وتشكل مناخا جديدا من العلاقات الدولية قائما على الذرائعية اكثر مما هو قائم على المبدئية اضافة الى ان المفاهيم الديمقراطية وحقوق الانسان لم تمر بها هذه المفاهيم او العولمة. وهناك دراسة نشرها أحد البعثيين في مجلة المناضل التي تصدر عن حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1996 درس الفترة التي دخل فيها مصطلح العولمة الى مصطلحات حزب البعث وجد انه دخل في عام 1996 اي انه متأخر ما يفوق عقدا كاملا عن بداية صدوره. ان الخطاب السياسي الحزبي او الجبهوي افتقد قدرته الادائية والتفاعلية مع العصر فكيف مع شعبه؟.