بعيداً عن صخب المظاهرات التي استقبلته وودعته في ألمانيا تميزت المحطة الثانية لجولة جورج بوش الرئيس الأميركي الأوروبية بالهدوء، حيث نجح ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في وضع أسس جديدة للعلاقات المشتركة تفتح عهداً جديداً بين البلدين. فقد وقع بوش وبوتين في الكرملين أمس على معاهدة تاريخية «خفض الأسلحة النووية» التي تقضي بخفض المخزون النووي للبلدين بمعدل الثلثين بحلول عام 2012، كما وقعا على أربعة اعلانات تكرس الشراكة الاستراتيجية الجديدة، وتفتح حواراً جديداً حول الطاقة والاستثمار، الى جانب التعاون في مجال مكافحة الارهاب. لكن رغم كل ذلك بقي الخلاف حول إيران التي تصفها واشنطن بأنها من بلدان محور الشر، قائماً بين الولايات المتحدة وروسيا على أمل حله في المستقبل. فقد وقع الزعيمان على معاهدة خفض الأسلحة النووية التي وضعها البيت الأبيض بأنها «تاريخية» ويفترض أن تخفض المخزون النووي لدى البلدين الى ما بين 1700 و2200 رأس نووي مقابل 6000 رأس نووي حالياً. وتمكنت روسيا من تحقيق مطلبها القاضي باعطاء الاتفاقية شكل المعاهدة غير ان قسما من الرؤوس النووية التي سيتم تفكيكها يمكن ان يصار الى حفظها بحسب المطلب الاميركي في حين تريد موسكو تدميرها. وتتيح الاتفاقية لواشنطن تحقيق تقدم على موسكو بسبب قدم المخزون الروسي الذي لا يمكن استخدامه مجددا بعد تاريخ معين وخصوصا ان روسيا لا تملك الامكانات اللازمة لتحديثه. وتعرض الاتفاق وهو الاول الذي يوقع بين موسكو وواشنطن خلال عشرة اعوام الى انتقادات الشيوعيين الروس الذين اتهموا بوتين «بخيانة مصالح البلاد». وأكد بوش خلال محادثاته مع بوتين ان الاتفاق «يشكل فاتحة» عهد جديد بين البلدين، وقال ان «توقيع الاتفاق يعني اننا أصدقاء وسنتخلص من الشكوك لندخل عهداً جديداً لبلدكم وبلدنا. كما وقع بوش وبوتين أمس اعلانات شراكة استراتيجية جديدة يفترض أن تكرس التقارب بينهما. وقبيل التوقيع على الاعلان، رحب بوتين ب«المرحلة الجديدة» في الشراكة الروسية الاميركية في حين اعلن بوش بدء «مرحلة جديدة» في العلاقات بين البلدين. وقال بوتين «اليوم توصلنا الى شراكة من نوعية جديدة تماما». وذكر بأن اجتماعات القمة الروسية الاميركية السابقة خصصت «اما لتجاوز الخلافات او تجاوز نتائجها»، مشيرا الى ان القمة التي افتتحت أمس «مخصصة للمسائل الامنية وتحديد المخزون النووي». واضاف بوتين «لقد اكدنا وجود علاقات ثقة من نوعية جديدة جدا» مشيرا الى ان تحسن العلاقات الروسية الاميركية «جرى خلال الاشهر ال18 الاخيرة بفضل المشاركة الناشطة للرئيس بوش وفريقه». واكد الرئيس الروسي لنظيره الاميركي ثقته بأن القمة ستكون «مثمرة جدا وستعطي دفعا جديدا لتطوير العلاقات الثنائية». ووقع الزعيمان أيضاً اعلاناً ينص على اطلاق حوار جديد يفترض أن يسمح بتنويع مصادر تزويد الولايات المتحدة بالنفط وزيادة الاستثمارات الأميركية في روسيا، وآخر يؤكد رغبتهما في تطوير العلاقات الاقتصادية. وجاء في الاعلان المشترك الذي بثته وكالة «انترفاكس» ان «تقدم الاقتصاد العالمي يعتمد على استقرار صادرات الطاقة وثباتها». واضاف ان روسيا تعد «احد ابرز مزودي الطاقة في العالم» مضيفا «نتفق على اطلاق حوار ثنائي حول الطاقة لتعزيز امن الطاقة دوليا واستقرار» الاسواق. وتريد واشنطن من وراء اطلاق هذا الحوار الافادة من النفط الروسي في خفض تبعيتها حيال دول اوبك والحد من تقلب الاسعار. وتريد روسيا وهي ثاني اكبر منتج للنفط في العالم بعد السعودية ان تسترد الاسواق التي خسرتها منذ سقوط الاتحاد السوفييتي وتعول على استثمارات الشركات الاميركية التي لاتزال خجولة حتى الوقت الحالي في تسريع تنمية صناعتها النفطية. غير ان هذا التعاون الاستراتيجي يفترض ان لا يتجسد على الفور عبر تدفق النفط الروسي في السوق الاميركية. وأعلن بوش عقب ذلك نهاية فصل من المواجهة بين بلاده وروسيا واطلاق علاقات جديدة. وقال بوش في مؤتمر صحفي مشترك مع بوتين «لقد وضعنا حداً لفصل من المواجهة وأطلقنا علاقات جديدة كلياً بين بلدينا وأرسينا أسساً روحية جديدة في التعاون والثقة لصالح الشعبين الروسي والأميركي». وأشار الى ان خفض المخزون النووي لدى البلدين بمعدل الثلثين «يقضي على ميراث الحرب الباردة والعداء النووي بين بلدينا». وحث الرئيس الأميركي على رفع اسم روسيا من قائمة الدول التي فرضت أميركا قيوداً تجارية عليها بسبب معاملتها للبلاد. وقال انه يرحب بالحريات التي اتيحت للروس في مرحلة ما بعد الشيوعية ومنها الحريات الممنوحة لليهود التي كانت السبب الرئيسي وراء فرض تعديل جاكسون فانيك عام 1974 في العهد السوفييتي. وأضاف «اعترافا بهذه الحريات اعتزم العمل مع الكونغرس على رفع اسم روسيا من قائمة دول يشملها تعديل جاكسون فانيك...لقد حان الوقت لأن يستجيب الكونغرس لطلبي بناء على رغبة الرئيس بوتين بأن ترفع روسيا من تعديل جاكسون فانيك». ولم يوافق مجلس الشيوخ الاميركي الاسبوع الماضي على اتخاذ خطوات بشأن القيام بذلك. وفي مجال الارهاب وقع الزعيمان اعلاناً حول مكافحته يشدد في شكل خاص على مكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل. وفيما يتعلق بمكافحة الارهاب الدولي، قال الرئيس الاميركي في الاعلان الذي تلا توقيع الوثائق ان «الخطر الاكبر في هذه الحرب هو ان يتزود الارهابيون بأسلحة الدمار الشامل». واضاف بوش ان الرئيسين «بحثا في وضع ايران في هذا الاطار». وفي هذا الصدد دافع بوتين عن تعاون بلاده مع طهران، مؤكداً انه لا يعيق عملية خفض الأسلحة النووية، وأضاف ان التعاون يرتكز أساساً على المسائل الاقتصادية. وقال الرئيس الروسي ان «التعاون النووي مع ايران يحمل طابعا اقتصاديا». واضاف ان «برامج تطوير الصواريخ في ايران ودول اخرى ترتكز الى تقنيات الشركات الغربية». وقال الرئيس الاميركي «انا قلق حيال قضية ايران واعرف ان فلاديمير بوتين يشعر بالقلق نفسه وتأكدت من الامر اليوم». واضاف ان «بوتين يفهم التهديد الارهابي» مضيفا ان «اسلحة الدمار الشامل خطرة على روسيا كما على اميركا». وفي إشارة لاستمرار الخلاف حول إيران قال بوش ان روسيا وأميركا ستعملان عن كثب لحل خلافهما. الوكالات