بغض النظر عن نوع المصطلحات المستخدمة لوصف الأوضاع داخل مناطق السلطة الفلسطينية، فإن الفلسطينيين يجدون ان لهم مصلحة كبرى في اجراء مراجعة شاملة لمسيرة السنوات العشر الماضية التي تمثل مرحلة مهمة ، من مراحل نضالهم الطويل على طريق تقرير مصيرهم واقامة دولتهم المستقلة. فحديث الفساد والاصلاح الرائج حاليا، حتى وان يكن هدفه الحقيقي، اسرائيليا وأميركياً، ابتزاز السلطة الفلسطينية من خلال ممارسة ضغط متواصل عليها، يجب ألا يحول دون اجراء المراجعة المطلوبة لأن استمرار حالة الفوضى والتسيب وتشابك المسئوليات وتشوش الرؤية وتناقض الأساليب التكتيكية المستخدمة في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي إنما يخدم أهداف اسرائيل أكثر مما يفيد الفلسطينيين وينصر قضيتهم. فالاجتياح العسكري الاسرائيلي لأراضي الضفة الغربية واعادة احتلالها بالكامل، ثم التلويح اليومي بمصير مماثل لقطاع غزة، يشكل زلزالاً حقيقياً يستحيل تجاوز آثاره المدمرة من دون القيام بعملية تقويم جدية تتحدد في ضوئها مجموعة من القضايا الرئيسية المتصلة، لا بالماضي وحده، وإنما خصوصا بالحاضر والمستقبل، وباستراتيجية العمل الفلسطيني. ومن أبرز هذه القضايا: ـ أولاً: ثمة حاجة ملحة لتحديد كيفية التعامل مع اتفاقات أوسلو وكل ما نشأ عنها، وما اذا كانت هذه الاتفاقات لاتزال صالحة لمواصلة البناء عليها. ولابد من القول ان شرعية السلطة الفلسطينية الحالية مستمدة من هذه الاتفاقات، على الرغم من اقتناع أطراف فلسطينية عديدة بأن الواقع الذي ولّدته «أوسلو» كان من الهشاشة بحيث تستطيع اسرائيل اسقاطه وتبديله في أي وقت، وهو ما فعلته حكومة ارييل شارون من دون أي مواربة. ان للسلطة الفلسطينية مصلحة مباشرة في المحافظة على مرجعية أوسلو، أولاً لأن شرعيتها الدولية تأسست بالاستناد اليها، وثانياً لأن المؤسسات الدستورية الاسرائيلية ايضاً أقرت بها، وبالتالي فإن أي تغيير لها من جانب واحد يعتبر خرقاً لاتفاقات دولية تضمنها الولايات المتحدة وأطراف دولية أخرى، بالاضافة الى هيئة الأمم المتحدة. ومن الملاحظ ان الاجتياح العسكري الاسرائيلي للضفة الغربية المحتلة استهدف ازالة كل أثر للسلطة الفلسطينية على الأرض باعتبارها تجسيداً لواقع ترفضه حكومة شارون، فجرى تدمير مؤسسات السلطة بطريقة منهجية، وعمدت القوات الغازية الى اتلاف أو نهب السجلات الرسمية ومختلف المحفوظات، مما يشكل محاولة مكشوفة لالغاء الذاكرة الفلسطينية الرسمية، وخلق نوع من الاستحالة أمام استعادة مؤسسات السلطة الوطنية مهماتها ودورها في صورة طبيعية. ـ ثانياً: فضلاً عن أهمية هذا الجانب في أي بحث يتعلق بمرجعية أوسلو وبدور السلطة الفلسطينية في المرحلة التالية، فإنه لابد من قيام تفاهم عميق بين القوى الفلسطينية المتعددة يبلغ مستوى الاتفاق على استراتيجية موحدة يواجه بها الجميع متطلبات ومسئوليات المرحلة الحالية الفاصلة التي شكلها الاجتياح الاسرائيلي واعادة احتلال مدن وقرى الضفة الغربية وفرض الحصار الشامل عليها. ويدخل في ذلك كيفية التصدي لقوات الاحتلال ودور العمليات الاستشهادية وكيفية التعامل مع المبادرات الدولية الخاصة بتحقيق التسوية السلمية. ـ ثالثاً: ان العودة الى الشعب الفلسطيني مباشرة عبر اجراء انتخابات تشريعية جديدة يعقبها استفتاء يختار فيه الشعب رئيسه وقائد مسيرته في المرحلة المقبلة، بالاضافة الى انتخاب مجالس محلية جديدة، مسألة أساسية في اطار عملية تأكيد السيادة الفلسطينية وتجديد الثقة بالسلطة الفلسطينية ومؤسساتها الدستورية. فالفلسطينيون يدركون الآن انه لابد من تشكيل حكومة جديدة تعالج أوجه القصور التي ظهرت خلال الاجتياح الاسرائيلي وتستجيب لمطالبهم الحياتية العادية على الأقل. إن ذلك لا يمكن، ولا يجب النظر اليه باعتباره مطلباً اسرائيلياً أو أميركياً، بل هو مطلب فلسطيني رئيسي ويتخذ طابع الالحاح الشديد. وكما ان السلطة الفلسطينية تحتاج الى استعادة الثقة الدولية بها حتى تستطيع متابعة مسيرتها في قيادة الشعب الفلسطيني بها لأنه من دون صمود هذا الشعب وتلاحمه مع قياداته الوطنية لن يتحقق النصر النهائي. بيد ان هذه المسألة ينبغي ألا تتحول الى نوع من المناورة السياسية بذريعة انها تشكل مطلباً اسرائيلياً أو أميركياً، فالنجاح فيها يعتبر عاملاً اضافياً من عوامل تقوية الوضع الفلسطيني الداخلي من جهة، واسقاط الدعاوى الخارجية التي تتحدث عن الفساد والاصلاح وتشكك في قدرة الشعب الفلسطيني على تسلم زمام أموره واقامة دولته المستقلة. ومن الطبيعي القول ان هذا الجانب بالذات لا يهم الجانب الاسرائيلي إذا كانت عملية اعادة بناء المؤسسات الدستورية ستؤدي الى تجديد الثقة بالسلطة الفلسطينية وتزيد من قوتها، فما تهدف اليه الحكومة الاسرائيلية هو عكس ذلك تماماً. أجهزة أمنية بدل السلطة! ـ رابعاً: من الواضح ان أكثر ما يركز عليه الجانبان الاميركي والاسرائيلي حالياً هو اعادة بناء أجهزة الأمن الفلسطينية ووضعها تحت قيادة واحدة ومنحها صلاحيات اضافية تمكنها من التعرض داخلياً في مواجهة أعمال العنف أو الارهاب، بحسب الوصف الاسرائيلي. ومع ان ثمة تبايناً بين التوجهات الاميركية والاسرائيلية في شأن وضع هذه الاجهزة، حيث يريدها الاميركيون ان تكون عماد السلطة الفلسطينية وركيزتها الأساسية، بينما يريدها الاسرائيليون قوة قمع مهمتها حماية أمن اسرائيل فقط مع ابقاء قيادتها مرتبطة بالاجهزة الاسرائيلية الى حد بعيد. إلا ان الجانبين يتفقان على ان تكون المهمة الأولى والرئيسية للأجهزة المذكورة التصدّي لمنظمات المقاومة الوطنية وتفكيكها واجبارها على تسليم أسلحتها. فكل قطعة سلاح موجودة في الأراضي الفلسطينية يجب ان تمر عبر اسرائيل، وفي صورة رسمية. والتنسيق في عمل الاجهزة الامنية، في الجانبين ينبغي ان يكون كاملاً وشاملاً. ـ خامساً: ما تريده اسرائيل في الواقع هو ان تكون الاجهزة الامنية قوة قمع فعالة ضد الشعب الفلسطيني، ولكن من دون ان تضيف عامل قوة الى السلطة الفلسطينية نفسها. بمعنى ان تكون القيادة الأمنية أقوى من السلطة، بل هي السلطة الحقيقية والفعلية. لذلك فإن الصيغة التي تطرحها الحكومة الاسرائيلية، ومن خلفها الادارة الأميركية، تستبعد بقاء قيادة عرفات، أو مجيء قيادة سياسية قوية تحظى بدعم الشعب الفلسطيني وثقته واحترامه. فالاميركيون والاسرائيليون يعتقدون بضرورة خلق وضع فلسطيني جديد ـ وليس قيادة فلسطينية شرعية ـ يسمح بالموافقة على أي اتفاق مع اسرائيل تنهي الصراع القائم، ولكن من دون ان يعني ذلك الاستجابة للمطالب الفلسطينية الرئيسية وفي مقدمتها قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة فوق كامل تراب الضفة الغربية وقطاع غزة ـ بعد ازالة المستوطنات الاسرائيلية القائمة ـ وايجاد حل عادل لمشكلة اللاجئين وفق القرار الدولي 194. ـ سادساً: يتضح من مجمل السياسات الاسرائيلية المطبقة حاليا، ان حكومة شارون لا تملك أي مشروع سياسي لانهاء الصراع مع الفلسطينيين على قاعدة تسمح بتحقيق المطالب الفلسطينية المشروعة. ويضيف شارون، يومياً، شروطا تعجيزية جديدة يحول كل منها دون الوصول الى أية تسوية. فهو يشترط «انهاء كاملاً للعنف الفلسطيني» أو ما يسميه الارهاب، ثم اجراء «اصلاحات عميقة» داخل السلطة الفلسطينية يتم فيها ابعاد الرئيس عرفات. كما يشترط عقد مؤتمر اقليمي، بدون عرفات، يناقش الأوضاع في المنطقة، ولكن دون ان تشمل مهمته التفاوض الذي ينبغي حصره لاحقا بالاسرائيليين وحدهم. ولأن شارون يكثر من طروحاته التعجيزية حتى تظل التسوية متعثرة، فإن الموقف الفلسطيني يجب ان يتركز على اجراء الاصلاحات التي يرونها مفيدة لهم وتمنحهم قدرات اضافية تعينهم على الصمود والمقاومة الطويلة، وذلك عبر اعادة بناء سلطتهم الوطنية ومؤسساتهم الدستورية وتنظيم شئونهم الحياتية. كما ينبغي تنفيذ خطة اعلامية جديدة توضح مخاطر استمرار الاحتلال الاسرائيلي على خطط الاصلاح الداخلي من جهة، وعلى التسوية الشاملة في المنطقة من جهة أخرى. كذلك يجب ابراز الخطر الذي يشكله بقاء المستوطنات الاسرائيلية على امكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة وفقاً للاعلان الأميركي أو لقرار مجلس الأمن الدولي في هذا الشأن. باختصار، لابد من تحويل حديث الفساد الفلسطيني والاصلاحات الفلسطينية (وهي كلمة حق يراد بها باطل) الى حديث مفتوح حول العقبات التي تضعها اسرائيل في طريق الاصلاحات المطلوبة، ولمنع الوصول الى تسوية شاملة وفق مبادرة السلام العربية، أو وفق المبادرات التي يطرحها الاتحاد الاوروبي. إن مهمة الإعلام الفلسطيني، والعربي عموماً، تتمثل في منع تحويل الانتباه عن الاحتلال الاسرائيلي واجراءات تمزيق الضفة الغربية وقطاع غزة، وكذلك عن المجازر التي ترتكبها القوات الاسرائيلية في الأراضي الفلسطينية يومياً. بيد ان ذلك ينبغي ألا يمنع السلطة الفلسطينية من تنفيذ الاصلاحات التي يطالب بها الفلسطينيون ضمن الظروف والامكانات المتاحة. على ان يجري كل ذلك عبر حوار فلسطيني عميق، وانطلاقاً من وعي كامل بألا تسوية قريبة في المنطقة. لابد للفلسطينيين، وهم يواجهون مسئوليات المرحلة الجديدة وأخطارها البالغة، أن يدركوا جيداً ان الادارة الاميركية لا تريد سوى التهدئة فقط حتى لا تتمكن من الانصراف الى مشاريعها الأخرى، داخل المنطقة وخارجها. أما الحكومة الاسرائيلية فهي ترفض التسوية كلياً وتعمل على تمييع الموقف فحسب، ومن العبث المراهنة على أي تغيير حقيقي في السياسات الشارونية، لا الآن... ولا في المستقبل. ـ كاتب لبناني مقيم في باريس