رغم الحديث المتصل الذي يدور حاليا حول الاصلاحات الفلسطينية، فلا أحد يعرف على وجه الدقة الصورة التي ستكون عليها هذه الاصلاحات، وخاصة أنها لم تعد مطلبا داخليا فلسطينيا تريده القوى الوطنية والشعبية الفلسطينية، ولكنها صارت في الوقت، نفسه مطلبا أميركيا اسرائيليا. «الملف» التقى الخبير الاستراتيجي اللواء طلعت مسلم وضياء رشوان الخبير بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية لالقاء الضوء حول طبيعة هذه الاصلاحات ومواقف القوى الوطنية الفلسطينية منها وامكانية أن يوائم عرفات بين الضغوط الاميركية والاسرائيلية ومطالب الداخل الفلسطيني، ومايمكن أن يترتب على الزيارة التي سيقوم بها تينيت ـ والتي لم يتحدد موعدها بعد - الى المنطقة في هذا الشأن. بداية يشير الخبير الاستراتيجي اللواء طلعت مسلم إلى أن الدعوة إلى الإصلاح هي في الأساس مطلب فلسطيني فكثيرا ما نادت المنظمات والفصائل الفلسطينية المختلفة بضرورة أن تكون هناك إجراءات إصلاحية وإعادة لترتيب البيت الفلسطيني وحتى يكون قادرا على مواجهة التحديات الجديدة في أعقاب إشتعال الإنتفاضة، ولكن الذي حدث خلال الأيام الماضية أن الإصلاح أصبح في الوقت نفسه مطلبا أميركيا إسرائيليا، وللأسف فطوال المدة السابقة لم يستجب عرفات لنداءات الإصلاح الذي نادي بها الشارع الفلسطيني ولكن عندما جاءت الدعوة من اميركا وإسرائيل سارع عرفات بتلبية الدعوة وأكد أنه في طريقه لعمل إصلاحات هامة وضرورية وسمعنا عن إنتخابات ودمج لوزارات وللهيئات الأمنية وأن «تينيت» في الطريق لتنظيم ودمج المؤسسات الأمنية وترتيب الأوضاع في الداخل الفلسطيني حتى يتناسب مع طبيعة المرحلة المقبلة. ويرى اللواء طلعت مسلم أنه إذا كان عرفات جادا في هذه المسألة فالإصلاح يجب أن ينطوي على إعادة بناء مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية من جديد وبحيث تشارك مختلف القوى والفصائل الوطنية في إتخاذ القرار ولا يظل الأمر هكذا، كل الأمور مرتبطة بالرئيس عرفات فالمعروف أن الفلسطينيين يرجعون في كل صغيرة وكبيرة في إدارة الحكم إلى عرفات وهذا لم يعد مقبولا ولابد من إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية بما يضمن وجود درجة عالية من المشاركة في إتخاذ القرارات والمواقف وخاصة في ظل هذه الفترة الحرجة في تاريخ المقاومة الفلسطينية، أي أن الإصلاح المطلوب تحقيقه ليس الإصلاح الذي يقوم على إعادة توزيع المناصب على الأشخاص المرضي عنهم فقط، ولكن يجب أن يشتمل على خطوات جادة وقوية من أجل إعادة بناء مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية وتحقيق قدر أكبر من الشفافية والطهارة في العمل وخاصة أن هناك إتهامات كثيرة وجهت لبعض المسئولين الفلسطينيين القريبين من عرفات. ولكن اللواء طلعت مسلم عاد ليؤكد أن مسألة الإصلاح ستكون صعبة للغاية في ظل الأوضاع الحالية وفي ظل وجود حكومة السفاح شارون والتي تقف قواتها اما داخل المدن والقرى الفلسطينية أو على حدودها فكيف سيكون هناك خطوات إصلاحية وإنتخابات حرة وهذه القوات تعيث فسادا في الأراضي الفلسطينية، وقد اعترف عرفات بذلك عندما أجل موضوع الإنتخابات لحين إنسحاب كل القوات الصهيونية مؤكدا أن هناك استحالة في أن تتم الإنتخابات في ظل هذه الأجواء، ولكن رغم هذه الصعوبات لابد لعرفات وسلطته الوطنية من السعي لهذه الخطوات الإصلاحية وبحيث يكون القرار الفلسطيني خلال الفترة المقبلة قرارا جماعيا، وبحيث يكون لكل من الفصائل الفلسطينية المختلفة دورها في صنع القرار الفلسطيني. تزايد الخلاف وحول إمكانية أن تؤدي الدعوات الإصلاحية إلى تزايد هوة الخلاف بين السلطة الوطنية وبعض فصائل المقاومة الفلسطينية وبما يؤدي إلى الصدام وخاصة في ظل الضغوط الاميركية والإسرائيلية بل والعربية في هذا الشأن يقول اللواء طلعت مسلم قبل أي شئ يجب أن نشير إلى أن الخلاف بين فصائل المقاومة المختلفة والسلطة موجود منذ أوسلو ولم يتوقف لحظة، وكانت هناك على الدوام حالات شد وجذب بين الطرفين ولكن ظل هناك إيمان بضرورة ألا يصل الخلاف إلى مرحلة اللاعودة ويحدث الصدام والتقاتل لأن هذا هو ما تريده إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة من أجل تفتيت الجبهة الداخلية الفلسطينية، وأعتقد أن الشعب الفلسطيني سيظل على وعيه وإدراكه لخطورة أن يحدث صدام وبما يضر العمل الفلسطيني في الوقت الحالي، الصدام مرفوض من كل الفصائل الفلسطينية ولكن الخلاف قد يكون له فوائد من حيث ترشيد القرار الفلسطيني وفرملة بعض التوجهات داخل السلطة وقد يكون أيضا عنصر مساعدة ومساندة للمفاوض الفلسطيني إذا تم استئناف المفاوضات مرة أخرى. ويعتقد مسلم أن عرفات يقع تحت ضغوط هائلة حاليا من الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الدول العربية الفاعلة والقوى الوطنية الداخلية لديه، وأنه وأن كان سيستجيب لبعض الضغوط الاميركية إلا أنه سيظل محتفظا لنفسه بمساحة مناورة وحرية حركة فلا يعقل أنه سينفذ لهم كل ما يريدونه، وسوف يأتي «تينيت» قريبا أو حتى بعد وقت وسيعرض خطته لاعادة هيكلة المؤسسة الأمنية ومؤسسات السلطة الوطنية ولكن في الغالب لن تكون الاستجابة مئة في المئة لأن ذلك قد يشعل الأوضاع في الأراضي المحتلة وينصح اللواء طلعت مسلم الرئيس عرفات بضرورة أن تكون عينه على شعبه وألا يقبل بأي شيء قد يكلفه الكثير، شعبه هو في النهاية سنده ومصدر قوته ولابد أن تظل علاقته به قوية وكذلك بكل القوى الوطنية، فمن الأفضل له أن يكون قائد ثورة من أن يكون قائد سلطة يملي عليها الآخرون شروطهم، لابد أن يدرك عرفات أن أوسلو فشلت وأن سلام الشجعان الذي يتحدث عنه لن يتحقق مع شارون وبوش ولا في ظل الأوضاع الراهنة التي انقلبت فيها الأمور رأسا على عقب. مطالب أميركية ومن جانبه يرى ضياء رشوان الخبير بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن مسألة الإصلاح التي يتم التحدث بشأنها الآن هي غاية في التعقيد حيث أنها نقطة تلاقي مطالبات أطراف متناقضة، فهناك القوى الفلسطينية في الداخل مثل حماس والجهاد تشكو من عدم تواجدها داخل مراكز صنع القرار الفلسطيني وترى بضرورة أن يكون لها دورها وخاصة أنها تتحمل مسئوليتها في مقاومة الاحتلال وهذه الفصائل والقوى تبحث عن الإصلاح الذي يحقق هذا التلاحم بينها وبين السلطة الوطنية، وهناك المطالب الاميركية الإسرائيلية التي تريد من الإصلاح تشديد القبضة الأمنية من أجل الفتك بقوى المقاومة الفلسطينية، ومن هنا فالأمور معقدة ومتشابكة هناك من يبحث عن الشفافية والطهارة في مؤسسات السلطة، وهناك من يبحث عن دور يمارسه في عملية اتخاذ القرار وهناك الأطراف الخارجية التي تريد تضييق الخناق على المقاومة الفلسطينية باحكام القبضة الأمنية عليها، والغريب أن الجميع يتحدثون عن وسيلة واحدة لتحقيق كل هذه الأهداف وهي الإصلاح ويخشى ضياء رشوان أن تؤدي هذه الدعوات الإصلاحية إلى زيادة هوة الخلافات في الداخل الفلسطيني وبما يؤدي إلى حدوث الصدام بين فصائل المقاومة وأجهزة السلطة، خاصة أن الوضع الداخلي الفلسطيني حاليا على درجة عالية من السوء وتوجد مشاكل كثيرة بين المنظمات والسلطة، وعملت أطراف كثيرة من تلك التي تهتم بالملف الفلسطيني على تأجيجها ومعروف أن الكثير من الأطراف تلعب دوراً فيما يتعلق بتطورات الأوضاع في الداخل الفلسطيني مثل الأميركيين والإسرائيليين والأوروبيين وبعض الدول العربية. ويعتقد رشوان أن زيارة «تينيت» إلى المنطقة إذا تمت فغالبا ستنصب على إعادة تنظيم المؤسسة الأمنية الفلسطينية وربما يجعلها تحت السيطرة الاميركية والإسرائيلية بشكل أو بآخر وتقريبا هذا هو مفهوم الإصلاح الذي تريده الولايات المتحدة الاميركية وإسرائيل وذلك بهدف ضرب المقاومة الفلسطينية والقضاء على العمليات الاستشهادية،وهذا المفهوم للإصلاح ترفضه فصائل المقاومة التي تريد إصلاحا من نوع آخر يحقق لها تواجدا أكبر في مؤسسات السلطة ومن هنا ستظل المشكلة قائمة، سواء جاء تينيت أو الغى زيارته نهائيا. ويشير ضياء رشوان الى أن الأفضل بالنسبة لعرفات هو أن يلجأ لإطارين فيما يتعلق بالإصلاح الأول وهو منظمة التحرير الفلسطينية التي تضم كل الفصائل والقوى الوطنية ماعدا الجهاد وحماس بأن يعيد تشكيل هيئات هذه المنظمة وبحيث تحتوي كل القوى والثاني وهو إعادة هيكلة هيئات ومؤسسات السلطة الوطنية، على أن تكون المرجعية لحدوث الإصلاح وأن يتم في إطار أنه شأن فلسطيني داخلي لا أحد من حقه يتدخل فيه مهما كانت درجة اهتمامه بالملف الفلسطيني وحتى لا تتعقد الأمور وتسير باتجاه الأسوأ ونصحو في يوم من الأيام على صدام وقتال فلسطيني/ فلسطيني، ثم أليس غريبا أن تدعو الولايات المتحدة وإسرائيل عرفات لإجراء إصلاحات داخل الأراضي الفلسطينية وقبل أن يعلن دولته وفي ظل وجود الإحتلال الإسرائيلي، ولكن مع ذلك يظل الإصلاح ضرورة هامة خاصة وأن هناك أشخاصا حول عرفات قد تورطوا في قضايا فساد ولابد من تطهير الساحة الفلسطينية منهم لأن ذلك نقطة ضعف في العمل الوطني الفلسطيني. وفيما يتعلق بإمكانية أن يوائم عرفات بين الضغوط الاميركية والإسرائيلية بالنسبة لمسألة الإصلاح وبين مطالب الداخل الفلسطيني يقول رشوان الأمر يتوقف أولا على الإختيار السياسي لعرفات فإن هو اختار الصمود سيصبح الإصلاح وفقا للمفهوم والمعنى الفلسطيني هو المتاح أمامه، أما إذا فضل أن يستجيب للضغوط الاميركية والإسرائيلية فلا مناص من ان يكون الإصلاح وفقا لرؤيتهما ومفهومهما وهنا يمكن أن تحدث الكارثة والصدام بين القوى الوطنية الفلسطينية والسلطة.