الملف السياسي: ملف الفساد في بعض الدوائر الفلسطينية يتسم بحساسية خاصة جدا، فالشعب الفلسطيني جريح يتألم، جراء الضربات الموجعة وعمليات القتل والتدمير التي تمارسها القوات العسكرية الاسرائيلية، ضد شعب اعزل تحت الحصار، كما تزداد شدة الحساسية لان المطالبة بالاصلاحات تأتي في وقت تسوده حالة ارتباك داخل السلطة الفلسطينية، وقد اصاب الحالة الاجتماعية نوع من عدم استقرار، وآثار البنية التحتية التي تهدمت شاهدة على ما اصاب هذا الشعب من خراب، هذا اضافة لان مطالب الاصلاحات أتت مؤخراً من خارج البيت الفلسطيني، وعلى الرغم من ضرورة اجراء الاصلاحات حال وجود ضرورتها إلا انها مطالب مشبوهة لكونها اسرائيلية لها ابعد من الهدف الظاهري للاصلاحات الديمقراطية وأميركية تحمل في طياتها اسباب استراتيجية سياسية. حول اعادة التركيب وفق الشروط الاميركية والاسرائيلية التقى «الملف السياسي» في امستردام «مارك دي ستوول» الخبير الهولندي في شئون اجهزة الحكم والسياسة الدولية فقال: ـ ليس سرا ان رئيس الوزراء الاسرائيلي شارون يسعى للاطاحة بعرفات وبعد فشله في تحقيق هذا الهدف اثناء حصاره لعرفات في مقر السلطة الفلسطينية برام الله، وفك الحصار نتيجة للضغوط الاوروبية والاميركية على اسرائيل يجدد شارون المحاولة مرة اخرى لتحقيق هدفه لكن بأسلوب آخر يستخدم فيه هذه المرة ذاتها المصادر التي ضغطت عليه لفك حصار عرفات، واهمها اميركا التي سلمتها اسرائيل تقارير سياسية، حصلت عليها بطرق غير شرعية تفيد بحدوث فساد مالي واداري سياسي داخل دوائر مختلفة في السلطة الفلسطينية ونسخ من هذه التقارير تسلمها ايضا الاتحاد الاوروبي وبعض الدول الاعضاء بشكل منفرد خاصة الدول التي قدمت مساعدات مالية للسلطة الفلسطينية خلال السنوات الاخيرة، كما تنشط اسرائيل في هذا الاطار بعد فشل شارون في اقناع الادارة الاميركية مؤخراً بتقرير حول علم عرفات بارتكاب اعمال «ارهابية» في داخل اسرائيل، ومن هنا تأتي اللعبة السياسية ثلاثية المحاور لشارون والتي ترتكز على: ـ افقاد عرفات مصداقيته السياسية امام شعبه داخليا، وخارجيا امام العالم الغربي. ـ احراج السلطة الفلسطينية امام الدول التي تقدم لها مساعدات مالية. ـ الاطاحة بعرفات والرهان على قيادة فلسطينية جديدة قد تقبل ما ترفضه القيادات القديمة. ـ ترددت اقوال بأن الاستخبارات الاميركية تفضل ادخال اشخاص بعينهم في التشكيل الجديد للسلطة الفلسطينية وان يكون على رأسهم شخص آخر غير عرفات يحظى بقبول اسرائيلي اميركي فما هي حقيقة ذلك؟ ـ استطاعت اسرائيل في العام الماضي اقناع الادارة السياسية في واشنطن بضرورة تغيير حوالي 70% من القيادات داخل السلطة الفلسطينية وحكومة «شارون» فعلت ذلك بسبب استمرار الانتفاضة الفلسطينية والتي مضى على قيامها الآن حوالي 20 شهراً وهي تجد تأييداً من السلطة الفلسطينية، التى ترى فيها واحدة من اهم عناصر الضغط على اسرائيل هذا اضافة الى ان الاستخبارات المركزية الاميركية سلمت مستشارة الامن القومي الاميركي «كوندوليزا رايس» تقريراً بهذا المعنى وهو الامر الذي جعل الرئيس بوش يؤيد مطالب اجراء اصلاحات في السلطة وينطبق هذا الامر ايضا على الرئيس عرفات فاسرائيل تنظر له على انه رأس الحربة التي توجهها الانتفاضة لامنها، فشارون يعتبر عرفات عدواً سياسياً له لافساده نظرية توفير الأمن للشعب الاسرائيلي. ـ وهل تضمن اسرائيل ان حدوث اصلاحات ديمقراطية ستأتي في صالحها؟ ـ من الصعب جداً الاجابة عن هذا السؤال لكن اذا تمت انتخابات ديمقراطية نظيفة خلال الفترة الراهنة، اي في غضون شهور قليلة لن تكون في صالح اسرائيل، ولن تفرز النتائج التي تتمناها حكومة تل ابيب ولن تأتي ايضا بشخصيات فلسطينية تريدها اسرائيل، فتؤكد المعطيات الحالية بأن حدوث اصلاحات ديمقراطية فلسطينية ستفتح الساحة امام قوى الشعب الفلسطينية الغاضبة لاختيار عناصر قيادية قوية، يمكنها ان تثأر لها من اسرائيل ولا تقدم تنازلات واخطرها عناصر المقاومة لاسرائيل، قد تكون من الجناح العسكري لحركة فتح، شهداء كتائب الاقصى، كتائب عز الدين القسام، اعضاء من حركة حماس، في هذه الحالة تخسر اسرائيل رهانها السياسي «الظاهر» في ان تأتي قيادات فلسطينية جديدة اكثر مرونة من الحالية، ويجب ان نسمى الاشياء بمسمياتها الحقيقية، لا اسرائيل.. ولا السلطة الفلسطينية ستسمح بدخول عناصر كثيرة من المقاومة الفلسطينية القوية. ـ اذا كان الامر على هذا النحو فلماذا تطالب اسرائيل بالاصلاحات والانتخابات النزيهة داخل السلطة الفلسطينية؟ وماذا تقصد بخسارة اسرائيل رهانها السياسي «الظاهري»؟ ـ المطالب الاسرائيلية تخفي في طياتها كثيراً من الاهداف، منها رهانها على ان الشعب الفلسطيني قد تعب كثيراً بسبب سقوط الضحايا والشهداء، وانه قد يكون فقد ثقته في القيادة الفلسطينية. لان اتفاقية اوسلو او ما تم في مدريد لم يعد له ارضه، ولم يوفر له الامن والاستقرار، والاجهزة الامنية الاسرائيلية تروج اشاعات داخل صفوف الشعب الفلسطيني، لتأكيد ما يتردد انه كان يعيش في حالة افضل واكثر امانا قبل هذه الاتفاقيات او غيرها، ثم ان اسرائيل تستفيد في كل الاحوال من انشغال السلطة الفلسطينية في انتخابات جديدة وتعديلات واصلاحات، فكل ما يعطل اقامة الدولة الفلسطينية في مصلحة اسرائيل، وعنصر الوقت في هذا الاطار يلعب دوراً كبيراً ومؤثراً، ولا ننسى انه ربما تأتي حكومة اسرائيلية جديدة تتخلى عن كل وعود شارون للفلسطينيين وما الى ذلك من متغيرات تستخدمها اسرائيل، ومن الممكن ان تستفيد اسرائيل لو اتت سلطة فلسطينية تضم الادارات الامنية بداخلها حيث ستكون المسألة بالنسبة لها اكثر شفافية مما يجعلها تسيطر نسبيا وعن بعد على الاعمال الانتحارية. ـ هل بالفعل سيقبل عرفات على اجراء اصلاحات سياسية سريعة؟ ـ تتوافر بعض المعلومات التي تشير الى ان عرفات سينفذ اتفاقات اجراها الاجماع الرباعي في لشبونة مؤخراً تمت بين اميركا والاتحاد الاوروبي، اسرائيل، الامم المتحدة، وهي تقضي بضرورة ابتعاد عرفات عن الساحة السياسية بأسلوب كريم وهو حل بديل قدمته الاطراف الغربية لشارون عوضا عن رغبته السابقة في الخلاص من عرفات، سواء بتصفيته جسديا او طرده بعيدا عن الاراضي الفلسطينية. ـ ألم تفهم قيادات فصائل القوى الفلسطينية اهداف اسرائيل؟ وهل السلطة ستستسلم للخطط الاسرائيلية؟ سواء الظاهرة أو الخفية؟ ـ مشكلة المشاكل في منطقة الصراع هذه ان الاسرائيليين والفلسطينيين يفهمون بعضهم اكثر حتى من فهم الغرب او حتى العرب لكثير من الخفايا وسواء السلطة او حكومة شارون كلاهما يلعب لعبة السياسة والقوة كل حسب قدراته ووفقا لما يملك من ادوات وآليات، اما السلطة الفلسطينية فلن تستسلم بالطبع واعتقد انه مهما جرت انتخابات او اصلاحات ديمقراطية، وليكن اسمها ما يكون فلن تغيب اكثر من نسب تتراوح بين 30 و40% من الوجوه الحالية، وحتى لو تغيرت نسبة اكثر فانا لا استبعد قدوم قيادات فلسطينية اكثر قدرة على التعامل مع الاسرائيليين من بعض القيادات الحالية. ـ هل تعتقد ان السلطة الفلسطينية في حاجة فعلية لاصلاحات؟ ـ نعم تحتاج اكثر من غيرها فالسلطة الفلسطينية تعتمد في معظم مواردها المالية على الخارج سواء من العرب أو من أوروبا وأميركا، ولعل السلطة الفلسطينية تشعر بالقلق والحرج اكثر من أوروبا، التي تتأكد بوجود عمليات فساد مالي، واحتراما للوضع الذي يمر به الشعب الفلسطيني رفض الاتحاد الاوروبي الاعلان عن اسماء اشخاص وتفاصيل هذا الفساد المالي.