الملف السياسي:ادخل الفلسطينيون قيادات وشعباً، سلطتهم وانتفاضتهم ورئاسة ياسر عرفات، غرفة العناية الفائقة منذ فترة طويلة، والهدف كان، وما زال استراتيجياً، وهو اصلاح اي اعوجاج، و تقييم اي خلاف، وحصر اي تضارب وتنفيس الاحتقان، واجهاض التقاتل او التوتر المسبب له، وذلك لتطوير السلطة وتدعيم الانتفاضة وتقويتها، وتعزيز الاجماع حول موقع الرئاسة كرمز موحد للجميع ومعبر عنهم، سواء كان عرفات على رأسه او اي زعيم آخر، باعتبار ان الاهم ليس الاسماء بل الحرص على القنوات الديمقراطية في ايصال الشخص لتبوؤ الرمز. هذا كان حاصلاً وما زال بارادة محض فلسطينية فالمجتمع الفلسطيني مجبول بالديمقراطية، والدليل كثرة الاتجاهات والآراء والتعددية حتى في الفكر والنهج والممارسة، مجتمع التعدد يدفع القمع (واخوانه وأخواته) الى الاستقالة منه دون قيد او شرط. ولان المهمة الاميركية الاسرائيلية هي وضع العصا في العجلات السائرة لتوقيفها فقد سارعت واشنطن وتل ابيب على التدخل المبكر حتى لا تتحول انتصارات الانتفاضة العسكرية في وجه العدوان والاحتلال الى انجازات تحققها السلطة ايضاً على جبهة الانتفاضة السياسية المبنية على التقييم، والنقد الذاتي، وتطوير ممارسات الحكم، ومؤسساته قنوات ديمقراطية تمر بالمجلس التشريعي الفلسطيني في المقام الاول. وحرص الجانب الفلسطيني الذي شارك في اجتماعات لجنة مبادرة السلام العربية الاخيرة في بيروت (17 و18 مايو 2002) على وضع اعضائها في حجم المخاطر التي تنفثها الدعوات الاميركية الاسرائيلية الى تحقيق الاصلاحات، والمجيء بقيادة ورئاسة جديدتين في فلسطين، وعقد مؤتمر دولي «للسلام» مطلع الصيف وما شابه من طروحات مفخخة ومفضوحة التوجه والأهداف السوداء. وعلى هامش ذلك كان اللقاء مع سفير فلسطين لدى جامعة الدول العربية، امين سر المجلس الوطني الفلسطيني محمد صبيح الذي حدد بدبلوماسية حازمة خلفيات تلك الطروحات وأهدافها بتأكيده على نقاط عدة ابرزها: 1 ـ لدينا ساحة متعددة الرأي.. من خلال حوارنا اليومي ندير علاقاتنا بشكل جيد.. لنترك للمجلس التشريعي الفلسطيني ان يدرس الامور ويتخذ المواقف حيال المفاصل الأساسية (ومنها مثلاً: اتفاق كنيسة المهد، والانتقادات التي جرت). 2 ـ المطالبة (من قبل اميركا واسرائيل) بالاصلاحات قبل استئناف المفاوضات هي مجرد شروط تعجيزية.. من جهتنا فاننا واثقون بأن الاصلاح اصبح ضرورياً وتقوم به كل الشعوب عادة بعد ان تتعرض لاحداث جسام وزلازل عدوانية كالذي مارسته اسرائيل علينا، فبعد اي زلزال وبعد اية مواجهات بطولية تاريخية للعدو لابد من اعادة تقييم الامور دائماً لتقوية الجبهة الداخلية. 3 ـ مصداقية الولايات المتحدة مطروحة بالنسبة لنا، على المحك فهل توقف عدوان اسرائيل حتى تجري الانتخابات مثلاً، وفق ما تنصح به هي نفسها على الاقل؟ اننا نشك بذلك، وبالتالي بمصداقيتها كثيراً.. ثم ما الموقف العملي لادارة بوش عندما وقف رئيس وزراء العدو ارييل شارون كانسان آت الينا من العصر الحجري مطالباً بتغيير السلوك الفلسطيني ولا مانع لديه طبعاً بتغيير الشعب الفلسطيني بشعب آخر! 4 ـ سواء انعقد المؤتمر الدولي المزعوم ام لم ينعقد فإننا نتمسك بالقرار 242 (الارض مقابل السلام)، وبالمرجعيات والقوانين الدولية لا بمرجعيات شارون.. فاسرائيل تريد حلا مؤقتاً طويل الامد فحسب، وبالتالي فإن على العرب ان يدرسوا جيداً اي مؤتمر دولي جديد «للسلام» قبل ان يذهبوا اليه. ذلك ابرز ما يقوله سفير فلسطين لدى الجامعة العربية وهو يتناوله مع قضايا اخرى مطروحة بالتوضيح والتعليق.. والموقف. ما بعد الزلزال ـ وحول رأيه في اطار الاصلاحات التي طالبت بها اسرائيل والولايات المتحدة كشرط لمعاودة المفاوضات ودعوة الرئيس عرفات الى اجراء انتخابات نيابية ورئاسية في غضون ستة اشهر، يبدأ السفير صبيح كلامه متحدثاً عن توقيت طرح ذلك؟ فيقول: تلك الاصلاحات التي تطالب بها اسرائيل واميركا هي باطل يراد به حق اننا نستغرب تماما مثل ذلك الطلب، فمن يريد الاصلاحات حقيقة للشعب الفلسطيني فإنه لا يستمر في الاحتلال والقصف وتدمير بناه التحتية بالكامل، والتسبب في خسائر فادحة للاقتصاد الفلسطيني ولا في تهديم فرص التعايش ايضا وللاسف نحن نسمع من الادارة الأميركية كلاما معادا لرئيس وزراء اسرائيل ارييل شارون، لكن مسألة الانتخابات توقفت؟ ولماذا نوقفها في المجلس التشريعي والمجلس المركزي؟ والجواب هو ان التوقف ينتج بسبب الاحتلال والاغلاق والحصار الكامل، ولم يستطع اعضاء المجلس التشريعي ان يلتقوا منذ مدة طويلة، وعندما عقد المجلس اجتماعه قبل ايام في رام الله كان اعضاؤه في غزة يشاركون في الاجتماع عبر شاشة التلفزيون فهل هذا امر مقبول ليتحدثوا عن الاصلاح؟ لاشك ان المسألة الاصلاحية مطروحة بالنسبة لنا خاصة بعد زلزال العدوان الكبير الذي حشدت فيه اسرائيل الطائرات ومئات الدبابات والمدرعات والسيارات العسكرية وآلاف الجنود واقتحمت مخيمات بسيطة ومتواضعة لكن ابناءها صمدوا كالعادة صمود الابطال، لاشك انه بعد ذلك الزلزال لابد من تقييم، فبعد الذي حصل اصبح الاصلاح ضرورياً جداً ونحن في كل مرحلة نتعرض فيها لمثل ذلك الوضع نقوم بالدراسة الداخلية والتعديل والاصلاح بما يتناسب والظروف التي نحن فيها. أميركا على المحك ثم يوضح كيف يمكن الحديث عن اصلاح في وقت تتغير فيه الامور التي فرضتها اسرائيل على الارض حيث الاغلاق والحصار والعدوان اضافة الى ان كل الممارسات الاخرى مازالت على حالها، وذلك بقوله: «لاشك ان اجراء الانتخابات في ظل الاحتلال صعبة للغاية، لكن اذا كانت الولايات المتحدة تريد وهي التي باتت تتحدث ليلا ونهارا عن مطالبتنا بالاصلاح، ان يتم ما تطالب به فيجب ان نرى مصداقيتها في ذلك، وبعد ذلك نذهب الى الانتخابات اذ لا توجد لدينا حيال هذا الامر اية عقدة، او خوف، نحن نريد الانتخاب ليختار شعبنا الواعي والمثقف ما يراه الافضل، كما اننا نؤمن بالتعددية وباختلاف الرأي، لكن المحك والمصداقية للولايات المتحدة في ذلك هما من الامور المهمة للغاية فهل تستطيع اميركا ان تطلب من اسرائيل ان تنسحب قواتها وان تمنع عدوانها وقتلها واعتقالاتها واجرامها المستمر على مدار الساعة، حتى نتمكن من اجراء تلك الانتخابات؟ انني اشك في ذلك كثيرا. وحول ما اذا كان الجانب الفلسطيني يرى في المطالبة الاميركية بالاصلاحات والانتخابات تعمداً «لتعجيز» السلطة الفلسطينية؟ يوضح السفير صبيح: «بالتأكيد انها من الشروط التعجيزية لاستئناف المفاوضات عندما نسمع شارون وهو يخطب في الكنيست فإننا نصاب بالذهول في القرن الحادي والعشرين وكأننا امام انسان من العصر الحجري يتحدث ويريد تغيير السلوك الفلسطيني والقيادة الفلسطينية ولا مانع لديه من ان يكون هناك تغيير للشعب الفلسطيني كله، ونأتي له بشعب آخر سلس القيادة يقبل بالاحتلال والعدوان والانتهاكات. هذا امر مضحك للغاية فنحن نعلم جميعا ان شارون لايريد دولة فلسطينية ويتحدى القانون والنظام.. علما ان التصويت في «الليكود» يبرز ان الاكثر تطرفا كان بنيامين نتانياهو لكن الذي لا يريد دولة فلسطينية مستقلة، ويمارس هذا الرفض عمليا، فهو شارون الذي يهدم حتى اجهزة كمبيوتر الوزارات ويقصف مطاراً ويدمر ميناء وطرقا والبنى الاقتصادية حتى لا تقوم دولة، هذا امر واضح تماماً. ثم انه يريد حلاً مؤقتاً، طويل الامد يريد فلسطين، أو معازل فلسطينية بمعنى اصح، حديقة خلفية للرجل الابيض الاسرائيلي كما كان عليه الحال في جنوب أفريقيا فيأخذ منه عمولة رخيصة كما يتوهم ويلقي له بالمنتج الاسرائيلي السيء ليستهلكه الفلسطيني، هذا هو تصور شارون، لكنه لن يمضي ولن يستمر فإن ذلك امر مضحك للغاية، لقد سقط كل الطغاة والمحتلين والمستعمرين في التاريخ