الملف السياسي: بداية يجب أن نوضح بأن هناك فرقا بين المطالب الشعبية الفلسطينية بالاصلاح السياسي للسلطة الوطنية الفلسطينية والرغبة الأمريكية الاسرائيلية في اعادة بناء هذه السلطة من حيث المحتوى والأهداف، وفيما يلي نحاول ايضاح هذا الفارق، موضحين كيف يمكن للسلطة الوطنية تحقيق القدر الملائم من التوازن في هذا الصدد. في أعقاب توقيع اتفاق أوسلو بدأت مرحلة جديدة من حياة الشعب الفلسطيني، تداخلت فيها مهام استكمال عملية التحرير من الاحتلال، مع مهام عملية البناء الداخلي، ومع وصول السلطة الوطنية الى البلاد، بدأت في اقامة مؤسساتها المدنية والأمنية، الأمر الذي أدى الى ادراج تحديات البناء الداخلي بأبعاده المختلفة على برنامج العمل الفلسطيني، ويذكر خضر شقيرات مدير جمعية القانون بالقدس ان الجمعيات الأهلية الفلسطينية التي كانت قائمة والتي لعبت دورا هاما في خدمة المجتمع الفلسطيني في المرحلة السابقة، بادرت بتأسيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، التي أكدت في بيانها التأسيسي على ضرورة السعي الجاد لتحقيق دولة القانون، واحترام حقوق المواطن، ومبدأ المواطنة وتفعيل العمل الديمقراطي، من حيث حرية الصحافة والاعلام والتعددية الحزبية، في اطار دستور ينظم العلاقة بين السلطات الثلاث ومن ثم فقد كانت هناك رؤية لقوى المجتمع المدني الفلسطيني منذ البداية لعملية البناء الداخلي، خاصة في شقها السياسي، بحيث تكون مرحلة التأسيس مبنية على الأسس الديمقراطية. والملاحظ في هذا الاطار ان السلطة الوطنية قد حرصت على تركيز سلطة واتخاذ القرار السياسي في دائرة الرئيس عرفات ومعاونيه خاصة فيما يتعلق بادارة المفاوضات مع اسرائيل، في حين كانت هناك مطالب للقوى السياسية الفلسطينية بضرورة اتاحة الفرصة لها للمشاركة في عملية صنع القرار الفلسطيني خاصة في مسألة مصيرية كمسألة التحرير وربما كان للسلطة الوطنية بعض المبررات في هذا الشأن خاصة في مرحلة ماقبل انتفاضة الأقصى، الا أن تفجر الانتفاضة أدى الى خلق واقع سياسي جديد في الاراضي الفلسطينية، لم تستطع السلطة الوطنية الفلسطينية ان تكيف مؤسساتها وآلياتها معه، الأمر الذي أدى الى أضعاف قدرة السلطة الوطنية على العمل الميداني، حيث ظل القرار مركزيا في حين كانت هناك حاجة الى قيادة ميدانية للانتفاضة تخطط لها وتبرمجها وتنسق بين أنشطتها، ولقد ملأت المنظمات الفلسطينية على اختلافها هذا الفراغ، الأمر الذي أدى الى مزيد من الارتباك في الواقع العملي، وأظهر السلطة الوطنية بمظهر عدم القدرة على التحكم في الأوضاع وتوجيهها، وفي ظل هذا الواقع ظهرت الآراء المطالبة باجراء تغيير سياسي في بنية السلطة الوطنية وأسلوب عملها بما يتلاءم والظروف الجديدة الناتجة عن الانتفاضة وقد حدد مصطفى البرغوثي مدير معهد الاعلام والسياسات التنموية برام الله شكل التغيير المطلوب وذلك على النحو التالي: 1ـ تشكيل قيادة وطنية للطوارئ، تسند لها مهمة القيام باصلاحات داخلية فورية، تؤدي الى ازالة كل المظاهر السلبية، وسوء الادارة، وان تكون مسئولة عن بناء آليات الصمود الداخلي اقتصاديا واجتماعيا. 2ـ اجراء انتخابات ليختار الشعب ممثليه طالما كان ذلك ممكنا. 3ـ مأسسة الانتفاضة واكسابها طابعا شعبيا من خلال مؤسسات شعبية تعمق المشاركة الشعبية. 4ـ اطلاق عمليات متعددة تؤدي الى الاصلاح الداخلي. 5ـ دمقرطة المجتمع الفلسطيني. وقد استند البرغوثي في هذه الدعوة الى أن السلطة الوطنية قد أطلقت الانتفاضة، بعد زيارة شارون للمسجد الأقصى، ومن ثم كان من الضروري ان تكيف نفسها مؤسسيا ووظيفيا مع هذا القرار، خاصة بعدما اتسع نطاق الانتفاضة. الا ان الظروف والتطورات اللاحقة لم تتح الفرصة للسلطة الفلسطينية للقيام بهذا التغيير المطلوب الا في الوقت المناسب، خاصة بعد الاجتياح الاسرائيلي الاخير للاراضي الفلسطينية. وان كانت تطورات الاوضاع بعد ذلك والاثار السلبية التي نجمت عن هذا الغزو الاسرائيلي قد أكدت على المستوى الشعبي الفلسطينية ضرورة اجراء هذا الاصلاح، ومن ثم استمرت الدعوة الشعبية الفلسطينية لاجراء هذا الاصلاح، من أجل استكمال مهمة التحرير والبناء السياسي الديمقراطي للدولة الفلسطينية، ومن ثم فالمحتوى الذي تدعو اليه القوى الشعبية الفلسطينية للاصلاح يدور حول الأخذ بالنهج الديمقراطي في تشكيل مؤسسات السلطة الوطنية، وهو يشمل توسيع نطاق المشاركة السياسية على كافة المستويات وصولا الى عملية صنع القرار السياسي، وامكانية تداول السلطة من خلال الانتخابات، وتنظيم العلاقة بين السلطات بما يكفل الرقابة الشعبية والبرلمانية على السلطة التنفيذية، واستقلال القضاء، وكفالة الحريات الفردية والجماعية وحقوق الانسان بمفهومها الشامل، وهو ما يتيح لكافة القوى السياسية الفلسطينية فرصا متساوية في الوصول الى المواقع الرسمية عبر صناديق الانتخاب والهدف من هذا الاصلاح هو تحقيق التحرير وبناء الدولة الفلسطينية على أسس سليمة. ثانيا - المطالب الاسرائيلية والأمريكية بالاصلاح تتركز هذه المطالب على زيادة قدرة السلطة الوطنية الفلسطينية في السيطرة على مختلف القوى السياسية الفلسطينية، بحيث يتم احتواء هذه القوى في نطاق البناء الرسمي للسلطة، وهذه المسألة وأن كان يمكن تحقيقها من خلال اجراء انتخابات بلدية تعقبها انتخابات تشريعية الا انها تثير العديد من علامات الاستفهام اهمها مايلي: 1ـ هل سيسمح لكافة القوى السياسية الفلسطينية بالتقدم بمرشحيها في الانتخابات، بما في ذلك القوى السياسية الاسلامية التي تدرجها الولايات المتحدة على قائمة مايسمى بالمنظمات الارهابية؟ 2- ماذا سيكون الموقف الأمريكي والاسرائيلي اذا كانت نتائج الانتخابات ستغير المعادلة السياسية الفلسطينية بحيث تفوز القوى الاسلامية بالأغلبية وهو أمر متوقع، نظرا لقدرة هذه القوى التنظيمية وشدة ارتباطها بالشارع الفلسطيني؟ 3- من بين المطالب الأمريكية الاسرائيلية اجراء انتخابات رئاسية والسؤال ماذا سيكون الموقف الأمريكي الاسرائيلي في حالة فوز الرئيس عرفات الذي ترفض اسرائيل استمراره، وماذا سيكون الموقف في حالة فوز شخصية أخرى أكثر تشددا من الرئيس عرفات؟ وماهو الهدف الذي تسعى اسرائيل والولايات المتحدة الى تحقيقه من خلال اجراء الانتخابات، هل خلق حالة من الانقسام الداخلي في المجتمع الفلسطيني وهي مسألة محتملة نتيجة الصراعات والمنافسة الانتخابية؟ أم تسعى الى ايجاد قيادة بديلة منتخبة لتحل محل الرئيس عرفات؟ أم أنها تستهدف ظهور القوى السياسية الفلسطينية الكامنة والتي تعذر على أجهزة المخابرات الاسرائيلية الوصول اليها بغرض تصفيتها بعد ذلك بدعوى مقاومة مايسمى بالارهاب؟ من ناحية اذا ما كانت المؤشرات تدل على اجراء انتخابات على المستويات المختلفة ستؤدي الى وصول قوى أكثر تشددا الى مواقع المسئولية، فهل سيتم اجراء هذه الانتخابات بطريقة نزيهة بعيدة عن شبهات التزوير والتلاعب، أم ستدفع الولايات المتحدة واسرائيل نحو التلاعب في النتائج، بما يؤدي الى وصول عناصر معينة الى مواقع المسئولية، ترى اسرائيل والولايات المتحدة انه يمكن التعامل معها وماهو مردود ذلك اذا ماحدث على المجتمع الفلسطيني؟ الجانب الآخر من المطالب الأمريكية الاسرائيلية للاصلاح يتمحور حول اعادة بناء أجهزة الأمن الفلسطينية، ونزع أسلحة ماتسميه بالمليشيات، وهو مايعني نزع أسلحة قوى المقاومة الفلسطينية، وهو ماسوف يثير حتما خلافات حادة بين السلطة الوطنية وقوى المقاومة وفصائلها المختلفة، خاصة وان هذه الفصائل ترفض نزع سلاحها وترفض الانضواء الكامل في اطار السلطة الوطنية، وربما يزيد من قوة رفض هذه القوى في المرحلة المقبلة، ماتعرضت له العناصر التي انضوت في نطاق جهاز الامن الوقائي وغيره من أجهزة السلطة من عمليات تصفية جسدية من جانب القوات الاسرائيلية. كما أن نزع أسلحة فصائل المقاومة وانطوائها في اطار اجهزة الأمن الرسمية يثير علامات استفهام حول مستقبل المطلوبين من بين اعضاء هذه الفصائل من جانب اسرائيل، والتي مازالت تصر على تسلمهم، كما يثير التساؤل حول الضمانات التي يمكن تقديمها من جانب اسرائيل والولايات المتحدة حول عدم تعرض هذه الفصائل بعد انضوائها في أجهزة الأمن الرسمية لعمليات تصفية. وهكذا فان المطالب الاسرائيلية والأمريكية بالاصلاح تثير الكثير من علامات الاستفهام والشكوك، خاصة في ظل عدم توافر الضمانات الكافية باقامة الدولة الفلسطينية بعد انجاز هذا الاصلاح حتى لو تم وفقا للمواصفات الأمريكية الاسرائيلية فثمة انقسام واضح في اسرائيل بصدد هذه الدولة، الليكود يرفض اقامتها تحت أي ظرف، وشارون يرى امكانية قيامها في المستقبل البعيد وحزب العمل يرى امكانية قيامها دون تحديد لمدى زمني محدد وهناك خلاف حول النطاق المكاني فشارون يرى انها تقام على 44% من اراضي الضفة الغربية اضافة لقطاع غزة، وبيريز طرح من قبل فكرة غزة أولا، أي ان تقام الدولة الفلسطينية في قطاع غزة 0.1% وهكذا فان سمة الغموض حول مستقبل قيام الدولة الفلسطينية في الرؤية الاسرائيلية هي السمة الغالبة. ثالثا: السلطة الوطنية الفلسطينية والبحث عن نقطة للتوازن: لا شك في أن السلطة الوطنية الفلسطينية تواجه موقفا في غاية الدقة والتعقيد سمته الاساسية الشك وعدم اليقين، فهي مطالبة باجراء اصلاح ديمقراطي من جانب القوى الشعبية الفلسطينية ومن جانب الولايات المتحدة واسرائيل، وهي وان كانت تتشابه في مضمونها الظاهري، الا ان الأهداف من ورائها مختلفة ومتباينة، كما سبق وان أوضحنا، كما ان السلطة مطالبة بالقيام بهذه الاصلاحات وقوات الاحتلال الاسرائيلي ترابط في مختلف القرى والمدن الفلسطينية الأمر الذي يثير علامات الاستفهام حول امكانية اجراء انتخابات نزيهة في مثل هذه الظروف. والرأي عندنا بعد هذا الموقف الصعب المعقد، يتلخص في أن تلجأ السلطة الوطنية الفلسطينية الى الخيار الديمقراطي الواضح البعيد عن التلاعب والمساومات، بأن تجعل الشعب الفلسطيني هو صاحب القرار، سواء من خلال اجراء انتخابات بلدية وتشريعية ورئاسية تحرص كل الحرص على ان تكون نزيهة ونظيفة، ومعبرة عن رأي الشعب في اختيار ممثليه وقياداته، حتى وان كانت النتائج المتوقعة تشير الى إحداث تغيير واسع النطاق، وعليها ان تقاوم بقدر الامكان أي محاولة من جانب اسرائيل والولايات المتحدة للتلاعب بنتائج هذه الانتخابات، وفيما يتعلق بنزع أسلحة قوى المقاومة يمكنها أن تعود الى الشعب من خلال تنظيم استفتاء شعبي لتحديد القرار بصدد هذه المسألة. ان السلطة الوطنية في حالة اتخاذها لهذا الخيار، فانها تكون قد قامت بدورها، حيث انها ستسلم القيادة الى قيادة منتخبة انتخابا ديمقراطيا، وبالتالي فهي تملك تفويضا شعبيا صحيحا بالعمل سواء على مستوى البناء الداخلي أو انهاء الاحتلال، وهي في هذه الحالة ستسد منافذ المناورة امام اسرائيل والولايات المتحدة، خاصة وان الولايات المتحدة تولى المؤسسات الديمقراطية اهتماما خاصا، وهو ما سيمثل عنصر ضغط محدود عليها في المستقبل. ـ استاذ العلوم السياسية ـ جامعة حلوان