الملف السياسي: لا خلاف على الدولة، فالكل يريدها. الفلسطينيون يريدونها والعرب يريدونها والأميركيون يريدونها والإسرائيليون يريدونها. ولكن أي دولة هي التي في بالهم، وما هي مواصفاتها الحقيقية؟ للإجابة عن هذا السؤال لا بد من العودة قليلا إلى الوراء.. إلى شهور من المقاومة العنيدة التي دقت باب إسرائيل يوما بعد يوم وشهرا بعد شهر، حتى ظهر شعاع النصر في الأفق منتظرا من يلتقطه. غير أن أحدا لم يتقدم. انفقت الانتفاضة كل ما في جعبتها ودفعت الثمن دما ودمارا.. شهداء ومصابين ومجازر ومعتقلين وحصارا أوصل الناس إلى عتبات المجاعة. تعطلت الحياة وانهار الاقتصاد.. ولكن لم يتقدم أحد. لقد قررت الأمة أن تترك الانتفاضة في عراء العجز العربي، فهذا كان، كما ارتأت، أهون الشرين.. فالشر الأميركي ـ الإسرائيلي ليس هو الأهون، والأمة خشيت أن تتحول كلها إلى جنين، أو كما يحب «أبو عمار» أن يسميها «جنينغراد». كل ما قيل عن أسباب التخلف عن نجدة الانتفاضة ، ولو بخطوة سياسية ما، يدخل في باب التبريرات، لكن العجز مكتوب على الجبين، والمكتوب على الجبين تراه العين. ما الذي يجري حقيقة لفلسطين؟ إذا نومنا العقل وشغلنا «العنتريات»، سنرى ما يراه الحشاشون إذا «سلطنوا». أما إذا اعتمدنا المنطق معيارا ونزلنا من سُلم أمانينا وشطبنا قائمة رغباتنا، لاكتشفنا ان الجزء المتبقي من فلسطين يتعرض لعمليات «تجميل». فتلك قطعة تخضع لـ «شد وجه»، وهذه الأخرى يُشفَطُ دهنها، وثالثة تمر فيها السكاكين لتكبير «لسان» ممتد هنا أو هناك. يتجمع الجراحون القادمون من مختلف أنحاء الدنيا حول الجسد الممدد ويُعْملون فيه مشارطهم، هذه يد بحاجة الى إصبع وهذا رأس بحاجة إلى أنف، وهذا فم بحاجة الى أسنان. يقطعون ويوصلون ويأخذون ويعطون ويضيفون وينقصون، إلى أن تكتمل صناعة جسد يسمونه دولة. تلك هي الدولة التي يفصلها الأميركيون والإسرائيليون. دولة أشبه برجل آلي، تصحو مبكرا وتنام مبكرا.. دولة تأكل وتشرب ولا تغادر الحدود. نزعوا شوك المقاومة شوكة شوكة، بملاقط جبارة.. عربية وغير عربية. وحتى المدافعون التقليديون والعنيدون عن حق الشعوب في مقاومة الاحتلال بلعوا ألسنتهم وشاركوا في «المهمة». وبعد أن نزعوا الشوك جاء دور الاصلاحات والانتخابات وتغيير القيادات وترتيب البيت من الداخل، حتى يكون «مؤهلا» لملاقاة الإسرائيليين بالملابس الرسمية، على طاولة يقال إنها طاولة مفاوضات، وهي في الواقع طاولة التسلم والاستسلام! هذه «الاصلاحات» صارت عنوان المرحلة. لكن الذين يطالبون بها، وهم بالمناسبة جميع الذين يطالبون بالدولة، ينسون شيئا مهما وهو أن الاصلاح لا يمكن ان يتحقق في ظل الاحتلال. فالناس في الضفة الغربية وقطاع غزة لا يستطيعون التنقل من قرية إلى قرية، ووزاراتهم ومؤسساتهم مهدمة ومنهوبة، ووزير التربية مثلا لا يستطيع الوصول الى المدارس، ووزير الصحة لا يستطيع الوصول إلى المستشفيات. الأراضي مقطعة الأوصال. والاصلاح الحقيقي لا يبدأ إلا عندما يتم الانسحاب، وحديث اسرائيل وأميركا عن الاصلاحات، ليس ـ بالتأكيد ـ حديث الحريص على تحسين أحوال الفلسطينيين، وإنما هو في الواقع حديث الحريص على استبدال القيادات الحالية التي قاومت، بقيادات لا تقاوم، قيادات مستأنسة تتعامل وتتعاون كما يراد لها أن تتعامل وتتعاون. وفي الوقت نفسه، فإن الاصلاح والتغيير مطلوبان ليس فقط لأن بعض الوجوه تدور حولها الشبهات، وليس فقط لأن الإدارة المركزية والمتسلطة التي تتبعها القيادة الفلسطينية قد استقطبت مجموعة من المنتفعين والمتسلقين، ولكن لأن الكارثة الجديدة التي حلت بالشعب الفلسطيني تقتضي تغييرا في الإدارة التي تمت الكارثة في عهدها بغض النظر عن حجم مسؤوليتها عن تلك الكارثة. وعندما نطالب بالشفافية ومحاربة الفساد في السلطة الفلسطينية، فإن أهداف هذه المطالبة تختلف عن أهداف شارون حين يطالب هو الآخر بالشفافية ومحاربة الفساد. فالشفافية التي يريدها هي شفافية في استقبال «التعليمات» الإسرائيلية، أما عبارة الفساد التي يستخدمها، فهي غطاء شرعي للإرهاب الذي يقصد به المقاومة. ويجب ألا ننسى، في الوقت ذاته، أن السلطة الفلسطينية لم تكن حتى تدمير بنيتها التحتية قد استكملت بناء مؤسساتها، فقد كانت دولة تحت التكوين تعمل من خلال نظام أساسي، في غياب الدستور. وكان من المقرر حسب اتفاقيات أوسلو أن تعلن الدولة عام «1999»، غير أن الخروج الإسرائيلي المستمر عن سكة الاتفاقيات بهدف كسب الوقت، أدى الى تفاقم في المشكلات وتراكم في الاستفزازات مما أفضى بالتالي إلى انتفاضة الأقصى. ولكن ماذا عن عرفات نفسه، ولماذا تصر إسرائيل على عدم التعامل معه؟ مخطيء من يظن أن استهدافه بالطريقة التي استهدف بها، ومحاصرته في مقره برام الله عدة أشهر والتلويح تارة بقتله وتارة بإبعاده، تعود إلى عداء شخصي يكنه شارون له. وحتى لو كان للعامل الشخصي دوره، فإنه دور ثانوي لم يكن ليمنع حكومة شارون من التعامل مع رأس السلطة أيا كان، بذات الأسلوب الذي اتبع مع عرفات. فالرسالة الأساسية التي أرادت إيصالها هي أن «الرأس» مستباح، فما بالك ببقية أعضاء الجسد؟ وعندما رسموا لعرفات صورة «الارهابي» ووزعوها على العالم «الحر»، أصبحوا ملزمين بعدم التعاون معه، وإلا اتهموا هم أنفسهم بالإرهاب! القصة كلها مليئة بالمغالطات والافتراءات، لأنها مبنية في أساساتها وأركانها على المعايير المزدوجة والحقائق المقلوبة. فالمقاومة ألبسوها ثوب الإرهاب، فيما أفلت الإرهاب الحقيقي من العقاب، وقدم للعالم على أنه واحة للديمقراطية تسعى لاصلاح «الجيران» ليصبحوا أهلا للتعامل معها! وحتى الانتخابات التي يقال إنها ستجرى في الضفة وغزة في الخريف، يريدون لها أن تجري قبل زوال الاحتلال. فهل سمع أحد عن انتخابات حرة يمكن أن تجري فوق أرض ليست حرة؟ وحتى لو سلمنا جدلا بأن الفصل الحالي من المقاومة الفلسطينية يكاد أن يقفل، فإن الأمر المؤكد هو أن فك وتركيب السلطة الفلسطينية، وإعادة تشكيل العقل الفلسطيني، ومعه العقل العربي الذي أخذ يتراجع خطوة خطوة عن دعم العمليات الاستشهادية، رغم أنها الطريقة الوحيدة لتحقيق «توازن رعب» مع الأسلحة الإسرائيلية الفتاكة، لن يكتب لها الديمومة حتى لو قيض لها أن تنجح مؤقتا. فكل الذي يجري مضاد للمنطق ومعاكس لتيار التاريخ، ومنتهك للشرعية الدولية ولحقوق الإنسان، ومكرس للعنصرية وللاستعمار اللذين لم يتبق من بؤرهما إلا الاستيطان اليهودي الإرهابي على أرض فلسطين. في أجواء كهذه ملبدة بالفوضى والظلم والكذب، يجري الإعداد للدولة.. الدولة التي تعيش في العقل اليهودي.. الدولة التي تريدها الأغلبية الإسرائيلية، ولكن بمقاسات معينة ومواصفات معدة سلفا، مساحة وإمكانات، دستورا وحكومة وصلاحيات. أما السيادة فممنوعة، أو هي في الأصل محجوبة. فمن أين تأتي السيادة وشرايين الدولة.. كل شرايينها تمسك بها إسرائيل: الكهرباء والماء، الاستيراد والتصدير، العمالة.. كل شيء. بإمكان إسرائيل أن تطفيء الدولة تماما مثلما تطفيء زر الإضاءة في غرفة نومك. هذه الحالة هي التي سعت الانتفاضة إلى الحيلولة دونها، فاجتمع عليها من اجتمع من ذوي القربى وغير ذوي القربى، وأفشلوها. وحتى لا نضيع في زوايا اللوحة السيريالية لفلسطين، علينا أن نسلط الأضواء على حقيقة برزت إلى السطح بصورة دراماتيكية خلال تصويت مركزية التكتل الليكودي مؤخرا على رفض فكرة الدولة الفلسطينية. فرغم أن 59% من مندوبي الليكود في اللجنة المركزية قد صوتوا ضد الدولة، فقد أعلن 83% منهم في استطلاع للرأي سبق التصويت، ان الدولة آتية لا ريب فيها. ففي المساحة الفاصلة بين الرغبة في حجب الدولة وبين الرضوخ لحقيقتها، نجد أن غالبية الإسرائيليين يعتقدون بأن منع الدولة يعني ضياع دولة إسرائيل لأن استمرار الاحتلال يعني أن الدولة العبرية ستتحول فورا الى دولة ثنائية القومية، الأغلبية السكانية فيها عربية، إذا حسبنا سكان غزة والضفة وعرب «48». وإذا ما قادنا ذلك إلى التأكد من أن الدولة الفلسطينية قد بدأت تشق طريقها إلى المحافل العربية والدولية، فإن ذلك لا يعني أن المواصفات الإسرائيلية للدولة يمكن أن تُقبل، لأنها لا تلبي الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية. سيسألونكم: تريدون دولة؟.. هاكم دولتكم، كيان ما، مكان ما، يسمى دولة، لكنه ليس بدولة، شارون سماه دولة، ونتانياهو سماه حكما ذاتيا، وكلاهما على صواب! تلك هي الحقيقة الخالية من التزويق. ألم تلاحظوا أن شارون هو أول من طلب الاصلاحات الفلسطينية؟ ألم تسألوا أنفسكم ما إذا كان شارون يتحدث عن شأن فلسطيني حقا، أما عن شأن إسرائيلي؟ أليس هو الذي دمر. وهو أيضا الذي يريد أن يصلح ما دُمّر! وأخيرا هل الضفة وغزة كوسوفا صربيا، أم ويلز بريطانيا، أم باسك إسبانيا؟ ستقوم الدولة، لكنها ستبقى ردحا من الزمن، يطول أو يقصر، بين قوسين.. إسرائيليين! أما المساحة فما زالت سرا لم تبت فيه بعد مباضع الجراحين الذين يحيطون بالجسد الفلسطيني! ـ مدير تحرير الوطن القطرية