«اقسم ان احمي بلدي، واحافظ على شعبي، واطبق الدستور واحترم القانون والله على ما اقوله شهيد».. هذا القسم الذي يتردد بصياغات مختلفة، من جانب اي سياسي في العالم، يبتسم له القدر، ويتولى السلطة في بلاده، ما يلبث ان يتبخر ويذهب ادراج الرياح في حالات كثيرة، بعد ان يتمكن هذا الزعيم او ذاك، من الجلوس على المقعد السحري، الذي يفتح امامه، بـ «كبسة زر» او ايماءة، كل الابواب المغلقة وما بعدها. ففي الاونة الاخيرة، وبالتحديد خلال سنوات، هذا الزمن المتعولم، اتسعت قائمة الفاسدين في العالم، لتضم اليها وجوها سياسية، كان من الصعب على احد تخيل، وصولها الى هذا المستوى المتدني من الاخلاق والقيم. ورغم ان الفساد كظاهرة، ليس حديث العهد، وانما هو جزء «سيء» من التجربة الانسانية على مر التاريخ، كما ان ممارسته ليست مقتصرة على فئة معينة بل تطال الجميع، الا ان اللافت حقا في هذه الاونة، هو ذلك الشذود والانحراف، الذي اصاب النخبة المسئولة عن صياغة حاضر ومستقبل الامم والشعوب. فهؤلاء السياسيون الفاسدون، الذين اصبحت اخبارهم وقضاياهم تملأ الصحف،. ورائحة انحرافاتهم السياسية والاقتصادية تزكم الانوف، رموا كل الشعارات والخطب، التي شدت الناس اليهم، واستغلوا الامانة التي حملها اياهم المواطنون، وحادوا عن جادة الصواب، ومارسوا هواية امتصاص عصارة الشعوب، ولم يقيموا حاجزا او فاصلا، بين العام والخاص، فاصبح ما في جيب الحكومة في جيوبهم. هؤلاء الساسة الفاسدون، لم يتركوا شيئا، الا وحاولوا الاستحواذ عليه ونهبه، ولو اتيحت لهم الفرصة، ليسرقوا حبات المطر، لما تأخروا عن اداء هذه المهمة على خير وجه. نجوم المرحلة تزخر قائمة السياسيين، الذين يواجهون حاليا، تهما بالفساد المالي والاداري، والكسب غير المشروع، ابان فترة توليهم السلطة، بالعديد من الرؤساء الذين كانوا محور اهتمام العالم وانشغاله. ويلحظ المتأمل والمحلل لهذه القائمة، ان اغلب الموجودين بها، من دول اسيوية، وبالاخص ما كانت تطلق عليها اسم «النمور» والتي ظهرت وازدهرت اقتصاديا في تسعينيات القرن الماضي. ومع وجود هذه الطفرة الاقتصادية الكبيرة، واستلام شخصيات سياسية مقاليد السلطة، وهي ليست على مستوى من النضج القيمي والثقافي والاخلاقي اتسعت رقعة الفساد والثراء الفاحش، وتحول الساسة الى «قطط سمان» لا هم لهم سوى زيادة ارصدتهم بالبنوك. بيت العنكبوت عند الحديث عن الفساد في آسيا، لابد وان نبدأ من اندونيسيا، التي تشبه الى حد كبير «بيت العنكبوت» في وهنه وضعفه، ومن ثم اغرت ساستها على نهبها وامتصاص ثرواتها ومقدراتها. واليوم نجد بشكل عام، ان جميع الرؤساء السابقين لهذه الدولة متهمون بالفساد حتى ولو انكروا ذلك، ويأتي على رأسهم الديكتاتور سوهارتو الذي يستحق بحق لقب «شيخ الفاسدين». وفي كتابه «سوهارتو... سيرة ذاتية» عرض روبرت ايلسون، بشكل سريع بدايات الفساد المبكر للرئيس الاندونيسي الاسبق، حيث ذكر ان سوهارتو متهم بالتهريب في اواخر الاربعينيات في منظمة «جوكجاكرتا» وكاد يفصل من الجيش لولا مساعدة الجنرال غتوسو بروتر الذي انقذه من هذا المصير، وقد اسس سوهارتو مؤسسة اقتصادية تنموية في عام 1957 في جاوا الوسطى، وتوسع نشاط هذه المؤسسة كثيرا، مما ادى الى اتهامه من قبل الاستخبارات العسكرية بالفساد. وعقب خروجه من السلطة، بعد 32 عاما في الحكم، وجهت له الحكومة الاندونيسية، اتهامات بالحصول على حوالي 500 مليون دولار من اموال الدولة، ورفضت الرئيسة الحالية ميجاواتي سوكارنو بوتري اسقاط التهم عنه لدواع صحية. خلفاء المصير بمجرد انتهاء حقبة سوهارتو، بدأت اندونيسيا تطبيق القانون، فوق الجميع، وقررت محاسبة كل من يشتبه بارتكابه جرائم فساد، بل انها بدأت اولا بتصفية شجرة فساد عائلة سوهارتو نفسه، حيث وجهت اتهامات لنجله تومي بالفساد وحكم عليه بالسجن عاما ونصف، ثم قررت ملاحقته ايضا بتهمة قتل قاضٍ. بعد سوهارتو تولى الرئاسة في اندونيسيا يوسف حبيبي، الذي قاد البلاد في مرحلة عصيبة عقب انتفاضة شعبية اطاحت بالديكتاتور السابق، ورغم انه لم يظل بالحكم مدة طويلة، الاان ثوبه تلوث ايضا بالفساد. فقد وجه له الادعاء الاندونيسي تهماً، تتعلق بالانفاق غير المشروع لاموال هيئة الاغذية الحكومية المعروفة باسم «بولوج». هذه الفضيحة طالت ايضا رئيس البرلمان الاندونيسي اكبر تانجونغ، حيث اتهمه الادعاء العام باعطاء تفويض لسحب اكثر من اربعة ملايين دولار من «بولوج» كانت مخصصة لتوفير اغذية للفقراء، واستغلالها في تمويل حملة حزبه الانتخابية عام 1999. وقد نفى تانجونغ هذه الاتهامات، وقال انه دفع المبلغ لاحدى مؤسسات الاغاثة الانسانية، اثر الأزمة المالية التي حدثت في اندونيسيا عام 1996 لكنه لم يذكر اسم تلك المؤسسة. اما الرئيس الاندونيسي السابق عبدالرحمن واحد، فلم يسلم كذلك من الاتهامات، حيث وجهت الى اثنين من مساعديه المقربين السابقين، تهم بالحصول على رشوة من تومي سوهارتو لمساعدته في الحصول على عضو رئاسي، من حكم صدر بحقه. وعلى خطى زوجها، اتهمت نورية واحد زوجة الرئيس السابق من قبل تومي سوهارتو، بتلقي مؤسسة كانت ترأسها مبلغ 200 الف دولار من بين مليوني دولار دفعت للحصول على العفو الرئاسي، الا انها نفت ذلك وقررت مقاضاة نجل سوهارتو. السيد 10% من اندونيسيا الى باكستان، حيث الكل في الهم سواء، اذ تعاني النخبة السياسية الحاكمة، من اتهامات كثيرة بالفساد والمحسوبية بعضها قد يكون حقيقيا والبعض الاخر مجرد اشاعات من المؤسسة العسكرية صاحبة اليد الحديدية في السيطرة على البلاد. ومن ابرز من اكتوى بنار الفساد في باكستان، بنازير بوتو التي كانت اول واصغر رئيسة وزراء دولة اسلامية، واستطاعت الوصول لهذا المنصب مرتين، الا ان حكومتها اسقطت عام 1996 بقرار من الرئيس فاروق ليغاري، بعد تجدد الاتهامات لزوجها بالرشوة والفساد، والدخول في علاقات اقتصادية مشبوهة، للدرجة التي بات يعرف بها في الاوساط الاقتصادية الباكستانية، بـ «السيد 10%» تلميحا الى نسبة الـ 10% التي كان يتقاضاها على معظم الصفقات التي تجريها الحكومة. الفنان الفاسد كان الرئيس الفلبيني السابق جوزيف استرادا ولايزال من الرؤساء القلائل في اسيا، الذين يتمتعون بجماهيرية شعبية، نظرا لكونه نجما سينمائيا سابقا، استطاع ان يأسر قلوب المشاهدين واعجابهم قبل عقولهم. لكن استرادا قرر فجأة ان يتقمص دور الفاسد سياسيا في الواقع، واستطاع خلال فترة حكمه القليلة نسبيا، اذ لم تستمر سوى 30 شهرا، ان يكون ثروة تقدر بنحو 80 مليون دولار، مما دفع السلطات القضائية في بلاده، الى توجيه تهم بالفساد اليه، وهي جريمة تعرضه لعقوبه السجن مدى الحياة كحد ادنى، وعقوبة الاعدام كحد اقصى في حالة ادانته. ومن الفلبين الى ماليزيا، حيث يقبع حاليا خلف القضبان انور ابراهيم وزير المالية ونائب رئيس الوزراء السابق، لقضاء عقوبة السجن 15 عاما، لادانته بالفساد المالي والانحراف الاخلاقي الا انه ينفي ذلك ويرى ان مهاتير محمد دبر هذه الاتهامات كجزء من مؤامرة سياسية لاقصائه من الحكم. اما البرتو فوجيموري رئيس بيرو السابق، فلايزال يعيش في اليابان، بعد ان ازاحه البرلمان، بسبب تورطه في فضائح فساد مالي وانتهاكات لحقوق الانسان. واكدت حكومة بلاده، ان هناك ادلة دامغة على تورط فوجيموري في نهب اموال تعود للميزانية العامة، من خلال عمليات سحب منظم وصلت الى ملايين الدولارات. طائرات حسينة وجه انثوي آسيوي، انضم مؤخرا لقائمة المتهمين بالفساد، وهي شيخة حسينة واجد رئيسة وزراء بنغلاديش السابقة، اذ توجه لها الحكومة تهما بمسئوليتها عن التصرف بمبلغ 122 مليون دولار بشكل غير قانوني. كما يوجه لها اتهام بالحصول على مكاسب مالية، من شراء بنغلاديش ثماني طائرات روسية الصنع من طراز ميغ 29، اضافة الى اتهامها بسوء استخدام السلطة والاختلاس، عبر تعيين شركة استشارية لتطوير منطقة صناعية. ويتكرر الاتهام بقضايا الفساد في بنغلاديش حيث سبق لخالدة ضياء رئيسة الوزراء الحالية والطاف حسين شودري وزير الداخلية الحالي، ان وجهت لهما تهم بالفساد اثناء وجود شيخة حسينة في السلطة.، اما في كوريا الجنوبية، فالوضع مختلف تماما، اذ ان رئيسها كيم داي جونغ رجل نظيف، لكن اولاده فاسدون، وبالتالي عرضوا سمعته وصورته للتشويه، الى درجة دفعته للاعتذار وتقديم استقالته من رئاسة حزبه، رغم قيامه بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة لمكافحة جرائم الفساد. وقصة ولديه مثل قصة كل ابناء الكبار الذين يستغلون مناصب ابائهم لتحقيق المزيد من المكاسب التجارية، حيث يجرى التحقيق معهما الان، من اجل معرفة مدى المكاسب غير المشروعة التي حققوها من خلال مركز والدهما. الفساد عربياً اذا كان الباكستانيون يصفون زوج السيدة بوتو بالسيد 10% فاننا في العالم العربي، يمكن ان نزيد على ما يقولونه، ونؤكد ان لدينا نماذج كثيرة مشابهة لزوج بوتو، وان ايا منهم، يستحق ان يطلق عليه لقب «السيد 90%» وخلال السنوات الماضية، بدأت محاولات لكشف ملفات بعض الفاسدين كانوا للاسف خارج السلطة، اذ لم يستطع احد الاقتراب منهم وهم يمارسون مهام مناصبهم التي استغلوها في تحقيق مكاسب غير مشروعة. وتعتبر المحاولات الخجولة في العالم العربي، لكشف هؤلاء الفاسدين مجرد نوع من تجميل الصورة المشوهة، اكثر منها منحى جادا نحو اعادة صياغة وجه نظم تضم بين جنباتها عددا كبيرا من الفاسدين. ومما لاشك فيه ان المواطن العربي البسيط، يستحق بعد كل ماعاناه على مدى العقود العديدة الماضية، ان يشهد عملية غربلة فعلية للفاسدين، الذين امتصوا عصارة جهده، وازدادو غنى وهو للأسف مازال يقبع في الفقر المدقع. خالد سيد احمد