تقول الأساطير اليهودية حسبما ورد في التلمود إنه ستدور معركة فاصلة على جبل «مجيدو» بفلسطين لتكون نهاية العالم وآخر حروبه وسيرتفع فيها الدم الى أعناق الخيل وتباد أمم وشعوب، وجيوش ويتمكن اليهود من بناء هيكلهم الثالث مكان المسجد الأقصى. وهناك في أمريكا كما تقول «نيويورك تايمز» في عددها الصادر يوم 27 ديسمبر 1988 قس متحمس لهذه الفكرة اسمه «كلايدلوت» حيث يعمل منذ سنوات على انتاج بقر أحمر غير مبقع استعدادا لاستخدام رماده بعد التضحية به في مذابح الهيكل الثالث لأن القداس الحقيقي لا يجوز بغير رماد هذا النوع من البقر الصافي. ومع تزايد المد الديني داخل المجتمع الاسرائيلي الذي يؤمن بهذه الأساطير صعد السفاح أرييل شارون زعيم حزب الليكود الى الحكم بأغلبية لم تتحقق لأنه وعد الناخبين بأنه سيفتح لهم المجال لدخول الأقصى وبعد وصوله الى الحكم وتنفيذا لذلك الوعد شكل لجنة وزارية تدرس امكانية دخول اليهود لزيارة ساحات الأقصى كما أصدر توجيهاته للأجهزة الأمنية في ابريل 2001 بتحديد الطريقة المناسبة لضمان ما سماه الحق المزعوم لليهود في زيارة الحرم القدسي الشريف وفي 29 يوليو 2001 سمح لمجموعة يهودية من حركة أمناء جبل الهيكل بوضع حجر أساس رمزي للهيكل الثالث المزعوم في منطقة باب المغاربة خارج باحات المسجد الأقصى. كما تواصل السلطات الاسرائيلية حفر الأنفاق تحت المسجد الأقصى بحثا عن الهيكل اليهودي المزعوم الأمر الذي أدى الى حدوث تصدعات خطيرة في منشآت الأقصى وفي ذات الوقت تمنع دخول مواد الترميم اليه للتعجيل بانهياره في ظل الأنفاق الكثيرة التي يقوم بها اليهود منذ عام 1967 لبناء الهيكل اليهودي المزعوم مكانه. فما هي قصة هذا الهيكل والهدف من إنشائه ولماذا يمثل كل هذه القداسة لدى اليهود والذي من أجله ارتكبوا من الجرائم ويستعدون لارتكاب المزيد. كل هذه الأسئلة يجيب عليها المستشار طه الشريف نائب رئيس محكمة النقض المصرية السابق في بحثه الهام عن هيكل سليمان والموثق بخريطة توضيحية له. يقول المستشار طه الشريف ان مدن فلسطين التي تطل على ضفاف نهر الاردن والبحر المتوسط ومن بينها أريحا وغزة ووادي الجليل وأوسالم «القدس» كان يسكنها الكنعانيون ويتولون حكمها وهم الأصول الأولى للفلسطينيين. أما العبرانيون وهم الأصول الأولى لبني اسرائيل فكانوا قبائل رحل يعبرون من مدينة لأخرى طلبا للرزق إذ لم يكن لهم وطن يستقرون فيه الى أن اختاروا مصر لتكون مكان إقامتهم طبقا لروايات التوراة لأن مصر كانت تمثل حضارات التاريخ وفيها تتفجر ينابيع الخير والرزق ففضل العبرانيون أن يعيشوا عبيدا للمصريين القدماء من أجل حفظ حياتهم من الجوع والتشرد ولكنهم لم يبقوا بها أكثر من اربعة قرون ثم رحلوا عن أرضها. وتقول بعض الوثائق التاريخية أنهم خرجوا من مصر عام 1446ق.م وافترشوا أرض سيناء بقيادة النبي موسى عليه السلام الذي تلقى الوصايا العشر من الله فتصور العبرانيون أن الله اختارهم دون غيرهم للرسالة ومن ثم أطلقوا على أنفسهم شعب الله المختار أو شعبه البكر خلقهم ليتولى شئونهم دون سائر الشعوب الأخرى غير أن الشعب العبراني لم يرق فكره وعقيدته الى التنزيه الكامل للإله لأنهم تصورا أن الله محسوس مادي خاص بهم يسير أمامهم في عمود نار ليلا ليهديهم الى الطريق وينشر فوقهم نارا في سحابة كثيفة ليحميهم من وهج الشمس وتمادى العبرانيون في ماديتهم حتى صوروا ان له كل أحاسيس البشر، بل انه يبتهج بمنظر الدماء ويتنسم رائحة الشواء ويندم على فعل ويحزن ويتأسف في قلبه وله قدمان ووجه وظهر كما صورته «بعد تحريفها من جانب اليهود» التوراة إنسانا صارع يعقوب وضربه على فخذه وقد أطلق اليهود عليه عدة أسماء.. كان أبرزها اسم «يهوه». ويدعى العبرانيون «اليهود» ان «يهوه» طلب من موسى عليه السلام أن يبني له هيكلا مقدسا ليسكن فيه وسط الاسرائيليين «سفر الخروج» وجاء بسفر اللاويين ما يلي: قال يهوه لشعبه واجعل مسكني في وسطكم وأسير بينكم وأكون إلها وأنتم تكونون لي شعبا أنا الرب الذي أخرجكم من أرض مصر من كونكم عبيدا ل «وحقق موسى للرب «يهوه» ـ حسب اكاذيبهم ـ طلبه فبنى له خيمة ليحل فيها وسميت خيمة الاجتماع ثم تطور الأمر من نبي الى آخر من أنبياء اسرائيل حتى وصل الأمر الى داود عليه السلام فقد عزم داود ـ كما يزعم اليهود طبعا ـ على بناء هيكل للرب ليقيم فيه بدلا من سيره على أقدامه أمامهم ولكن «يهوه» رب بني اسرائيل قال على ما يحكي سفر صموئيل الثاني «إذهب وقل لعبدي داود لست أنت الذي تبني لي بيتا لإقامتي فمنذ أن أخرجت بني اسرائيل من مصر الى هذا اليوم لم أسكن في بيت بل كنت أنتقل من مكان الى آخر في خيمة هي مسكن لي« وهكذا رفض «يهوه» أن يبني داود له سكنا «هيكلا» لأن داود ـ حسب مزاعم اليهود واكاذيبهم ـ كان قد ارتكب آثاما عديدة طبقا لروايات العهد القديم. هيكل سليمان وطلب «يهوه» من سليمان بن داود ـ وفق ادعاءات اليهود ـ بناء الهيكل واستجاب سليمان عليه السلام لرغبة يهوه إذ جاء بسفر الملوك الأول: «قال الرب أنه يسكن في الضباب ولكني بنيت له هيكلا رائعا لمقر سكناك الى الأبد» وكان الهدف من بناء الهيكل ليس اقامة الصلوات بل ليكون مقرا دائما للإله «يهوه» حيث ينعم فيه بالراحة. ويشير الشريف إنه بالقاء نظرة على رسم الهيكل نجد أن الهيكل ينقسم الى قسمين رئيسيين - القدس وهو بهو متسع يرتفع حوالي 45 قدما وقد خصص لاجتماع الكهنة ووضعت فيه موائد الاجتماعات ومنابر الخطابة ومذبح للبخور وهذا البهو يدلف الى غرفة أخرى سميت - قدس الأقداس وهو الموضع الذي خصص للإله «يهوه» لكي يحل فيها وينعم بالراحة والاستقرار ويوجد به لاقامة الإله نابوت يسمى نابوت العهد مغطى بما يسمى عرش النعمة وهو غطاء موشى بالذهب يحتوي على لوحي الشريعة التوراتية ويفصل بين القدس «بهو الكهنة» وقدس الأقداس الذي يتواجد فيه «يهوه» ستارة من الكتان الفاخر ذات ألوان ثلاثية الأزرق والبنفسجي والأحمر رسم عليها صورتان تمثلان صورة الملاكين الحارسين لتابوت العهد. نهب الهيكل ودماره ولكن اسرائيل انقسمت بعد سليمان الى مملكتين الأولى سميت مملكة اسرائيل الشمالية والثانية سميت مملكة يهوذا وقد سقطت المملكة الشمالية عام 722ق.م بعد أن دمرها الآشوريون وسقطت المملكة الجنوبية في يد البابليين عام 586ق.م بقيادة نبوخذ نصر الذي أمر بتدمير أورشليم تدميرا تاما وأحرق الهيكل «هيكل سليمان» وأشعل النار في جميع قصور ومباني المدينة وأسر اليهود وحملهم الى بابل ليصيروا عبيدا له غير أنه خلال حكم الملك كورسن ملك فارس سمح لليهود بالعودة الى أورشليم وهناك فكر زعيمهم زر بابل ببناء هيكل جديد على أنقاض هيكل سليمان إذ لم يعد لهذا الهيكل أي وجود على خريطة فلسطين. والهيكل الذي بناه زر بابل ومعه عزرا من زعماء اليهود كان بناء متواضعا وفي مساحة تقل كثيرا عن مساحة هيكل سليمان وقيل أنه بني على سفح أعلى جبل في القدس ولكن لا توجد أية وثيقة جغرافية تحدد مكانه بالدقة وإنما يحاول اليهود البحث عن بعض أطلاله الغائرة في بطون المرتفعات والوديان حتى تصوروا أن المسجد الأقصى بني على أنقاضه ومن ثم حفروا الأنفاق تحت المسجد الأقصى ولم يجدوا شيئا. وتقول بعض المصادر انه عند ظهور المسيحية كان السيد المسيح يتردد على هيكل زر بابل ليلقي بعض المواعظ ولم يكن لهذا الهيكل أية قدسية إذ احتله الباعة والصيارفة فكان المسيح يقوم بطردهم من قاعاته، وكان بعض حكام اسرائيل قد عادوا الى الوثنية ووضعوا في الهيكل أصنامهم لعبادتها وصنع بعضهم عجل الذهب واعتبروه إلاههم المقدس ومن هؤلاء الحكام بريعام الأول ورحبعام وبعثا وعمري وغيرهم. تدمير هيكل زر بابل حينما كان المسيح عليه السلام يذهب للهيكل لإلقاء مواعظه كان اليهود يقفون ضده بشدة ويعتدون عليه انطلاقا من أن الهيكل لليهود وليس للمسيح فتنبأ المسيح بتدمير الهيكل حيث جاء في أنجيل لوقا على لسان المسيح عن الهيكل «إن هذا الذي تروه ستأتي أيام لا يبقى فيها حجر منه فوق حجر إلا ويهدم» إنجيل لوقا إصحاح 21. وقد تحققت نبوءة المسيح عليه السلام وتهدم الهيكل واجتث من أساساته وجذوره عام 70م عندما أغار جيش الرومان على أورشليم وأحرقوا المدينة بما فيها ومن فيها ودمروا الهيكل تدميرا كاملا ثم تشتت اليهود في مختلف بقاع العالم وانتهت أسطورة الهيكل بغير رجعة. ويقول الشريف في ختام الدراسة أنه يتضح مما تقدم أن الفلسطينيين وقبلهم الكنعانيين كانوا يسكنون ديار فلسطين وأن اليهود وإن كانوا قد حكموها فترة من الزمن إلا أنه ومنذ عام 70م لم يعد لهم أثر في فلسطين إذ شتتوا في بقاع الأرض حتى عام 1948 عندما احتلوا بعض مدن فلسطين بالقوة وبمساعدة بعض القوى الاستعمارية في ذلك الوقت. وأن هيكل سليمان دمر عن آخره ودمر بعده هيكل زر بابل وأن الأديان ومنطق الاجلال لله فان كل ماذكر اليهود من صفات مادية امر لا يستقيم مع التدين الصحيح، فالله جل شأنه يتنزه عن كل هذه الاوصاف التي يزعمون انها نزلت عليهم في التواره، ومن ثم فإن عقيدة شعب الله المختار هي عقيدة موضوعة زائفة وبالتالي فإنه ليس لليهود أي حق في القدس سواء من الناحية التاريخية أو الدينية أو القانونية.