يتمتع حزب الأمة بمزايا كثيرة وضعته فى مقدمة الأحزاب السودانية اذ نال فى آخر انتخابات برلمانية ديمقراطية 101 مقعد متفوقا على غريمه الثانى الاتحادى الديمقراطى بنحو أربعين مقعدا، وهو يتمتع بقاعدة جماهيرية عريضة فى وسط البلاد وغربها تدين بولاء ثابت للبيت المهدوى، ووجد الحزب فى رئاسة الصادق المهدى منذ منتصف الستينيات قيادة شابة مثقفة وطموحة استطاعت أن تجذب للحزب نسبة كبيرة من المثقفين كانت من قبل تنفر من الارتباط بحزب الأمة، وبنى الحزب علاقات طيبة مع معظم الفصائل الجنوبية، ومد جسور اتصال مع تيار اليسار رغم تأييده حل الحزب الشيوعى عام 67 ، وحسّن علاقته فى الآونة الأخيرة مع مصر التى كان يبادلها الشك والجفاء، وحاول تبنى سياسة وسطية بين الأصالة والحداثة فى الاتجاه الفكرى وبين العروبة والإفريقية والإسلامية فى العلاقات الخارجية. وتوفرت لآل المهدى موارد مالية أعانتهم على تسيير أنشطة الحزب دون عناء كبير مما ثبت سيطرة زعيم البيت على قيادة الحزب دون منازع. ووقفت قيادة الحزب موقفا مشهودا فى الدفاع عن الديمقراطية ابان الحكومات العسكرية الثلاث خاصة فى عهد الرئيس نميرى الذى طال ستة عشر عاما. ولكن تجربة الديمقراطية الثالثة التى تولى فيها الحزب رئاسة الحكومة فى ظروف اقتصادية وأمنية صعبة أثرت كثيرا على صورة الحزب وامكانات قيادته الادارية والسياسية، فقد كان أداء الحكومة ضعيفا مما حدا برئيسها الصادق المهدى لحلها أربع مرات فى ثلاث سنوات. واهتزت صورة الحزب أكثر فى السنوات القليلة الماضية وخاصة بعد خروجه من التجمع الوطنى الديمقراطى وعودة قيادته للبلاد منذ أكثر من عامين، فقد ظهرت شروخ واضحة فى جسم الحزب العتيد تمثلت فى عدة مظاهر: الاعتداء على د. عمر نور الدائم نائب رئيس الحزب من بعض عناصر مليشيا الحزب، تجميد عضوية كل من بكرى عديل ثم مبارك الفاضل بواسطة لجنة ضبط الأداء التى تقل درجة أعضائها عن مكانة من حاسبتهما ثم نقض رئيس الحزب للعقوبتين بعد أن سبق له تأييدهما، التراشق والتصريحات المتعارضة من قيادات الحزب تجاه العلاقة مع الحكومة والمعارضة، منع حرس الدار بعض أعضاء المكتب السياسى من الدخول للاشتراك فى اجتماع للمكتب السياسى، المواقف المتباينة لعضوية الحزب من الطلاب والمحامين فى التعامل مع الحكومة والمعارضة، الأداء الضعيف للحزب فى انتخابات الجامعات، اختلاف الرأى حول مقترحات لجنة تقويم أداء الحزب برئاسة الحاج نقد الله الى درجة أن رئيس الحزب توعد باللجوء الى استفتاء قاعدة الحزب لحل الإشكال! كل تلك المظاهر تدل على شروخ عميقة يتوجب على قيادة الحزب أن تسعى لحلها بأسرع وقت فى ديمقراطية ومؤسسية وشفافية. ولكن ما هى الأسباب التى أدت الى ضعف أداء الحزب فى هذه الفترة والى ظهور تلك الشروخ التى دفعت البعض الى التصريح بتغيير قيادة الحزب؟ وهو أمر ما كان يخطر على بال! اتسمت سياسة الحزب منذ عودة قيادته للسودان باضطراب شديد تجاه قضية محورية لا تحتمل أنصاف الحلول، وهى علاقة الحزب مع الحكومة. هل هو معارض لها أم يرغب فى تحالف معها؟ ظن الناس أن الحزب قد حسم أمره برفض المشاركة فى الحكم مطلع العام الماضى حين احتشد طلابه فى الدار أثناء اجتماع المكتب السياسى يطالبون بعدم المشاركة، ولكن ظلت المفاوضات جارية مع الحكومة بواسطة لجان متعددة الى اليوم حول ذات القضية. والحكومة ليست فى عجلة من أمرها فهى لن تخسر شيئا بطول المفاوضات بل تكسب تجميد معارضة حزب فى حجم حزب الأمة. ولكن الى متى يطول انتظار حزب الأمة؟ ليس الأمر سهلا لأن قيادات الحزب العليا منقسمة على نفسها: قسم يعارض المشاركة من الحرس القديم ويتمسك بثمن سياسى يتمثل فى الغاء قانون الطوارئ والقوانين المقيدة للحريات واجراء انتخابات برلمانية قريبة وتعديلات دستورية، وقسم براجماتى حتى النخاع يرغب فى التحالف مع الحكومة يرى انك ان لم تستطع اسقاط الحكومة فينبغى أن تشارك فيها، والمعارضة حاليا ليست مؤهلة لإسقاط الحكومة بحال من الأحوال. أما الكسب السياسى فيأتى لاحقا بعد مزاحمة الحزب الحاكم فى ادارة الدولة لا قبلها. والقيادات التى تدعو للتحالف تملك المال والشباب والجدّة! عجز الحزب حتى الآن عن تنظيم أجهزته القاعدية على مستوى الأقاليم والولايات، وظل المؤتمر العام بندا مؤجلا. ويبدو أن الحالة المالية للحزب تعانى من ضمور الموارد التى تؤدى بدورها لضعف النشاط ولإضعاف تأثير القيادة التى يتوقع منها حل المشكل المالى حسب التقاليد الحزبية الراسخة! وأخيرا فان الإهتمامات المتعددة للصادق المهدى فكريا وسياسيا فى شتى أنحاء العالم تحرم الحزب من جهده ووجوده وبالتالى من قيادته السياسية الفاعلة، كما أن مزاجه التوفيقى بين الأراء المتعارضة يؤدى الى ضبابية الرؤية السياسية والى تجميد حركة الحزب من الناحية العملية. واذا أدى ذلك الى فراغ ما داخل الحزب فسيظهر من القيادات الطموحة من يحاول ملء ذلك الفراغ. وليس هناك من بديل أمام هذا الحزب العتيد الا أن يواجه أسباب أزمته الحالية بجرأة وحسم ولكن على أساس من المبادئ الديمقراطية والمؤسسية والشفافية. فهل يفعل؟