منذ اكثر من اسبوعين نظمت الاوابك العربية في مدينة القاهرة، لقاء لمسئولي النفط في الدول العربية، افتتحه رئيس الوزراء المصري، عاطف عبيد، نيابة عن الرئيس حسني مبارك، القى فيه كلمة الرئاسة التي تحمل برنامجا اقتصاديا تنمويا يرتكز على حسابات المصالح المتبادلة، والثقة الراسخة، والمسئولية المرتفعة بين المنتجين والمستهلكين. وقد جاء صوت الرئيس حسني مبارك معبرا عن صوت مصر المتعقل، ونضج مصر النابع من مخزون تاريخي عميق، ومدركا للحاجات الملحة لمتطلبات التنمية في مصر وخارجها في العالم العربي، ومترجما هموم المواطن البسيط العادي الذي لا تطعمه الاصوات الحادة التي تجلس وراء ميكروفونات الفضائيات، ولا مقالات المحللين وكتاب الزوايا الذين يكتبون بغضب، ويلطمون اكثر مما يبنون، ويدعون للدمار اكثر مما يساهمون في البناء. وقد اعجبني الرئيس حسني مبارك في تقديمه المنظومة الواعدة والفاهمة لدبلوماسية النفط التي جوهرها الثقة المتبادلة، وسبيلها الاطمئنان، وهدفها تحقيق التقدم والتطور في المجتمعات العربية التي عانت من عبث الايديولوجية السياسية المدمرة للاقتصاد، والتي قوضت فرص الاستفادة من المبادرات الخاصة للمجتمع. وجاءت رسالة الرئيس المصري وسط الاجواء المحبطة حول القضية الفلسطينية التي دفعت بأصحاب العواطف الملتهبة للبحث عن ادوات تصيب واشنطن في حساباتها السياسية والاقتصادية، فكان صداها مؤثرا وحيويا في انحسار الدعوة اليائسة التي حاولت ادخال النفط في معارك سياسية مؤذية للمصالح العربية ومحطمة للاستراتيجية العربية في الالتزام بالخيار السلمي لحل قضية فلسطين. والدعوة الى اللجوء الى النفط هي وليدة عقل قاصر، وحماس بالغ، وعواطف جياشة ملتهبة ليس فيها عنصر حكمة ولا تجلب الفائدة للعرب، في هذه الحقبة التي تشهد التشابك في المصالح بين اعضاء الاسرة الدولية. وأود ان ابدى بعد الملاحظات اولا: في رد على سؤال عن احتمال اللجوء الى النفط كسلاح سياسي، اجاب الدكتور محمد صباح السالم، وزير الدولة للشئون الخارجية، بأنه لابد من تجنيد كل العناصر المتوفرة لمواجهة اسرائيل اذا ما قرر العرب اللجوء الى تلك المواجهة، واولها العنصر العسكري والدبلوماسي والسياسي والاقتصادي، وكل ما يمكن ان يفيد في المعركة التي يجب ان تتسم بشكل جماعي، لان تجزئة الاختيارات وحصرها في موضوع واحد لا يخلق استراتيجية المواجهة الجماعية ويعود بالدمار على العرب. وقد سبق لدول الخليج ان اعلنت بأنها ستواصل الوفاء بالتزاماتها الاقليمية والدولية، ولن تقبل التعرض لموضوع النفط، كما انها مستعدة لتلبية حاجة المستهلكين اذا انخفض الانتاج العالمي. ثانيا: كانت تجربة 1973 عابرة وفريدة، حدثت في فترة مختلفة، وفي اوضاع جيوسياسية لاتقارن بالوضع الحاضر، لاسيما في منطقة الخليج. في عام 1973 التزمت دول الخليج وحدها بوقف التصدير الى واشنطن وهولندا، ولم تشارك ليبيا ولا العراق، كان المرحوم الملك فيصل وراء ديناميكية النفط السياسي، شاركه قادة الخليج، وجلبت تلك الخطوة المردود المالي، لكنها ايقظت الحس الاحترازي في الولايات المتحدة بالذات، وفي الدول الغربية حيث تطورت تكنولوجيا النفط، واتسعت عمليات الاكتشاف والتنقيب، وشيدت دول الغرب خزانات احتياطية ضخمة، وارتفع حجم الابحاث عن الطاقة البديلة، ونجحت الدول المستهلكة في امتصاص آثار المقاطعة الخليجية، وأمنت لها الملاذ من احتمالات المستقبل. ثالثا: اتخذت دول الخليج ترتيبات من اجل خلق بيئة مناسبة للتعاون مع الدول الغربية والشركات العاملة فيها، لتطوير حقول النفط والاستحواذ على التقنية المتطورة وعدلت قوانين لها واجراءاتها الادارية وشكلت المجالس المتخصصة للتفاوض مع الشركات النفطية لتجديد الحقول القديمة ودعم البنية الانتاجية بمقومات متطورة، تحتاج الى اموال ضخمة متوفرة لدى الشركات غير الوطنية، صاحبة الخبرة في فنون الادارة والمالكة لاخر المبتكرات التكنولوجية. لا تستطيع دول الخليج ان تواصل مسيرة الماضي في حدود ما توفره الطاقات الحالية من دخل نقدي، بعد زيادة الاعباء الوطنية والاقليمية والدولية، وبعد ان صار البحث عن بدائل للدخل عنصرا استراتيجيا في خطة التنمية، مع الرغبة في الارتفاع بدور القطاع الخاص ليساهم في التنمية الشاملة. في يوم السبت 18 مايو الجاري، نشرت صحيفة «الحياة» بأن المملكة العربية السعودية دعت شركات الطاقة الدولية الى التوصل في اسرع وقت الى توقيع اتفاقيات في شأن الشروط التجارية لتنفيذ العقود التي حصلت عليها ضمن مبادرة الطاقة، وان المملكة تضغط على شركات النفط الكبرى للتوصل سريعا الى اتفاقات في شأن الشروط التجارية في مشروعها الضخم لفتح قطاع الغاز. كانت المملكة قد وقعت في شهر يونيو الماضي اتفاقات تمهيدية مع ثماني شركات كبرى لتطوير حقول الغاز واقامة مصانع بتروكيماويات ومحطات كهرباء وتحلية مياه. وتقود هذه المشاريع شركات اكسون موبيل، ورويال داتش شل، وبريتش بتروليوم، وفيليبس، واوكسيدنتال بتروليوم، وتوتال فينا، وكونوكو، ومن المتوقع ان تضخ هذه الشركات في المرحلة الاولى فقط، ما بين 20 الى 25 مليار دولار في مجال صناعة الغاز واقامة المرافق العامة. واذا كانت المملكة قد سبقت دول الخليج في اصدار قرارات الانفتاح والترحيب بأصحاب الخبرات والاموال والتكنولوجيا، فان الدول الخليجية الاخرى لم تكتف بالانتظار وانما سارعت في تبني التدابير المناسبة لاغراء المستثمر الاجنبي النفطي، ونشاهد في الكويت مظاهر الحرص على التواجد الاستراتيجي للشريك الاقليمي في صناعة النفط. رابعا: تتميز علاقات دول الخليج مع الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة بالشراكة الاستراتيجية المستندة على شبكة واسعة من التفاهمات السياسية والامنية والاقتصادية والمصالح المتبادلة في مختلف المجالات، ترسخت هذه الشراكة خلال العقدين الماضيين، ووصلت الى اعلى ارتفاع لها خلال الغزو وبعده. وتتفاوض دول مجلس التعاون الان مع الاتحاد الاوروبي، ومع اليابان، ومع الولايات المتحدة لعقد اتفاق تجارة حرة بين مجلس التعاون وهذه الاطراف الثلاثة التي تحتكر القوة الاقتصادية العالمية. وقد تأخرت حصيلة المفاوضات لمسببات غير سياسية تعود بالدرجة الاولى الى عدم توصل مجلس التعاون الى الاتحاد الجمركي الخليجي الذي من المنتظر ان يتحقق في عام 2003 وفق قرار المجلس الاعلى لدول مجلس التعاون. واذا ما تحقق هذا الاتحاد الجمركي الموحد، فان الطريق الى اتفاق التجارة الحرة سيصبح سهلا. كما ان الدورة الاقتصادية العالمية شهدت تداخلا بين اعضاء الاسرة العالمية مما جعلها اقرب الى المنظومة الاقتصادية الموحدة. وترتبط دول الخليج بالتزامات تعاقدية سياسية وامنية واقتصادية، لا يمكن ان تنسحب منها دون دمار وخراب يدفعها الى جلد الذات والضمور الاستراتيجي الذي ترفضه، ولهذا فإن مجلس التعاون ليس في مزاج للاستماع الى صيحات المتحمسين لمعاقبة واشنطن، ودون مجلس التعاون لاقيمة لاي رادع اقتصادي او سياسي. خامسا: تتابع دول مجلس التعاون تطور مخزون الطاقة في الجمهوريات السوفييتية السابقة، وتوجه الشركات الغربية الكبرى نحو تلك المنطقة بحثا عن اكتشافات جديدة، تحسبا لمتطلبات المستقبل التي ستشهد طلبا واسعا على الطاقة لا تستطيع اوبك الوفاء به، اذا ما سارت على النهج الحالي، لاسيما دول مجلس التعاون التي لم تطور حقولها ولم تدخلها التكنولوجيا الحديثة. وتلتزم دول الخليج بالمصالح الوطنية العليا التي تفرض ضروراتها لتمكين هذه الدول من البقاء في لائحة التأثير استراتيجيا وسياسيا واقتصاديا، والحفاظ على الاهمية المتميزة لها في الامن والسلام الدوليين، وعلى علاقاتها المباشرة مع التنمية الاقتصادية العالمية. سادسا: نشرت المجلة الفصلية المتميزة «الشئون الخارجية» «foreign affairs» في عدد مارس، ابريل، دراسة رائعة عن «حرب النفط الجديدة» ابرز ما فيها الدور الروسي الساعي الى استبدال دور المملكة العربية السعودية في اسواق النفط العالمي، بدور روسي مغري ومستقر وشريك في القرار العالمي. تقول الدراسة بأن الاستهلاك العالمي هو سبعة وسبعون مليون برميل يوميا، سترفع في عام 2020 الى مئة وعشرين مليون برميل يوميا، بسبب التوسع الصناعي في الغرب وفي شرق اسيا، وستكون حصة الاوبيك فيها ستون مليون برميل يوميا، تسعى روسيا ان تستبدل المملكة العربية السعودية في توفيرها، بينما تصر المملكة على الحفاظ على النفط كمصدر معقول ومقبول للطاقة، ولهذا فإن دول الخليج تعارض فرض الضريبة على استيراد النفط، او على تنظيم استيراده الى الغرب. كما تسعى دول مجلس التعاون الى تقنين علاقات خاصة مع الدول الثلاث المنتجة من خارج الاوبيك وهي المكسيك، النرويج، روسيا، من اجل تحقيق تفاهم حول سعر الطاقة بحدود معقولة، وحول تنظيم الانتاج بحيث لا ينخفض السعر الى حدود تضر بالاقتصاديات الخليجية، وبحيث تتمكن دول الخليج من القدرة على التحكم في الاسعار بزيادة الانتاج عند الارتفاع المضر بالاقتصاد العالمي. كما ان دول الخليج تسعى الى الحفاظ على التحكم في الانسياب النفطي للمستهلكين باسعار معقولة من اجل اخراج اصحاب السياسات الراديكالية من التأثير على مجرى الدبلوماسية النفطية المناسبة للمستهلكين وللمنتجين. وفي هذا الصدد ربما من المفيد ان تستذكر معارضة ايران لاستعمال النفط كسلاح سياسي وكذلك انتقاد ليبيا للاجراءات العراقية التي ارادت بغداد ان تكسب سياسيا وجماهيريا من قرار وقف النفط لمدة شهر، مع العلم بأن بغداد خارج الكوتا الخاصة بانتاج نفط اوبيك، وليس لها اي دور في رسم الاستراتيجية النفطية العالمية. وهكذا تتبدل خريطة الاستراتيجية النفطية بعد الاحداث التي شهدت الدبلوماسية النفطية منذ 73 ولا عودة الى تلك الايام بعد ان حدثت مستجدات وبرزت اعتبارات لاسيما في جوانبها الامنية والاقتصادية لدول المجلس.