انقلاب دانفورث على مبدأ تقرير المصير لم يكن الاول فى تاريخ السودان الحديث سبقه انقلاب اخر قاده السيد جيمس روبرتسون السكرتير الادارى لحكومة السودان. الانقلاب الاول تغيرت بموجبه سياسات الادارة البريطانية تجاه العلاقات بين شمال السودان وجنوبه، قبل مؤتمر جوبا كان محور سياسات حكومة السودان عزل الجنوب وادارته على التوازى مع الشمال تمهيدا لضمه مستقبلا لاحدى دول شرق افريقيا التى لم ترحب بالفكرة معللة الرفض بتخلف الجنوب!! التحول الكبير فى الموقف البريطانى ووقوف روبرتسون مع ربط الجنوب بالشمال رغم تحفظ بعض الاداريين البريطانيين عضد بما تم فى مؤتمر جوبا 1947 م، وفى اجتماع الاحزاب السودانية فى 12 ديسمبر 1955 وقرار البرلمان السودانى فى 19 ديسمبر 1955 الذى ربط اجماع السودانيين على اعلان الاستقلال من داخل البرلمان باعطاء المديريات الجنوبية الحق فى تكوين حكومة فدرالية للمديريات الجنوبية الاعتبار الكافى بواسطة الجمعية التأسيسية عند وضع الدستور. مع اختلاف الزمن والقوى المؤثرة فى اللعبة هناك تشابه بين الانقلاب الاول فى السياسات البريطانية تجاه السودان تاريخيا والانقلاب الثانى بقيادة دانفورث، الاختلاف المهم بين الانقلابيين مرتبط بالمتغيرات المحلية الدولية . اميركا ومشروع الوصايا على السودان بنهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتى ودول المنظومة الاشتراكية انفردت الولايات المتحدة بادارة الازمات فى كل بقاع الارض وتوجيهها خدمة لمصالحها المتصاعدة فى دول كثيرة، السودان دولة محورية فى افريقيا ومركز مهم افريقيا وعربيا لذلك سعت اميركا للتدخل مباشرة فيه وفقا لما جاء فى مقترحات دانفورث.المشروع الاميركي لم ينبع من فراغ وهو خلاصه لسلسلة من التحولات والاجراءت التى تمت عبر قنوات وبوسائل مختلفة بهدف ازالة اى عوائق امامه. بعد تجربته فى جبال النوبة اوصى السيناتور دانفورث بمزيد من التعاطى مع الازمة السودانية وبذات المعايير التى قبلتها كل الاطراف. دخول الولايات المتحدة بصورة مباشرة احدث تحولا اساسيا فى مجرى الاحداث تراجعت معه المبادرات الاقليمية فهى الان مجرد روافد ثانوية محدودة الاثر مقارنة بالدور الاميركي الذى تميز بالفاعلية والحسم، تدخلت اميركا بعمق فى مراقبة وقف اطلاق النار فى جبال النوبة وفى سير الحرب فى الجنوب وفى تقصى حقيقة الرق وارسلت اتيام عسكرية وامنية لمتابعة تنزيل النقاط الاربع على ارض الواقع بهذا اتضحت معالم استراتيجية اميركا فى السودان التى يتم تطبيقها عبر شبكة من القنوات والاذرع الاقليمية والدولية. افريقيا تركت قيادة الذراع الاقليمى للرئيس اراب موى على ان تلحق به مصر.اختيار كينيا له ما يبرره فهى عمليا تمثل البعد الافريقى لمبادرة الايجاد ولقربها من الجنوب وعلاقتها المتميزة بالحركة الشعبية وبالتوجه العام للغرب الذى يرى ان السودان دولة الغلبة فيها لغير العرب وان تمسكه فى الماضى بهوية عربية ادى الى تهميش جماعات اخرى تطالب اليوم بان تكون فى السودان الغلبة لغير العرب . اضافة للرافد الافريقى للمشروع الاميركي رافد اخر اوروبي مكلف بدعمه باعداد الدراسات وادارة الحوارات بهدف وضع خطوط عريضة لقضايا اساسية . نوع الحكم - علاقة الدين بالدولة - توزيع عائدات النفط .... الخ يتم فرضها فى مرحلة لاحقه على الاطراف ان لم تقبل بها طوعا. عوامل كثيرة ساهمت فى اعطاء الدور الاميركي الاولوية منها: التحولات المحلية المشهد السياسى فى الاربعينيات بعد الحرب العالمية الثانيه مباشرة كان مبشرا ومختلفا عما هو عليه الان، فى ذلك الزمن كان الحلم كبيرا فى السودان وفى كل بلاد العالم الثالث فى السودان كان للقوى الوطنية مواقف مشهودة وقدرة على تعبئة الشارع وتحريكه مكنتها من فرض قرارها الوطنى «استقلال السودان» بارادة حرة واجماع رائع اما اليوم فالوضع مختلف، ضعف الحركة السياسية وتفككها ادى الى احداث ثقوب فى جدار الوحدة الوطنية صاحبتها اوهام لا مبرر لها اعطت اميركا دور المنقذ من ظلم ذوى الغربى!! انتظار ما تقرره لنا الولايات المتحدة الاميركية لعنة اصابت كل اطراف النزاع حكومة ومعارضة الكل منتظر مرحلة ما بعد تقرير دانفورث. فى اروقة المعارضة، التجمع الوطنى الديمقراطى تعثرت خطواته وهو الذى شكل فى مرحلة سابقة اطارا جامعا للمعارضة الجادة بعد مؤتمر اسمرة للقضايا المصيرية ولكن ولاسباب كثيرة لم يتمكن من تطوير اساليبه وادواته بالصورة التى تمكنه من التكيف ايجابيا مع المتغيرات التى حدثت فى السودان وفى محيطه الحيوى، خروج حزب الامة - طرح الحركة الشعبية للكنفدرالية - ضعف الصلة بين قيادة التجمع والجماهير العريضة اثرت سلبا على تماسكه وعلى تحريك الشارع فى الداخل. الحركة الشعبية هى الفصيل الوحيد الذى استطاع ان يستثمر بذكاء كل الفرص التى اتيحت لها فى الداخل والخارج فى الشمال وفى الجنوب.وهى الان مميزة لتعدد الخيارات امامها مقارنة بالفصائل الاخرى التى فقدت القدرة على المبادرة . حزب الامة شلته خلافاته الداخلية واصابته فى مقتل فتنة المشاركة . الحزب الاتحادى الديمقراطى يعانى هو ايضا من خلل فى بنيته التنظيمية . الحزب الشيوعى اضافة للهم العام له مشاكل خاصة تحتاج لوقفة مع الذات. الجبهة الاسلامية القومية فقدت الكثير من مصداقيتها بعد ان اصبحت السلطة والبقاء فيها فى مقدمة اولوياتها ضعف المجتمع المدنى- ضمور الطبقة الوسطى وتآكلها- عزلة المثقفين اضعفت الشارع وافقدته القدرة على الحركة. المواطن البسيط هده الفقر والكبت والبحث عن اساسيات الحياة...... غياب الاستقرار السياسى وطعن قوى سياسية فى شرعية النظام السلطة اعتقدت فى مرحلة ما ان الانقاذ هى نهاية التاريخ، الانفتاح النسبى الذى حدث مقيد بالحفاظ على مشروع النظام وسياساته . بالتحولات الاقليمية 1ـ انهيار المشروع القومى وتراجع شعار « افريقيا موحدة» اضعف التضامن العربى والافريقى . 2ـ اهمية السودان افريقيا وعربيا لم تجد العناية المناسبة من الافارقة والعرب بل على العكس حدث استقطاب غير مرشد فى السودان ادى الى فقدان الثقة بين مواطنيه. 3ـ عجز المبادرات الاقليمية الايجاد والمشتركة عن تقديم الحلول المناسبة والمقبولة . جـ التحولات الدولية التغير الذى حدث فى مفهوم السيادة فى المجتمعات المعاصرة وهو الذى بدأ بعد توقيع اتفاقية وستفاليا 1648 التى انهت حرب المئة عام وارست قواعد التعامل والعلاقات ما بين البلدان الاوربية التى استقلت عن الامبراطورية الرومانية المقدسة لينشأ نظام تقوم وحدته على الدولة الامة «الدولة القومية» الدولة الان وان تآكلت سيادتها فهى موجودة ولكنها معرضة لمجموعة من التحديات فوقيا «افرازات العولمة» وقاعديا التفكك لوحدات اصغر خاصة فى المجتمعات المركبة فى الدول التى لم تكتمل فيها عملية البناء الوطنى، تمشيا مع هذه الروح هناك تعريف جديد لمفهوم السيادة يتخطى المفهوم التقليدى ويخضع السيادة العليا المطلقة للدولة لولاية عالمية بشكل تتجه فيه الامم المتحدة من جمعية دول الى جمعية شعوب. عمليا الان وتحت مسمى الشرعية الدولية تمكنت الولايات المتحدة من فرض ارادتها على المنظمة التى اعطتها شرعية التدخل فى الشأن الداخلى للدول. لكل هذه الاسباب فرضت اميركا مشروعها على اطراف النزاع فى السودان . تقرير دانفورث حدد دانفورث بتقريره الختامى نقاط النزاع فى السودان وهى حسب ترتيبها فى التقرير : 1ـ البترول: اكتشاف البترول والبداية الجادة للانتاج عام 1999 ساهمتا فى اعادة تشكيل الحرب الاهلية فى السودان فى نظرة بعد ان تأكد ان فى السودان احتياطات بترولية تقدر باكثر من بليون برميل وتوقعات باحتياطات اضافية تصل الى 4 بلايين برميل. ربط دانفورث عملية السلام ببحث موضوع البترول من اجل ازالة سبب رئيسى للصراع واستخدام ذلك كاساس للسلام العادل، التوزيع العادل لعائدات البترول فى نظره يمكن ان يكون المفتاح للتوصل لتسوية سياسية اكثر شمولا. لهذا فهو يدعو لان تبدأ عملية تقسيم عائدات البترول فورا بين الحركة الشعبية والحكومة وقبل الوصول الى اتفاق سياسى . 2ـ تقرير المصير: يرى دانفورث ان الجنوبيين قد تعرضوا فى الماضى لمظالم عديدة من الشماليين وانهم باتوا مقتنعين ان الطريق الوحيد لحمايتهم هو ممارستهم لحق تقرير المصير الذى يمنحهم حق الانفصال.على الرغم من تمسك الجنوبيين وقوى شمالية بحق تقرير المصيرلا يرى دانفورث ان الانفصال سيلاقى مقاومة شديدة من حكومة السودان ويواجه تحقيقه صعوبة شديدة. الحل الافضل فى نظره هو توفير الحق للجنوبيين فى حكومة تحترم معتقداتهم الدينية والثقافية تحت ضمانات داخلية ودولية تلتزم بها الحكومة ولا يسمح بالخروج عليها . 3ـ الدين والدولة : يرى التقرير ان هذا الموضوع هو اكثر المواضيع جدلا فى السودان لذلك فهو يدعو لمعالجته بصراحة.وان اى اتفاق سلام ينبغى ان يأخد فى الاعتبار علاقة الدين بالحكومة بوضوح وعمق وربما بواسطة زعماء مسيحيين ومسلمين من خارج السودان، ان التقسيم السياسى فى البلاد ليس حلا لقضية الدين فمن الضرورى البحث عن ضمانات اخرى للحريات الدينية وان المزيد من التأكيدات الشفهية بالتسامح الدينى لن تقنع غير المسلمين والدستور القائم حاليا يؤكد على التجربة الدينية ولكن المفتاح يكمن فى ايجاد ضمانات داخلية وخارجية للحرية الدينية . الضمانات الداخلية تتم عبر اجراءات قضائية من اجل تأمين الحقوق الدينية اما الضمانات الخارجية فينبغى ان تشمل رقابة دولية للحريات الدينية مع اتباع سياسة العصا والجزرة لفرض الحقوق الدينية . 4ـ نوع الحكم : لم يتحدث التقرير صراحة عن نظام تعددى ديمقراطى وان اهتم بمشاركة المجموعات المتعددة فى السودان فى صنع القرارات المتعلقة بالسلام ومستقبل السودان ونوع الحكم فيه . 5ـ الضمانات: يرى دانفورث ان الضمانات المكتوبة لا قيمة لها فى السودان لانه لا يتم الالتزام بها، والضمانات الداخلية غير موثوق بها ولابد من دعمها بضمانات خارجية وعليه يتعين البحث عن الضمانات الداخلية المضمنة فى القوانين السودانية والى ان يصبح فى السودان نظام قانونى له مصداقيته ودستور قابل للنفاذ عبر التزام سياسى فمن الضرورى توفير ضمانات من منظمات اقليمية ودولية وعلى الولايات المتحدة ان تحدد مسبقا مدى الضمانات التى ستوفرها والدول والمنظمات التى يمكن ان يكون لها دور مفيد «منظمة الايجاد - الجامعة العربية - منظمة الوحدة الافريقية - مجلس الامن - اضافة الى مجموعة مختارة من الدول.ومن الافكار التى تستحق الاعتبار تكوين لجنة خاصة بواسطة مجلس الامن لمراقبة تنفيذ اتفاقية السلام والتقدم بتقارير منتظمة للمجلس بشأن اى مشكلة تستحق النظر فيها واتخاذ القرار بحلها. انها الوصاية على السودان وعلى اهله .