أثارت زيارة الوفد القضائي السوداني برئاسة جلال الدين محمد عثمان رئيس القضاء بالسودان للامارات مؤخرا بغية الاستفادة من تجربة العدالة في دبي ـ القضاء والنيابة العامة ـ في حقل التقنيات واستخدام الشبكات الحاسبية لتسهيل مهام الدوائر العدلية وهي تجربة رائدة وطموحة بكل المقاييس ومنسجمة مع الاتجاه العام للتحديث والتطوير في كافة المرافق الادارية والخدمية في اطار فكرة الحكومة الالكترونية في دبي التي يرعاها ويحرص عليها الفريق اول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع ـ ايده الله ـ اثارت في نفسي خاطرة الكتابة عن تاريخ القضاء في السودان الذي تربطه بدولة الامارات العربية المتحدة علاقات وطيدة تشجع وتحفز للكتابة في هذا الموضوع لانه يمثل جانبا مهما من تاريخ السودان الذي يدخل مرحلة جديدة من حياته بفضل الاكتشافات النفطية فيه والتي نسأل الله ان تكون شارة خير وبركة، ومدخلا لمرحلة الوفاق والسلام الداخلي الشامل ان شاء الله. وحينما قلبت نظري في تاريخ السودان والقضاء فيه رأيت تجاوز الفترة المبكرة من عمر السودان حيث كان القانون المرجوع اليه هو الاعراف والتقاليد في الممالك الاولى. وبدأت بفترة دخول الاسلام في السودان في القرن الرابع عشر الميلادي بعد سقوط مملكة المقرة المسيحية، وهي المرحلة التي لمعت فيها ـ انذاك ـ ممالك العبدلاب والفونج والفور. القضاء في مملكة العبدلاب قامت مملكة العبدلاب في الجزء الشمالي والاوسط بالسودان، اثر حلف قام بين عمارة دنقس ملك الفونج وعبدالله جماع الذي يقال انه سمي بذلك لجمعه القبائل لاستقرار النظام لسيادة الفونج وقد تمكنا من خلال تحالفهما ذاك من جمع الجيوش ومن ثم القضاء على الممالك المسيحية، واستقل كل منهما بمنطقة فكانت المنطقة الشمالية هي التي قام فيها ملك عبدالله جماع، على حين امتدت سلطة عمار على مايلي ذلك جنوبا. كان القضاء في مملكة العبدلاب انواعا، ضرب منه يتولاه شيخ «قري» أو الحلفايا ـ عاصمة العبدلاب ـ واخر اقل شأنا يمارسه حاكم الاقليم او شيخ الدار، ونوع يقوم به القضاة المختصون وفوق ذلك كله كان هناك نوع من القضاء يشترك فيه شيخ العبدلاب وقاضيه وكبار رجالات البلد والعسكر والفقهاء في شكل محكمة اقرب ما تكون في اختصاصها الى محكمة الاستئناف اليوم وكان القانون المرجوع اليه السائد التطبيق هو الشريعة الاسلامية في كافة الاوجه التي تشب وتنشأ فيه المنازعات، روى ان الشيخ عبدالله الرابع بن عجيب أتته قافلة تجارة تشكو من نازلة ألمت بها، اذ سرقها لصوص وهي على ارض الشيخ عجيب في الحلفايا وتحقيقا للعدل جد في طلب السارقين الى ان عثرعليهم وعلى ما معهم، وحينئذ رد البضاعة الى اهلها، وعاقب السارق بالشرع، ومن ذلك ايضا ان الشيخ عبدالرحمن النويري حكم بابطال هبة امرأة بلغت اكثر من ثلث ما لها قاصدة بذلك ضرر زوجها، معتمدا في ذلك على قول الامام مالك واختيار ابن حبيب له. والمذهب المعتمد في ذلك العهد هو مذهب الامام مالك بن انس امام دار الهجرة الذي يرجع انتشاره الى ان الذين تولوا تعليم الفقه كانوا على مذهبه وفي الغالب كانوا وافدين من المغرب وصعيد مصر وكل هؤلاء يعتنقون المذهب المالكي، كما ان كثيرا من السودانيين الذين ذهبوا الى مصر توفروا في الدراسة على فقهاء من المالكية في الازهر الشريف. وكما كانوا يطبقون في مشيخة العبدلاب نصوص الفقه الاسلامي، كانوا يشترطون في القاضي شروطا مستوحاة من العهود الاسلامية الاولى، اذ يشترطون فيه حفظه للقرآن الكريم والمعرفة بالتوحيد، وعلوم العربية، والالمام التام بالفروع الفقهية على مذهب الامام مالك، ولتأثرهم بالثقافة الصوفية كانوا يشترطون فيمن يتولى القضاء ان يكون ايضا سالكا لطريق صوفي ومن صور تمسكهم بالشريعة الاسلامية انهم كانوا يطبقون نظام «الحسبة» الذي يقوم على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ ومن ذلك ما روى الشيخ ابراهيم عبدالدافع عن الشيخ عبدالله عجيب انه امر في ايامه بتزويج النساء مع تقليل مهورهن، وامر اهالي السوق جميعهم اذا سمعوا الاذان بالتوجه الى المسجد لحضور الصلاة، كما افنى الطغاة الذين اجمعوا على نهب وسلب اموال العباد فكان يجمعهم ويضرب رقابهم، واشرف بنفسه على منع السرقة ومراقبة قطاع الطرق ومعاقبتهم، حتى انحسرت موجتهم التي كانت قد هددت امن المجتمع. وممن اشتهر بالقضاء في عهد العبدلاب يعقوب بن بانقا، والقاضي ضيف الله بن محمد بن ضيف الله، وعبدالعزيز الشريف محمد المهدي وغيرهم كثير. القضاء والشريعة الاسلامية في مملكة الفونج نشأت مملكة الفونج في القرن السادس عشر الميلادي الذي يوافق سنة 910 هـ وعند نشوئها كان المجتمع لايخلو من بعض المظاهر الوثنية، ضرورة التداخل الذي يحدث عادة بين العهود التي تعقب بعضها البعض، ولهذا اثر عن الفقيه ود. ضيف الله صاحب الطبقات قوله: لم يشتهر في تلك البلاد مدرسة علم ولا قرآن» ويقال ان الرجل كان يطلق المرأة ويتزوجها غيره في نهارها من غير عدة، حتى قدم الشيخ محمود العركي من مصر وعلم الناس العدة وسكن البحر الابيض ـ غير ان هذه الحالة التي وصفها الفقيه المؤرخ ود. ضيف الله لم تدم طويلا، اذ هاجر بعض العلماء الى مصر طلبا للعلم في الازهر الشريف، كما ان بعض العلماء والمتصوفة قدموا الى السودان من مناطق مختلفة بفضل تشجيع ملوك الفونج لهم، وبذلك انتعشت الثقافة الاسلامية بشتى فروعها مما مهد لوجود ثقافة قانونية شرعية على مستوى طيب من الكفاءة والاقتدار، وقد كانت هذه الثقافة هي الاساس الذي اعتمد عليه القضاء في دولة الفونج، الذي كان يعتمد على الشريعة الاسلامية، ومن مظاهر اعتمادهم عليها وتطبيقهم لاحكامها انهم كانوا يحرصون على جمع الزكاة والفطور والعشور وان بعض علمائهم نهضوا بتنفيذ الحدود الشرعية، ومن ذلك ما فعله حمد المشبخي اذ جاءته امرأة تشكو اخرى قالت لها يافاجرة فأمر الشيخ حمد باقامة حد القذف عليها ثمانين جلدة. وفي هذا العصر نلحظ اهتماما واضحا بعلم الفرائض «المواريث» الذي نبغ فيه ابراهيم بن عبودي حيث الف فيه حاشيته المعروفة «بالفرضية» ولتميزه في هذا الفن وعلو كعبه فيه لقب «بالفرضى وكان الجهاز القضائي عندهم يتكون من محكمة عليا بسنار ـ عاصمة المملكة ـ عليها قاض يلقب بقاضي عموم سنار، وتحته قضاة في كل مشيخة وكان هؤلاء القضاة يتم اختيارهم من الرجال الصالحين وكان كل منهم عالما عدلا، ورعا تقيا وشيخا اسلاميا آمراً بالمعروف وناهيا عن المنكر، ولحرصهم على تطبيق احكام الشريعة يروى ان الشيخ محمد القناوي احد قضاتهم، بلغه ان ابنه، وهو قاض ايضا قد اخذ الرشوة على احكامه، فركب الشيخ واركب ابنه معه، وحمل علما ابيض وهو ينادي في السوق ان احكام ابنه باطلة، لانه ارتشى في قضائه. وفضلا عن ذلك عرفت مملكة الفونج نوعا من القضاء اقرب الى التحكيم، كان معروفا بقضاء الشريعة البيضاء، وهو يقوم عند حصول النزاع بين اهل القرى والبوادي البعيدة، على رجوعهم الى احد العلماء المقيمين بينهم، فيقضي هذا العالم بينهم بالشريعة فاذا عارض احد كان له ان يبعث بالحكم الى قاضي الجهة للنظر فيه، ومتى وجد القاضي هذا الحكم مطابقا لاحكام الشريعة، فانه يجيزه، ويغدو بذلك حكما نافذا، والا كان له ان يبطله. ومن الذين اشتهروا بتولي القضاء في دولة الفونج القاضي محمد بن مدني دشين، والقاضي حلالي بن الشيخ محمد عيسى سوار الذهب والشيخ عبدالله بن الشيخ محمد بن عيسى سوار الذهب والشيخ عبدالله بن دفع الله العركي، وابن مشيخ عبدالرحمن النويري، والشيخ علي بن عشيب، والشيخ عيسى سوار الذهب محمد بن عيسى بن صالح البدري والشيخ محمد القناوي المصري. القضاء والشريعة الاسلامية في سلطنة دار فور انتشرت الثقافة الاسلامية في دارفور كما انتشرت وذاعت في دولتي الفونج والعبدلاب، تشهد على ذلك المظاهر الاسلامية المتنوعة التي كانت تزخر بها هذه السلطنة فقد اثر انها كانت عامرة بالمسجد التي يؤدي الناس فيها شعائرهم الدينية، ويتعلمون بها القرآن الكريم، وكان لكل عالم مسجد قرب منزله، يصلي به الصلوات الخمس وبقربه خلوات للمجاورين يتعلمون بها العلوم الشرعية، ولهم اوقاف هبة من السلطان تكفل للشيخ وتلامذته العيش من ريعها، كما ان بعض الطلبة كان ينزح الى مصر لتلقي العلم في ازهرها المعمور، ولهم فيه رواق معروف برواق دارفور لايزال موجودا الى اليوم، هذا بالاضافة الى ان هذه السلطنة كانت تستعين بفقهاء سنار لنشر العلم بها، فقد نقل التاريخ ان سليمان سولنج 1637م من سلاطين هذه المملكة شجع فقهاء الفونج على النزوح الى بلده، وكان يقطع لهم الاقطاعات الواسعة حافزا لهم على ذلك، وفيما يختص بالقضاء كان السلطان هو الذي يباشر تولية القضاء وكان القضاة في عاصمة السلطنة «الفاشر» يجلسون للقضاء في هيئة مجلس مكون من ستة او سبعة قضاة، يرأسهم اكثرهم علما واقدرهم فطنة في النفاذ الى بواطن الامور، وفي الارياف كان يتولى القضاء قاض منفرد يتولى الفصل في المسائل الثانوية كقضايا الديون الخفية وبعض امور الزراعة، وقضايا النفقة والطاعة، ويحيل القضايا الكبيرة الى المجلس الاعلى في العاصمة. وكانت ثقافة هؤلاء القضاة ثقافة دينية مركزة، فجلهم من الذين تلقوا دراساتهم في الازهر ولم يكونوا يتعاطون مرتبا محددا في هذه السلطنة، اذ كان السلاطين يجزلون لهم العطاء ويقطعونهم شاسع الاراضي، كما كانت اموالهم معفاة من الضريبة والعشور، وكل ذلك نزوعا لتحقيق الاستقرار المادي لهم الذي يعينهم في اداء وظيفتهم بعيدا عن المؤثرات المغريات. واذا ماجنحنا نحو القواعد القانونية التي كانت تطبق نجد ان القضاء كان شرعيا معتمدا فيه على نصوص الكتاب والسنة، كما انهم كانوا يطبقون في هذه السلطنة قانونا عرفيا اشتهر بقانون «دالي» ولفظ دالي في لغة الفور يعني اللسان، ويراد بقانون دالي لسان السلطان اوامره، وهو عبارة عن احكام تعزيزية مستوحاة من طبيعة دارفور المحلية، والحكم بها يساعد في استقرار الاحوال وردع الجناة الخارجين على المجتمع ونظامه. القضاء والشريعة الاسلامية في العهد التركي 1821 ـ 1885م يبدأ هذا العهد سنة 1821 بعد فتح سنار، وفي هذا العهد نجد ان الهيكل القضائي كان على رأسه قاضي عموم سودان الذي يتم تعيينه بأمر خديوي مصر، وكان القاضي يختار القضاة الاخرين الذين يتولى حكمدار عموم السودان تعيينهم، وكان هناك مجلس لكل مديرية، ومجلس استئناف بالخرطوم يسمى مجلس استئناف السودان، وفي بعض الاحيان كان يخصص لكل مديرية مفت يقوم بالتصديق على احكام ذلك المجلس وتخضع لموافقته. وكانت المحاكم في اول هذا العهد تطبق الشريعة الاسلامية في كافة اوجه المنازعات فقضايا القتل والسرقة والقضايا المدنية المتعلقة بحقوق الناس وقضايا الاحوال الشخصية كل تلك كانت تنظرها المحاكم وفق تعاليم الشريعة الاسلامية من غير فصل بين جانب واخر، وعلى غير المتبع فقد كان المذهب المطبق هو المذهب الحنفي بحسبان انه مذهب الدولة العثمانية، واستمر الشأن على ذلك ردحا من الزمن، ثم لما انشئت في مصر في عهد سعيد باشا المجالس المحلية لتقضي بالقانون الهمايوني، وتلتها في عهد توفيق باشا المحاكم المختلطة والمحاكم الاهلية، وكلتاهما كانت تطبق القانون الجنائي والقانون المدني المستمدين من قانون نابليون، وبعض القوانين العثمانية ظهر صدى ذلك كله في السودان، فلم يعد تطبيق الشريعة الاسلامية شاملا كما هو الحال في صدر هذا العهد. القضاء والشريعة في عهد المهدية 1885 ـ 1898 كان الامام المهدي في هذا العهد هو قمة الجهاز القضائي والمرجع الاخير في الشئون التي تتعلق به، وكان يساعده في ادارة الشئون القضائية قاض يلقب بقاضي الاسلام يتولى التصديق على الاحكام، وبخاصة فيما يتعلق بالقصاص، ويتلقى الاستئنافات ويرشح العلماء لمناصب القضاء، كما انه في بعض الاحيان يفسر بعض المنشورات، وينشر ذلك التفسير على القضاة وكان فيما عدا ذلك يعين لكل جهة من الجهات التي تدخلها جيوش المهدية عالما من العلماء يتولى مهمة القضاء فيها، بل ان هذا القاضي يعتبر معينا من قبل ذلك اذ من شأنه ان يكون قاضيا للجيش الذي صحبه فيما ينشأ بين افراده من احتكاك، وحينما يستقر الجيش بعد فتحه لمنطقة من المناطق يغدو هذا العالم هو قاضي البلد التي يتم خضوعها لسلطان المهدية، وغالبا ما يكون هؤلاء القضاة من الذين تثقفوا ثقافة دينية وتلقوا علومهم في الازهر، ومن اشهر هؤلاء القضاة الشيخ الحسين ود الزهراء، والشيخ اسماعيل عبدالقادر الشهير باسماعيل المفتي، والشيخ محمد البدوي. كان القانون المرجوع اليه في فترة المهدية هو الكتاب والسنة مضافا اليهما منشورات المهدي، التي كان يصدرها بين الحين والاخر معالجا بها بعض المسائل القانونية، ومفسرا بها بعض النصوص التشريعية. ويبدو مظهر تحكيم الشريعة الاسلامية في هذا العهد في اقامة الحدود الشرعية ومعالجة بعض المسائل الاخرى التي لاترقى فيها الجريمة الى مستوى الحد، عن طريق التعزيز المبني على الاجتهاد، وفيما وراء ذلك مهد الامام المهدي لتطبيق الاحكام الشرعية بالحث على طرح العادات الفاسدة، كالسحر، والتعزيم، وكتابة الاحجبة، وخروج النساء الا لحاجة، ووجوب طاعتهن لازواجهن، وستر انفسهن وقضي بعقوبة من تقف حاسرة الرأس تعزيزا بضربها سبعا وعشرين سوطا، ومن تكلمت بصوت عال كذلك. كما عرف هذا العهد نظام قضاء المظالم والحسبة المعروفين في القضاء الاسلامي. القضاء والشريعة الاسلامية في عهد الحكم الثنائي 1898 ـ 1956 ينتظم هذا العهد الفترة التي حكم فيها السودان بواسطة دولتي الحكم الثنائي اثر هزيمة جيوش المهدية وسقوط ام درمان سنة 1898 ويمتد الى استقلال البلاد عام 1956 ولعله من البديهي ان يفكر الحاكم في مطلع هذا العهد، واثر دخولهم مباشرة، في سن قوانين تحكم علاقات الناس وتنظم حياتهم ذلك ان القانون هو الاداة الاساسية التي يستخدمها الحاكم في ادارة شئون البلاد وسياسة امر الرعية وفق ما يبتغون، لذا كان سن القوانين من الامور العاجلة الملحة التي سعى وسارع الساسة الجدد اليها، وبحكم ان القوانين التي كان يركن اليها الحليفان في بلادهم كانت قوانين غيراسلامية، فقد قاد هذا بدوره الى ان يدخل السودان في تجربة جديدة لم يألفها من قبل، وهي عزل الشريعة عن الحكم المطلق في كافة المسائل، ونتج عن هذا ولاول مرة في تاريخ البلاد تقسيم المحاكم الى شقين محاكم شرعية، وهي المحاكم الموكول اليها الحكم وفق الشريعة الاسلامية، وقد حصر اختصاصها في نطاق الاحوال الشخصية ومحاكم مدنية وهي المحاكم التي شمل اختصاصها ماعدا الاحوال الشخصية المتعلقة بشئون المسلمين، ومن المسائل المدنية والتجارية والجنائية والاحوال الشخصية لغير المسملين الا اذا ارتضى هؤلاء حكم الشريعة الاسلامية، وقد انشئت بجانب هذا النوع الاخير من المحاكم محاكم الرؤساء والمحاكم الاهلية لكي تساعدها في بعض سلطاتها واختصاصها، في مستوى معين، وبكيفية خاصة، حددها القانون كما نهض بعبء الحكم فيها بجانب القضاة المفتشون والمآمير. وفيما يختص بجانب الاحوال الشخصية الذي تطبق فيه الشريعة الاسلامية، فقد تم تعيين الشيخ محمد شاكر من قضاة مصر المعروفين في 28 مارس 1900 قاضيا للقضاة، وبحكم ان قاضي القضاة هو سلطة التشريع العليا في المحاكم الشرعية، فقد قام الشيخ شاكر بوضع لائحة ترتيب المحاكم الشرعية التي تناولت بالتفصيل شروط اختيار القضاة والموظفين لهذه المحاكم، واختصاصاتها وتقسيمها الى غير ذلك من المسائل التنظيمية، والثانية اللائحة النظامية للمحاكم، وهي تتناول بعض المسائل الاجرائية التي تتعلق بالسير في الدعاوى، وثالثها لائحة الرسوم، وقد ادمجت لائحتا الترتيب والنظام في فترة لاحقة عندما تولى الشيخ المراغي منصب قاضي القضاة، وصارتا لائحة واحدة هي لائحة ترتيب ونظام المحاكم الشرعية مع اجراء بعض التعديلات والاصلاحات فيها كما اضيفت في فترة تالية الى هذه اللائحة لائحة اخرى هي لائحة المأذونين. هذا وقد حدد قانون المحاكم الشرعية الذي يعتبر الاساس في تكوين المحاكم الشرعية مسائل الاحوال الشخصية وعرفها وبين ان المذهب الذي يطبق هو الراجح من مذهب الحنفية الا في المسائل التي يصدر فيها قاضي القضاة منشورات او مذكرات قضائية فيعمل بماينص قاضي القضاة عليه من آراء فقهاء الحنفية او غيرهم من ائمة المسلمين وفقهائهم. وقد اصدر القضاة المتعددون الذين تعاقبوا على هذا المنصب العالي منشورات عديدة خرجوا فيها عن الراجح من مذهب الحنفية الى غيره من مذاهب فقهاء المسلمين او الى غير الراجح من مذهب الحنفية انفسهم لضرورة تستدعي ذلك وتسوجب تحقيق مصلحة لم يكفلها الراجح من مذهب الحنفية، وقد بلغت هذه المنشورات الى قبيل عهد الاستقلال ثلاثة وخمسين منشورا، هذا فيما يختص بالمحاكم الشرعية التي انيط بهاتطبيق الشريعة الاسلامية في مجال الاحوال الشخصية، اما المحاكم الاخرى فقد كانت تعتمد في قضائها على القوانين التي سنتها السلطة والتي تعتمد في جانبها الموضوعي على نظام القانون الانجليزي مع الاستعانة بقوانين بعض البلاد التي كانت تحت التاج البريطاني، كالهند وبعض اقطار افريفيا، وقد اصدرت السلطة صادرة عن الاساس المذكور جملة قوانين منها قانون العقوبات لسنة 1925 الذي حل محل قانون 1899 وقانون القضاء المدني 1925 الناسخ للقانون المدني لسنة 1900 وقانون الشفعة لسنة 1928 وقانون وضع اليد وسقط الحق بالتقادم لسنة 1928، وجملة قوانين اخرى. القضاء السوداني بعد الاستقلال استمر القضاء في مسيرته بعد الاستقلال الذي كان في عام 1956 و «سودن» محمد احمد ابو رنات منصب رئيس القضاء، وهو من القضاة المتمرسين والفقهاء النابهين في القانون كما تولى الشيخ حسن مدثر الحجاز منصب قاضي القضاة وهو سليل اسرة دينية عريقة، ومن الشخصيات البارزة في المجتمع السوداني، ومن الجدير بالذكر هنا ان منصب قاضي القضاة كان قد تمت سودنته قبل الاستقلال في الاربعينيات، واول من تقلده الشيخ احمد الطاهر، وبعد الاستقلال على مستوى التعليم القانوني، انشئت جامعة القاهرة فرع الخرطوم وكانت ـ من كلياتها ـ كلية الحقوق وهي كلية ناشطة فأسهمت برفد القانون السوداني بأصول الثقافة القانونية الفرنسية وتجارب القضاء المصري في التعريب والاستفادة من الشريعة الاسلامية فنتجت عن ذلك وشاعت ثقافة قانونية تقترب من الشريعة الاسلامية والاجتهادات القانونية العربية وقاد ذلك بدوره الى وضع قوانين جديدة ـ في بداية السبعينيات ـ اعتمدت التعريب والاخذ من الشريعة الاسلامية والتجارب القانونية العربية، كما تم في هذا الاطار توحيد القضاء بدمج القضائين الشرعي والمدني، وتقسيم دوائر القضاء تقسيما موضوعيا يقوم على الاختصاص، وكانت مصر قد سبقت السودان في هذا المضمار، ثم نسخت هذه القوانين قوانين اخرى التزم فيها التعريب لكنها اعتمدت على التجربة القضائية السودانية البحتة التي نشأت في اطار الثقافة القانونية الانجليزية ولم تنس هذه التجربة ـ ايضا ـ الاستفادة من الشريعة الاسلامية، وصدرت اخيرا قوانين الشريعة الاسلامية في عام 1983 ومن خلال التطورات المختلفة التي غشيت القانون السوداني، نلاحظ ان الاتجاه الى تطبيق الشريعة الاسلامية في السودان كان اتجاها طبيعيا من جهة انه يصل بالفترة الاولى التي سبقت عهد الاستعمار والتي كانت الشريعة الاسلامية مطبقة فيها في عهد الفونج والاتراك والمهدية، ومن جهة ان القوانين التي وضعت بعد الاستقلال ـ رغم اختلافها ـ باعتماد قوانين منها على الاصول الفرنسية والاتجاهات العربية المعاصرة في القانون، واعتماد الاخرى على التجربة القضائية السودانية والقانون الانجليزي الا انها جميعا كانت تقترب من الشريعة الاسلامية وتأخذ ببعض احكامها ومبادئها مما مهد الطريق للقوانين الاخيرة التي اعتمدت تقنين الشريعة الاسلامية نفسها، وقد مضت الان على القوانين الاخيرة فترة طويلة تقارب العشرين عاما، ولاشك ان هذه الفترة الطويلة قد مكنت هذه القوانين من التفاعل مع الواقع الاجتماعي والبيئي والقضائي، ووصلت الفقه الاسلامي باجتهادات القضاة وتفاسيرهم وبخاصة مباديء المحكمة العليا. والشريعة الاسلامية ـ في البدء والنهاية ـ هي شريعة الفطرة «فطرة الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لايعلمون» وهي شريعة تراعي واقع الناس وظروف الزمان والمكان مع ما تهدف اليه من رفق ويسر ورحمة فاذا اضفنا لذلك ما في الطبيعة والجبلة السودانية ـ في مجمل امرها ـ من توازن فإن ذلك ادعى الى ارساء قواعد فقهية جديدة تعتمد على الاصل وتتجاوب ـ في الوقت نفسه ـ مع العصر، ومن صور ذلك سعي رئيس القضاء السوداني ووفده الكريم للتعرف على التقنيات الحديثة للاستفادة منها في العمل القضائي والعدلي بالاضافة الى الاستفادة من تجارب دولة الامارات العربية في مجالات التدريب القضائي فضلا عن أن هناك تقاربا من الناحية الموضوعية لان قانون المعاملات المدنية في دولة الامارات مأخوذ كله من الفقه الاسلامي كما ان قانون العقوبات ينص في المادة 26 منه على تطبيق الشريعة الاسلامية في جرائم الحدود والقصاص والدية.