عندما سمعت نبأ وفاته قلت : لقد أفلتت منى فرصة نادرة، فقد كان تحت يدي جزء من أسرار حرب أكتوبر، ثم ضاعت الفرصة حين تباطأت في التفرغ للمهمة وتقديمها للرأي العام. كان الفريق عبد المنعم واصل والذي شغل موقع قائد الجيش الثالث أثناء حرب أكتوبر حريصا على أن يكتب يوميات الحرب.. ماذا فعل جيشه وماذا فعل الجيش الإسرائيلي.. ما هي الخطط وما هي الأرباح والخسائر.. كم أسرنا من الإسرائيليين، وكم فقدنا من الشهداء. وهكذا يوما بيوم، حتى كانت الأيام الصعبة التي جرى فيها حصار الجيش الثالث. كتب الفريق واصل كل ذلك بطريقة عسكرية في كراسات متفرقة وأعطاني إياها لتحويلها إلى مادة قرائية عادية، ولكن لأنها مكتوبة بلهجة عسكرية ولفقري في «ثقافة الحرب» ومصطلحاتها فقد كان الأمر يحتاج جهدا كبير لفك الألغاز وفهم ما جرى ثم إعادة صياغة و.. تأخرت في المهمة وإستشعرت قلق القائد العسكري الكبير فأعدت له المذكرات على أن نستكمل المهمة في وقت آخر. لكن القدر لم يسعفنا. رحل واصل عن دنيانا، وكان من أبرز العسكريين المصريين والعرب وأكثرهم جسارة في ميدان الحرب، بل من أكثرهم قسوة على نفسه وعلى معاونيه فالهدف أمامه : النصر، ولا بديل عن ذلك. يروون عنه أنه قد هدد إبنه طارق بالإعدام إن هرب من ميدان المعركة عندما اشتدت وطأة الحرب، ولم يكن الابن - والذي أصبح لواء فيما بعد، والذي وافته المنية قبل أبيه - لم يكن عازفا على الهرب لكن الأب أحس منه ضعفا، أو أراد أن يضرب مثلا للآخرين. ويروون عنه كيف كان يمارس العلاقة الأبوية مع ضباطه وجنوده فهو شديد في الحق، رحيم وعطوف في العلاقة الخاصة. وعندما عرض التليفزيون المصري حديثا معادا له يوم الوفاة في الأسبوع الماضي روى واصل ذكرى أيام خالدة «6» أكتوبر «7».. أكتوبر «8» أكتوبر من العبور العظيم إلى تحطيم خط بارليف، إلى أكبر معركة بالدبابات في التاريخ بعد الحرب العالمية الثانية والتي دمر فيها الجيش المصري مئتي دبابة وأسر لواء كاملا بقيادة عساف ياجوري في يوم واحد. ويقول واصل : إنه لا يؤثر يوما عن يوم، فكل الأيام حاضرة في الذهن، محفورة وماثلة للعين كأنها قد حدثت بالأمس. حارب ببسالة وشرف،ثم حدثت الثغرة التي نفذ منها العدو، وهي ثغرة عسكرية وجغرافية.. نقطة تفصل بين الجيش الثاني والجيش الثالث ومساحة جغرافية توقع العدو أن حمايتها أمر صعب وهي منطقة الدفرسوار. حدث بعض التصدي لسد الثغرة، لكن العدو كان أسرع فمرق كالسهم من الغرب إلى الشرق عابرا قناة السويس ومتجها للجنوب صوب السويس. حينذاك إنتقلت المعركة - وبمؤازرة أمريكية - من الشرق حيث أصيب العدو بخسائر فادحة - إلى الغرب حيث المدن المصرية. وحينذاك بات الجيش الثالث محاصرا يحده الإسرائيليون من الشرق والشمال والغرب. ويقول عبد المنعم واصل أن الحرب قبيل هذه اللحظة «11» أكتوبر كانت قد إنتهت لصالح مصر، لكن تدخل الولايات المتحدة وإمداداتها العاجلة بعد إستغاثة إسرائيل قلبت الموازين. في كل الأحوال فقد تم الحصار وبدأت ملحمة جديدة هي ملحمة الجيش الثالث والذي باتت مهمته ومهمة قائده الحفاظ على الجنود والمعدات وإستمرار الحياة بلا تموين أو إمدادات. وإستطاع واصل أن يفعل، حتى إنتهت الحرب وانتقل إلى وظيفة مدنية هي : محافظ سوهاج أحد أقاليم مصر الجنوبية. ولم ينس الرجل طبيعته العسكرية وأن طابور الصباح لابد أن يبدأ في الخامسة صباحا. وكان الرجل يستيقظ في هذا الموعد المبكر ليصلي الفجر ويرتدي جلبابا صعيديا ويبدأ جولة في المدينة دون أن يعرفه أو يصاحبه أحد. وكان القصد في هذا الوقت هو الوقوف بطابور الخبز، أو طابور في المستشفيات التي تبدأ في السابعة، أو عند محطة السكك الحديدية.. ليعرف كيف يتم التعامل مع المواطن العادي. على طريقة عمر بن الخطاب كان يريد أن يتفقد أحوال الرعية فالمسئولية ليست أمام السادات - الرئيس حينذاك - لكن المسئولية أمام الله. وأثبتت تجربة واصل في العمل المدني أن قليلا من الحزم يصلح الإدارة. وإن كثيرا من الصرامة قد يصيب الجسد الإداري المترهل بصدمه كهربائية ، فهو لم يتعود أن يكون دائما في حالة إنتباه. بعدها، انتقل الرجل مستشارا لوزير الزراعة ، وأظنه كان غير سعيد بالمنصب فالذي عاش حياته في إصدار الأوامر وتحقيق إنجازات محددة لا يقنع بمجرد إبداء الرأي وإعطاء المشورة. واعتزل القائد الشجاع الحياة العامة، ولم يهزمه الفراغ وهو ما يهزم الكثير من العسكريين الذين يتقاعدون بعد حروب ومعارك وصولات وجولات. هزمه الموت وكان ذلك مرتين.. المرة الأولى حين سبقه نجله اللواء طارق، الشاب الصغير إلى الدار الآخرة. أما المرة الثانية فكانت حين استقبل المرض أخيرا، ولفترة قصيرة ثم فاجأنا بالرحيل، بعد نحو عام واحد من رحيل نجله. رحل الرجل، ومازال صوته الأجش وحكاياته عن ضعف المقاتل الإسرائيلي ترن في الأذن. وتعيد أمامي ذكرى أيام حاسمة ذاق فيها الإسرائيليون طعم الحرب الحقيقية فصرخوا: أين الولايات المتحدة ؟