بيان الاربعاء: توجت جنين تاريخها المشرف بمجزرة فضحت هشاشة الجيش الاسرائيلي واسطورته الزائفة، حين اختبأ جنود النخبة فيه خلف التكنولوجيا المتطورة والدبابات الاكثر تصفيحا في العالم وغارات الطائرات، في مواجهة مقاومين مدججين بالارادة والبنادق وبلا مقاومات جوية، تلك لتي يتآكلها الصدأ في مخازن اخوانهم الجنود العرب. جنين وبالاخص مخيمها اشهرا تاريخ البطولة منذ عز الدين القسام وحتى العدوان الاخير الذي اراده السفاح ارييل شارون تصفية حساب انتقامي مع مصانع الابطال في ازقة المخيم. لم يفلح الجنود النظاميون والاحتياط في التقدم شبرا واحدا داخل المخيم، فبادر قائد العسكريين النازيين الجدد شاؤول موفاز الى عزل قائد العملية هذه وتولى قيادتها بنفسه بعد استدعائه القوات الخاصة او ما يعرف بجنود النخبة الذين يستنزفون جيوب دافع الضرائب الامريكي. ومع ذلك ضرب المقاومون ارجلهم جذورا في ارضه وعيونهم تتطلع الى جنات الباري وصمدوا طيلة اسبوعين مذكرين جنرالات العرب بهزيمة السبعة ايام في العام 1967. حاول جنود النخبة الصهاينة اختبار مهاراتهم فجروا اذيال الهزيمة وجثث 23 غازيا منهم، ولجأوا الى اسلحة الجبناء من استخدام النساء والاطفال دروعا بشرية الى توغل الجرافات المصفحة لهدم المنازل على سكانها المدنيين وانتهاء بغارات جوية وحشية استهدفت ابادة المخيم ومن فيه. وبقيت قصص البطولة محفورة على جدران الازقة، وبين انقاض الدمار وبقي الجزء الاعظم من شواهد الجريمة ايضا هناك، تحت نثارات المنازل التي تحولت الى قبور جماعية. وكعادتهم عمد الصهاينة الى محاولة اخفاء الجريمة بحرق الجثث وطمر اخرى تحت اطنان الاتربة اضافة الى نقل القسم الاكبر منها الى مقابر جماعية سرية قيل انها في الاغوار والجولان. وايضا استندت دولة العبرانيين الى الاستخفاف الامريكي بالعرب والعالم في رفضها لجنة تقصي الحقائق التي شكلها امين عام الامم المتحدة بقرار من مجلس الامن لقمع اية فرصة لتجريم الاحتلال وجر قادته الى محكمة جرائم الحرب الدولية. لكن الحق يستعصي على الذوبان امام اصرار صاحبه على نيله ـ كما يقال ـ واغفل الصهاينة من جانبهم التغيرات المذهلة في وسائل الاعلام، واستحقاقات العولمة، فلم يفلح بكل ما اوتى من جبروت في منع تسلل الصحافيين الاجانب الى ساحة المجزرة، وتاليا بقاء ادلة الجريمة هذه في متناول الارادة العربية ان وجدت. سجلت وسائل الاعلام الغربية وبالاخص الصحف منها شواهد المجزرة التي تنضاف الى سجل شارون، كما سجلت شهادات الناجين منها والجراح مازالت نازفة بسخونة الحقيقة. تاليا نستعرض هذه الشهادات كتوثيق لما حدث، حتى اذا ما صحونا، وثبنا الى نداء الحق وجدناها سندا لمحاكمة او باضعف الايمان ـ الذي احترفناه ـ نتركها للتاريخ وحكمه. التاريخ الشفوي يشكل في عالم اليوم احد اهم اشكال التوثيق لمايجري على ارض الواقع من حقائق، وقد قاموا به في تاريخهم لما اسموه: البطولة والكارثة «ياد فاشيم بالعبرية» حيث يقومون كل عام باحتفال سنوي واسع النطاق في كل مكان من العام يتواجدون فيه لابقاء الهولوكوست «المحرقة» حية في الاذهان من اجل الاستمرار في استدرار عطف العالم، آن الأوان ان نعكس سير التاريخ وان نقوم نحن الفلسطينيين بتسجيل التاريخ الحي لما تعرضنا ونتعرض له من مذابح على ايدي ضحايا الامس الذين يقلدون الجلاد كأسوأ مايكون التقليد، لم نتمكن من تسجيل شهادات حية لمن تعرضوا للمذبحة في دير ياسين عام 1948 وفي قبية ونحالين على ايدي ضابط القوات الخاصة ارييل شارون، وهناك مذابح انطمرت مع هدم التراب على ضحاياها ومنذ فترة بسيطة فقط قام باحث اسرائيلي يحضر دراسة للماجستير بكشف النقاب عن مذبحة «الطنطورة» البلدة الساحلية قرب حيفا، والمؤرخون الجدد في اسرائيل بكل مالهم وما عليهم، كشفوا النقاب عن مجازر قامت بها عصاباتهم اليهودية ولم نكن نعرف عنها الا القليل، لقد جرت محاولات محددة لتسجيل الشهادات بعد مذبحة صبرا وشاتيلا، واقامت جامعة بيرزيت مركزا للابحاث يعنى بمثل هذه الشهادات ونشط البروفيسور الفلسطيني د. هشام شرابي في العمل من اجل احياء التاريخ الشفوي للشعب الفلسطيني وتحركت العديد من المؤسسات وانطلقت العديد من المبادرات لتسجيل شهادات من تبقوا احياء من ابناء فلسطين الذين غادروا مدنهم وقراهم عام 1948 قبل ان يرحلوا ويتواروا عن الانظار ويأخذوا شهاداتهم معهم الى القبور، ومازالت كل تلك المبادرات قاصرة عن اداء الواجب، وبدلا من ان يبني الفلسطينيون عشرات المؤسسات ومراكز الدراسات، انهار مركز الابحاث الذي شكل الحارس الامين على التراث والتاريخ الفلسطيني وتوجه الغزاة الذين اقتحموا بيروت عام 1982 اول ما توجهوا نحو ذلك المركز في منطقة الحمراء ونهبوا ملفاته وارشيفه لمحو ذاكرة الشعب الفلسطيني، ومن يفقد الذاكرة لا يعود قادرا على بناء المستقبل المتصل بالماضي والمتواصل معه، وبعد اوسلو وبدء بناء الكيان الوطني الفلسطيني تنبهوا للكثير من مستلزمات البناء ولكنهم اهملوا اعادة بناء مركز الابحاث الفلسطيني الذي كان شامخا في السبعينيات ومطالع الثمانينيات وتوجهت الطرود الاسرائيلية الناسفة لرئيسه د. انيس الصايغ الذي فقد السمع وهو اليوم فاقد البصر من تأثير ذلك الطرد الناسف الذي انفجر في وجهه، وحين دخلوا مركز الابحاث عام 1982 في بيروت قتلوا زوجة رئيس المركز صبري جريس الذي عاد للوطن بعد اوسلو ولكن دون زوجته السيدة حنة، لقد بادرت مؤسسة التعاون الفلسطينية في الذكرى الخمسين لنكبة فلسطن، الى تبني فكرة انشاء متحف للذاكرة الفلسطينية ليكون صرحا شامخا للتاريخ الشفوي فيه حيز واسع يسير بناؤه بثبات وترسخت فكرة اقامته التي قطعت شوطا كبيرا وليكون له مجلس امناء من شخصيات عالمية ويتم بناؤه على احدث طراز مستفيدا من احدث التكنولوجيات في العالم، واذا كان لرواية مجزرة دير ياسين مكان في المتحف فان رواية مجزرة مخيم جنين يجب ان يكون لها مكان كبير في هذا المتحف. انني اتصل يوميا بجنين وامل ان يستكملوا تسجيل كل الشهادات الحية دون استثناء احد من الذين عاصروا الصمود ورأوا المجزرة عن قرب وعايشوا التفاصيل الصغيرة ذات الاهمية الكبيرة في استكشاف معالم الصورة، لرواية ما حدث للاجيال والعالم، وفي عالم اليوم فان امامنا روايات عديدة لصحف عالمية ووسائل اعلام واسعة وامامنا شهادات لعدد من كبار العاملين في المؤسسات الدولية وفي مؤسسات الامم المتحدة وفي المقدمة رواية تيري لارسن الذي قال ان ما شاهده كان دمارا هائلا وكأن زلزالا قد حصل، انه فصل مشين في تاريخ اسرائيل، وقد اثاروا حوله ضجة كبرى ولا احد يستبعد ان يتعرض له متطرف اسرائيلي كما فعلوا مع الوسيط الدولي عام 1945 الكونت برنادوت الذي اغتالوه في القدس لانه تجرأ على قول الحقيقة وحملوا المسئولية لاحد التنظيمات اليهودية الاشد تطرفا، اذ لم يكن هناك تنظيمات وميليشيات معتدلة وتم اقفال الملف. تذكر «الواشنطن بوست» من خلال مراسلها الذي توجه الى جنين ان الفلسطينية تمام رجا بقيت تحت بطانيتها وهي ترتعد عندما كانت تسمع صرخات الاستنجاد من جيرانها الذين انهار المنزل عليهم اثر اطلاق طائرات الهيلوكبتر الاسرائيلية صورايخها على مجموعة من المنازل وقالت تمام «44 عاما» «للواشنطن بوست» ان الاسرائيليين اطلقوا النار بشكل عشوائي على نوافذ المنازل في المخيم واستخدموا المدنيين دروعا بشرية للانتقال من منزل الى منزل وقطعوا رؤوس الكناري التي يملكها شخص من سكان المخيم يعمل في مجال تربية الطيور، ليت هذا الرجل يظهرعلى شاشات التلفزة العالمية ويتحدث عما فعلوه بطيوره ليعرف العالم من هم اعداء الطيور والعصافير في هذا العالم، تقول تمام انهم اصابوا من خلال رصاص القناصة زوج ابنتها في الطابق العلوي من المنزل، ولم يتمكن احد من نجدته ثم انهالت الصواريخ لتحيل المنزل الى رماد ويتوقف الشاب عن الاستغاثة. يقول محمد علي للصحيفة انه تجرأ ونظر من نافذة المنزل ليرى خمس جثث تحت ركام مبنى مجاور بينهم طفل صغير وفي موقع اخر من المخيم حسب رواية الممرض اسعد حشاش قتلوا رجلا في السبعين من عمره اطلق عليه قناص الرصاص وقتلوا راعيا للاغنام ولم يسمحوا كما هو معروف لسيارات الاسعاف بالتحرك لنقل المصابين الذين نزفوا حتى الموت. لقد نشرت «الواشنطن بوست» احتراما لمهنتها العديد من الشهادات الحية التي حملها مراسلوها ومندوبوها الذين سارعوا للتوجه للمخيم ونجحوا احيانا في دخوله والقتال «محتدم» ثم دخلوه بعد ذلك حين توقف القتال، لقد تعرضت الصحيفة لحملة واسعة من الغاء الاشتراكات ووقف الاعلانات قام بها يهود متعصبون، اذ يوجد في الولايات المتحدة نفسها يهود ليبراليون يشعرون بالعار لما تفعله الدولة اليهودية التي نصبت نفسها ناطقة باسم يهود العالم، وردا على ذلك قامت «البوست وشبكة ..ء» باستطلاع للرأي العام في اوساط شريحة من الامريكيين اتضح من خلاله انحسار التأييد الشعبي الامريكي لاسرائيل اذ قال 60% من الذين جرى استطلاع رأيهم انه على اسرائيل التفاوض مع ياسر عرفات «الذي يقول عنه شارون انه معزول وغير ذي صلة ويقول عنه بن اليعازر انه ادى دوره التاريخي وانتهى» وقال 54% انهم يخشون من ان الدعم الامريكي لاسرائيل قد يشكل خطرا على مصالح الولايات المتحدة في الشرق الاوسط وعلى حملتها ضد الارهاب وقال اكثر من نصف المستطلعين انه يجب وقف المساعدات الامريكية لاسرائيل والتي يدفعها دافع الضرائب الامريكي، اذ لم تستجب للمطالب الامريكية في الانسحاب السريع من مناطق السلطة الفلسطينية. تريد الواشنطن بوست بنشر هذا الاستطلاع ان تؤكد بأنها تعكس في مقالاتها وتغطياتها الصحفية نبض ورغبة الشارع الامريكي التي لا تتطابق هذه المرة مع موقف الشارع الاسرائيلي، بضاعة اللوبي اليهودي الذي تقوده «ايباك» اللجنة الامريكية الاسرائيلية للعلاقة مع الجمهور، بأن ما هو حسن لاسرائيل هو حسن لامريكا هي بضاعة فاسدة هذه المرة وقد كانت بضاعة رابحة في زمن الحرب الباردة والاستقطاب الدولي. في الصحف البريطانية الرئيسية: «الاندبندنت والجارديان والتايمز» تغطية واسعة لما حدث من مجازر في المخيم فاقت فظائع البوسنة وكوسوفو والشيشان وكذلك فضح لمحاولات اسرائيل اخفاء الحقائق وطمر الجثث تحت الانقاض، تكتب الاندبندنت من خلال مراسلها فيل ريفيز حول ما شاهده بأم عينه من دمار في هذا المخيم الصغير والمكتظ بالبشر، يقول المراسل انه شاهد بنفسه جثة فتاة ملقاة على الارض يتكاثر حولها الذباب وفي مبنى اخر شاهد جثة اشرف ابو حجر بين انقاض غرفة منهارة غطاها السواد وفي منزل ثالث كانت هناك خمس جثث ملقاة مغطاة بالبطانيات وقد مر عليها زمن. وينقل المراسل عن ابن المخيم كمال انيس الذي شاهد بعينيه الجنود الاسرائيليين يكدسون 30 جثة تحت انقاض منزل نصف مدمر وبعد ان انتهوا من تكديس الجثث جرفوا المبنى بالجرافات وقاموا بتسوية المكان والجثث تحت الانقاض. وتكررت هذه الرواية على لسان عديدين من المراسلين وابناء المخيم الناجين الذين تحدثوا عن دفن الجثث في ساحة المخيم وتحت الانقاض. «الجارديان» البريطانية تؤكد الروايات حول المذابح التي زادت حدتها بعد مقتل ثلاثة عشر جنديا اسرائيليا اغلبهم من جنود الاحتياط، اذ تنقل الصحيفة عن ابنة المخيم عائشة صلاح ان الجنود كانوا يحملون خرائط توضح بدقة المنازل التي يريدون تجريفها. مراسل صحيفة التايمز البريطانية الذي دخل المخيم كان عنيفا في مقاله في الصحيفة اذ اكد المراسل جانيتي دي جيوفاني ان الفلسطينيين الذين التقاهم لم يبالغوا حسب الادعاء الاسرائيلي، بل ربما هونوا من الامر وتحدثوا عن المنطقة التي يعيشون فيها فقط، يقول المراسل انه رأى جثة بشير وقد تفحمت تحت الانقاض، وكان الرأس متجها صوب الباب كما لو كان يطلب النجدة وعسران ابو هديل الذي كان محترقا بين كتل الاسمنت ويداه ممدودتان كما لو كان لحظة احتضاره يحاول النجاة من بين الانقاض والكاتب يؤكد انه على مدار عقد من الزمان قام بتغطية حروب ومجازر البوسنة والشيشان وكوسوفو وسيراليون ولكنه لم ير مثل هذا التدمير المتعمد ومثل هذه الاستهانة بحياة البشر كما رأى في جنين. تأتي هذه الشهادة القاسية جدا من صحيفة متزنة ليست معروفة بأنها مؤيدة للفلسطينيين والعرب لكن الحقيقة كانت ساطعة والمذبحة هائلة لا يستطيع اي صحافي منصف، بدرجة او باخرى، ان يتجاهل مناظرها المروعة، وربما ساهمت هذه الشهادات التي قرأها ملايين القراء في تحريك المظاهرات في كل انحاء اوروبا، هذا الامر كان بعيدا عن تصور شارون وحكومته اذ اعتقدوا ان اغلاق المخيم امام وسائل الاعلام سيمنع المشاهد من الخروج للعالم كما حدث في مذابح سابقة وكما حدث في صبرا وشاتيلا لم يعرفوا ان الدنيا قد تغيرت وزلزلت الارض زلزالها ودخل العالم منذ سنوات عصر الاعلام: عصر الصوت والصورة الاكثر تأثيرا من كل قول. في «الصنداي تايمز» الاسبوعية كتب حامي ترابية بأن نقل المصابين للمستشفى عملية صعبة وبطيئة اذ تحيط بالمستشفى 12 سيارة عسكرية اسرائيلية ويقوم الجنود بتفتيش دقيق لسيارات الاسعاف مما يعني امكانية وفاة المصابين او استحالة علاجهم، يقول مراسل الصحيفة ان معرفة عدد الذين سقطوا في المخيم مازال متعذرا ففي ثلاثة ايام قضاها في المخيم شاهد تسعة جثث وهناك جثث تحت الانقاض واناس قلقون لا يعرفون شيئا عن اهلهم، العمل بحرية كان صعبا جدا داخل المخيم، حسب روايته، اذ في كل مرة شاهده الجنود قاموا باعتقاله واخراجه خارج المخيم. في المانيفستو الايطالية يكتب مكيلي جورجو مقالا مؤثرا بعد ان قام بتغطية الاحداث داخل المخيم يقول الكاتب: لقد استوعبنا الاسباب التي ادت الى منع الصحافة لايام كثيرة من دخول المخيم، لقد أحالوه الى ركام وكأنه تعرض الى زلزال عنيف بلغت قوته اعلى درجات سلم ريختر، لقد شاهدت، يقول المراسل، خمس جثث متفحمة مكدسة في غرفة والبيت ليس مدمرا، مما يوحي انهم قتلوا عبر انفجار او وسيلة اخرى، في بيت اخر شاهد زميلي جثة مقطوعة الرأس، في حارة الحواشين التي تدمرت تماما كانت هناك جثث عديدة، ومازالت الجثث تحت اطنان الركام، صرخ محمد رايده في وجوهنا: ماذا فعل العالم لنا، انتم كذابون، لقد شعرت بالعجز فعلا امام هذه الصرخة، ولكن الصامت على هذه الجريمة لاية اسباب هو شريك في جريمة الحرب هذه، الشعب الفلسطيني يتعرض للاضطهاد والقتل والتدمير لانه يطالب بسلام عادل ويرفض املاءات القوى لسلام مفروض، ما حدث في جنين انما يمثل جريمة حرب بكافة المقاييس سيتم في يوم ما تقديم المسئولين عنها للمحاكمة. في ايطاليا التي يعتبر شعبها صديقا تقليديا للشعب الفلسطيني والذي زودته الصحف والفضائيات بمعلومات واسعة عن المجزرة خرج عشرات الالاف في مظاهرات صاخبة ضد حكام تل ابيب، لكن كل هذه التظاهرات وكل قرارات المجلس البرلماني الاوروبي بضرورة اتخاذ قرارات ضد اسرائيل مثل تجميد اتفاق الشراكة الاوروبية الذي ينص في احد بنوده على ضرورة الالتزام باحترام حقوق الانسان، لم تزحزح الحكومات الاوروبية بتأثير المانيا التي قال مستشارها ان بلاده مازالت تئن تحت وطأة الشعور بالذنب بسبب جرائم النازيين ضد اليهود، وبريطانيا الاقرب للموقف الاميركي لم تزحزح هذه الدول لاتخاذ قرارات واجراءات عقابية كان سيكون لها الاثر الكبير في تعميق عزلة حكومة شارون مما قد يدفع بالجمهور الاسرائيلي في نهاية المطاف لاحداث التغيير المطلوب، لكن اغلب اوروبا مازالت حريصة على عدم استثارة الولايات المتحدة الاميركية وعدم الرغبة في تحدي سياستها الشرق اوسطية، وربما يتحمل العرب بعض المسئولية لانهم لم يعطوا جهودا كافية صوب اوروبا في هذه الاسابيع الحاسمة، وتوجهوا صوب واشنطن لعلهم ينجحون في التأثير على سياساتها. الصحافة الفرنسية قامت هي الاخرى بتغطية واسعة وأمينة لما حدث في مخيم جنين، صحيفة «لومانيتية» الناطقة باسم الحزب الشيوعي الفرنسي كانت الاكثر تغطية للمجازر، كتب بيار باربانسي «ان الجيش الاسرائيلي حول وسط مخيم جنين لما يشبه ما حدث في برلين عام 1945 بعد استسلام المانيا واعلان نهاية الحرب العالمية الثانية» ويكتب في الصحيفة انه شم رائحة الجثث وشاهد اكواما من النفايات وظروفا صحية مريعة واطفالا ونساء يصرخن وهن يحملن اطفالهن لانهن لم يعدن قادرات على تنظيفهم بسبب النقص في المياه، لقد رأيت جثة في اليوم الاول وسط المخيم ورأيت جثتين اخريين تحت الركام، وبحسب الشهادات التي اكدها صحافيون اخرون فان الجيش كان يرمي الجثث في حفرة كبيرة في وسط ساحة الحواشين ثم تطمر بعد ذلك ويقوم الجيش بوضع ركام البيوت المهدمة فوق تلك الحفرة. لقد وصل مراسلو وكالات الانباء العالمية تباعا لمخيم جنين، يقول مراسلو وكالة «فرانس برس» نقلا عن تمام زهدي التي لم تفتح الباب الا عندما سمعت الصحافيين يتحدثون اللغة العربية ان الاسرائيليين اخذوا زوجها وجمعوا سبعة وعشرين شخصا في غرفة واحدة لخمسة ايام، وتركوهم دون حليب اطفال ودون طعام، وتشجعت زهرية محمود خضر وهي في الثالثة والستين من العمر للحديث مع المراسلين حيث اطمأنت اليهم وهم يتحدثون العربية وقالت لهم: هذه شظايا القذيفة التي قتلت ابني، اما زوجي فهو في المستشفى بين الحياة والموت. عبدالله صالح «54 عاما» قال لهم انهم احتجزونا وكنا خمسة وخمسين شخصا في غرفة واحدة، كنا ننام مع كلابهم. احمد محمد خليل في السبعين من عمره ابلغ صحافيي الوكالة الفرنسية ان شقيقته يسري وقد جازوت السبعين من العمر لقيت حتفها في المنزل وقد بقيت جثتها في البيت، لا احد يستطيع اخراجها ودفنها. فريال حسين مضامن قالت لهم «ان قذيفة سقطت على بيت صديقتي عفاف الدسوقي التي هربت الى الشارع ولكن قذيفة اخرى قتلتها في الشارع. وتوالت الروايات حول المحاولات الاسرائيلية لاخفاء معالم الجريمة بدفن الجثث في الاغوار او في الجولان، وفي رواية ثالثة قال مراسل وكالة الانباء الفرنسية ان فتاة عربية من قرية ابو كف البدوية داخل اسرائيل اكدت انها شاهدت عمليات دفن في قرية بناطين الغربية وقالت وهي ترتجف خوفا انها شاهدتهم وهم يسحبون جثثا من شاحنتين ويصفونها في حفر ثم يدفنونها بالجرافات، كان الجنود الذين قاموا بذلك يرتدون قفازات ويغطون اقدامهم بالبلاستيك. وفي روايات اخرى نقلتها وكالات الانباء العالمية قال احد الناجين الذين انتقلوا للقرى المجاورة: كفردان او رمانة، قال احد هؤلاء: «رأيت الجثث على قارعة الطريق وقد قمنا بدفن عدد منها في الشارع نفسه تحت الوحل». وقال ابو محمد لمراسل فرانس برس: « لقد تم تقييدي وعصبوا عيني قبل اقتيادي، مع حوالي تسعين شخصا الى معسكر سالم قرب جنين حيث جمعوا هناك المئات من ابناء المخيم، اجبروا الجميع على نزع الثياب وعرضوهم للضرب المبرح دون سؤال عن اي موضوع ودون توجيه اية تهمة، قال ابو منحمد لقد بقيت كما بقي غيري راكعين لساعات طويلة مقيدي اليدين والرأس مخفوض باتجاه الارض، لن ننسى ذلك ابدا. هذا هو الامر الذي حذر منه عدد من رجالات السلام المتبقين في اسرائيل بأن الكراهية ستتعمق والغضب سيبقى يعتمل في الصدور ودعوات الانتقام ستتلاحق، انهم بذلك يحولون الاطفال الى استشهاديين لما شاهدوه من اهانات لآبائهم الذين كانوا يجبرونهم على خلع ملابسهم امام الاطفال والنساء لغرض الاهانة فقط. يقول يوري افنيري رئيس كتلة السلام والكاتب الصحافي المعروف ان شارون بهذه الحماقات وهذه الوحشية يعيد بناء بنى تحتية جديدة لعمليات عسكرية اكثر عنفا لن تنفع معها «اسوار واقية» جديدة اذ ان عملية «السور الواقي» ورغم ما حققته من اعتقالات وتدمير قد تهاوت امام اول عملية عسكرية قرب الخليل والانذارات الساخنة مازالت تتوالى. الصحف الالمانية اشتركت بنشاط في تغطية جريمة العقد الاول من هذا القرن وكتبت «دير شبيغل» الصحيفة الاكثر انتشارا حول مخيم جنين وقالت بعد جولة لمندوبيها ومراسليها انه لم يبق في المخيم سوى رائحة الموت والدمار والجوع والالم والحرمان، ان هناك صعوبة بالغة في معرفة عدد القتلى للتعتيم الذي فرضته قوات الاحتلال، تقارير المؤسسات الدولية تتحدث عن مصرع المئات تحت الانقاض، الناطق الرسمي باسم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين قال ان حجم الاضرار داخل المخيم كبير جدا لدرجة اعتقد فيها المرء للوهلة الاولى بأن المنطقة ضربها زلزال مدمر، الاسرائيليون تحدثوا في البداية عن قتل المئات في مخيم جنين لكنهم عادوا وسحبوا ذلك التصريح وشيمون بيريز قال ان ما حدث سيعتبره الفلسطينيون مجزرة ثم سحب ما نسبوه اليه. الناطقون باسم الهيئات الدولية اكدوا حسب «دير شبيجل» ان القوات الاسرائيلية اقترفت مذبحة جماعية بأوامر من قادة الجيش، والاونروا «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» تمتلك احصاءات بأسماء سكان المخيم وستحاول معرفة من تبقى ومن مازال مفقودا، لكن المشكلة انه في المخيم تجمع مقاتلون من عدد كبير من القرى المجاورة لخوض هذه المعركة الفاصلة واسماؤهم غير معروفة لوكالة الغوث، فقد كان من بينهم القائد ثابت المرداوي القادم من بلدة عرابة، وهناك اخرون تجمعوا من قرى عديدة وبعضهم وجد في المخيم فرصة للقتال وجاء من مناطق بعيدة، سيحتاج الامر فترة اطول لمعرفة كل الحقائق. وتنقل كريستيان ميللر «لوس انجلوس تايمز» انها تحدثت الى اشخاص عديدين قالوا انهم رأوا الجنود الاسرائيليين يطلقون النار على مدنيين غير مسلحين ويمنعون الجرحى والمصابين من البحث عن علاج طبي، الممرضة لوفيا طعيمة من احد المراكز الطبية التابعة للامم المتحدة في المخيم قالت في شهادتها التي نشرتها الصحيفة انها شاهدت من خلال فتحة في شباك رجلا يمشي في الشارع ممسكا ببطنة وهو يصرخ: اريد طبيبا لا سلاح معي، اريد الذهاب الى المستشفى فما كان من الجنود الا ان اطلقوا عليه النار واردوه قتيلا. الممرضة وشاهد اخر هو بهاء عواد اكدا ان الجيش لم يسمح لعائلة باخراج ابنها المعاق ذهنيا بعد ان طلبوا منهم الخروج من المنزل على الفور وبدأوا هدم المنزل بالجرافات، بقي المعاق في المنزل رغم صراخ الاهل واستغاثتهم وردموا المنزل عليه وبقي تحت الانقاض. هكذا كانت نهاية الشاب جمال 38 عاما المصاب بشلل تام منذ ان اصيب في حادث في طفولته، قال والد هذا الشباب الذي جاوز السبعين من العمر لوكالة انباء رويترز: انني ميت وهذا قبري، مشيرا الى ركام منزله الرابض امام عينيه حيث تحول المنزل الانيق ذو الطوابق الثلاثة في ثوان الى انقاض رقد تحته ابنه المعاق حيث اعطوهم دقيقة واحدة للخروج من المنزل. تلك نماذج من هذه الشهادات الحية التي نقلتها صحف اوروبا والعالم واطلع عليها ملايين القراء وسجلها صحافيون ميدانيون يتابعون مثل هذه الحروب ويوثقون الانتهاكات الفظة لحقوق الانسان، ومع ذلك فما زلنا بحاجة لتوثيق اشمل تقوم به مؤسسات ولا يبقى نتاج مبادرات حماسية وعاطفية، لابد ان نسجل كل شيء، الان وليس غدا وان نطوف العالم بهذه الروايات الموثقة ليعرف العالم طبيعة حكومة شارون ونتائج اخر احتلال على وجه الارض في القارات الخمس، لقد اقترحت دعوة كل صحفي اجنبي شارك بشجاعة في تغطية الجريمة وفي تسجيل هذا التاريخ الشفوي وخاطر بحياته من اجل ذلك، دعوتهم لمؤتمر عام يحظى بتغطية تلفزيونية واسعة لاحداث التفاعل بين روايتهم ووضعهم امام مسئولياتهم المهنية والانسانية.