ما هو الدور الذي لعبته روسيا في حرب الخليج الثانية بالضبط وماذا عن حرب كوسوفو؟ لماذا استقال بوريس يلتسين فجأة من رئاسة الاتحاد الروسي؟ كيف وصل فلاديمير بوتين الى السلطة؟ وما هو الموقف الروسي من الصراع العربي ـ الاسرائيلي؟ هذه هي بعض الاسئلة التي يحاول مؤلف هذا الكتاب التصدي لها، ولاشك في ان الاجابات المقدمة تحمل الكثير من الجدة والجدية، فالمؤلف يفجيني بريماكوف هو احد ابرز رجال السياسة الروس الذين شغلوا مناصب حساسة، اتاحت لهم التعرف على حقيقة ما يجري وراء الكواليس حول اخطر القضايا التي شهدها العالم خلال العقود الاخيرة الماضية، فقد كان بريماكوف رئيسا لجهاز المخابرات السوفييتية الشهير «الكي. جي. بي» ووزيرا لخارجية روسيا ثم رئيسا لوزرائها وكان احد أهم المرشحين لخلافة بوريس يلتسين، وهو احد اهم الاختصاصيين الروس في شئون العالم العربي والاسلامي. إننا امام كتاب تختلط فيه سيرة حياة يفجيني بريماكوف وذكرياته السياسية، هذا الرجل الذي استهل مسيرته السياسية قبل قرابة نصف قرن من الزمان كرس حياته واهتمامه منذ الستينيات للشرق الاوسط، وخصه بموضوع اطروحته لنيل شهادة الدراسات العليا في العلوم السياسية، ليمضي بعد ذلك سنوات عديدة في المنطقة، وخاصة في القاهرة، مراسلا لصحيفة «البرافدا» قبل ان يستأنف مسيرته السياسية نحو القمة في بلاده. كانت الأسفار الى الولايات المتحدة واوروبا والعديد من المؤشرات الاخرى تدل على انه كان هناك ميل دولي للحل العسكري، لكن هذا لم يكن يعني ان الآراء كانت تتفق داخل المعسكر المعادي للرئيس العراقي، لقد كان التباين كبيرا في الواقع بين مواقف الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران ورئيس الحكومة الايطالي اميليو اندريوتي من جهة وبين الخط الذي كانت تدعو له رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك مرغريت تاتشر. لكن مع هذا كانت فرنسا وايطاليا تدركان بأنه في حال عدم الوصول الى حل سياسي للازمة رغم دعوات التعقل المتكررة بأنهما سوف تدخلان الحرب في حال وقوعها، ولكن بكل الاحوال كان واضحا ان مختلف الدول الاوروبية والغربية تريد الابقاء على الصلات مع روسيا بشأن التطورات في ازمة الخليج. موسكو والورقة العربية في الوقت نفسه طلب الرئيس السوفييتي ـ آنذاك ـ ميخائيل غورباتشوف من بريماكوف، مؤلف هذا الكتاب متابعة مهمته في الشرق الاوسط والتركيز على القاهرة ودمشق والرياض وبغداد. كانت الورقة الاساسية التي يراد استخدامها تتمثل في دفع المصريين والسوريين والسعوديين للضغط على بغداد من اجل ان تجلي قواتها عن الكويت، اي لعب الورقة العربية، وضمن هذا السياق يتمثل الموضوع المركزي خلاله في جعله يدرك الخطر الذي ينتظره اذا لم يستجب لمطالب المجموعة الدولية، وتجدر الاشارة هنا الى ان بريماكوف وكما يقول، كان الشخص الاجنبي ـ السياسي ـ الوحيد الذي كان على صلة بالرئيس العراقي صدام حسين. في 24 اكتوبر 1990 غادر بريماكوف موسكو الى القاهرة، حيث استقبله في المطار د. بطرس غالي ودار الحديث في السيارة التي اقلتهما من المطار الى قصر الضيافة وقد ابدى د. بطرس غالي قلقه الكبير من نتائج حرب كانت تبدو اكثر من محتملة وبدأ القلق نفسه لدى د. اسامة الباز المستشار المقرب من الرئيس المصري حسني مبارك. وقد كان قلقه يعود لعدة اسباب، اذ كان هناك جنود مصريون في اطار القوة الدولية التابعة للامم المتحدة كما كان مئات الآلاف من العمال المصريين يعملون في بلدان الخليج التي كانت مرشحة لتكون مسرحا للعمليات الحربية، ويضاف الى هذا وذاك تصور قوامه امكانية ان تؤدي تلك الازمة الى هبة اصولية جديدة في مصر. ان حدثين اثنين استجدا ليعدلا من برنامج زيارة بريماكوف كان الحدث الاول ذا طابع تقني بحت، إذ كان الرئيس المصري حسني مبارك يقوم بزيارة لمنطقة الخليج وقد أعرب عن استعداده، كما قال د. اسامة الباز لاختصار جولته والعودة للقاء المبعوث الروسي ـ السوفييتي آنذاك ـ ولكنه لم يكن يستطيع العودة قبل 26 اكتوبر اما الحدث الثاني فقد كان ذا طبيعة سياسية بحتة، اذ ان وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل اخطر اسامة الباز هاتفيا بأنه يفضل ان يذهب بريماكوف اولا الى العراق ثم الى الرياض في الوقت الذي كان السفير العراقي في القاهرة قد اشار من جهته الى أن الرئيس العراق يفضل العكس اي ان يذهب بريماكوف اولا الى الرياض ثم الى بغداد لكن الاقتراح السعودي هو الذي تم الاخذ به، لقد كان بريماكوف يعتقد انه باستطاعته من جهة اقناع الرئيس العراقي بأن الحقائق السياسية لها الارجحية على شكليات «الوجاهة» ومن جهة اخرى كان بريماكوف يأمل الا يذهب لملاقاة العاهل السعودي فهد بن عبدالعزيز خالي الوفاض. وضمن هذه الشروط ونظرا للمهمة الملحة لبريماكوف، قام بطلب تقديم موعد لقائه مع الرئيس السوري حافظ الأسد حيث حصل على ما يريد سريعا، كان بريماكوف يعرف الرئيس الاسد منذ فترة طويلة، وكانا قد التقيا مرات عديدة هكذا دار الحديث بكل سهولة، فالرئيس الاسد كان يعرف كيف يصغي الى المتحدثين معه مع تمرير افكاره بكل مهارة اثناء الحديث، لقد كان سياسيا محنكاً واقترح صيغة مهمة تتمثل في «عقد قمة عربية توجه نداء للرئيس العراقي كي يسحب قواته من الكويت وذلك لمصلحة جميع العرب» ثم ان هذا كان يسمح للقادة العرب للقول بأن سحب القوات العراقية من الكويت قد يفتح الطريق امام تسوية للقضية الفلسطينية «ولكن هل يمكنكم النجاح بعقد مثل هذه القمة؟» هكذا يتساءل بريماكوف، بادر الرئيس الاسد من دون ان يجيب على هذا السؤال اوضح انه يمكن لمثل هذا المشروع ان يلقى النجاح، لاسيما وان الرأي العام العربي وحتى في اكثر البلدان حماسا للدعوة لانسحاب القوات العراقية من الكويت كان ضد قيام الحرب. وأكمل الرئيس السوري الراحل القاء الضوء على منطقه قائلا انه حتى في حالة استحالة عقد قمة عربية فانه يمكن لقادة عدة بلدان عربية توجيه رسالة للرئيس العراقي، كما اشار الاسد الى ان الاتحاد السوفييتي قد يكون عبر علاقته مع الرئيس العراقي الدولة الوحيدة القادرة على العمل في هذا الاتجاه. وفي 26 اكتوبر 1990 عاد بريماكوف الى القاهرة للقاء الرئيس المصري حسني مبارك الذي كان يعرفه ايضا منذ سنوات عديدة لقد ابدى الرئيس المصري تجنيده للحل السياسي، كما دعم المبادرة السوفييتية وأثراها باقتراح جديد يتمثل في انه في حال قبول الرئيس العراقي الانسحاب من الكويت يتم ضمان شروط ملائمة له في مفاوضاته اللاحقة مع الكويت وعندما اكد الرئيس حسني مبارك التزامه بمثل هذا الاقتراح سأله بريماكوف: «ولكن ماذا عن المملكة العربية السعودية؟» فأجاب بأنه على اقتناع تام بأن الرياض سوف تعمل في الاتجاه نفسه. لكن بالمقابل أظهر الرئيس المصري تشككه اكثر من الرئيس الاسد بخصوص اقتراح عقد قمة عربية، وقد كان الرئيس مبارك على صلات مستمرة مع الادارة الاميركية بخصوص ازمة الخليج وبكل الاحوال اتفق الطرفان السوفييتي والمصري على ضرورة التمييز بين «مكافأة» العراق وبين «ما يتم تقديمه له» من اجل قبوله سحب قواته كاملة من الكويت. عند خروج بريماكوف من القصر الرئاسي بالقاهرة احتشد حوله جمع من الصحافيين فاكتفى بالقول انه «قليل التفاؤل» وكان يعتقد انه بعد لقاءات دمشق والقاهرة كانت لاتزال هناك اسباب للامل وان مفتاح نجاح المهمة يكمن في بغداد، لكن الاوضاع لم تكن تسير على ما يرام هناك اذ كان طارق عزيز قد ابلغ السفير السوفييتي بأن القيادة العراقية قد ساءها كثيرا القرار الجديد لمجلس الامن الذي كان يطالب العراق بدفع تعويضات للكويت كما قال طارق عزيز ان الاتحاد السوفييتي كان قد «دعم بنشاط ذلك القرار». وبالتالي قد لايبدو قدوم ممثل الرئيس السوفييتي الى بغداد ذا فائدة كبيرة في تلك الظروف. عراقيل في الطريق لقد ارسل بريماكوف عن طريق السفير السوفييتي في بغداد الرسالة التالية لطارق عزيز: «اننا مندهشون جدا حيث انه في هذه اللحظة الحاسمة التي تبذل فيها موسكو كل ما في وسعها لايجاد حل سياسي للازمة، يقوم الطرف العراقي بوضع العراقيل في طريقي. وفي مثل هذه الظروف لن آتي الى بغداد، الا اذا جددتم الدعوة لي للقيام بمثل هذه الزيارة واذا لم اتلق اجابة من الآن، وحتى ظهر اليوم الثاني فانني سأعتبر ان هذه الزيارة قد ألغيت». وحالما تسلم طارق عزيز هذه الرسالة رد على الفور بأن العراق كان مستعدا، وعلى اعلى مستوى لاستقبال ممثل الرئيس السوفييتي. وهكذا تمت الزيارة اولا الى بغداد ثم الى الرياض، وكان اللقاء مع الرئيس العراقي قد تم على مرحلتين، اولا بحضور عدد من الشخصيات ثم على انفراد، والملفت للانتباه هو ان جميع اعضاء القيادة العراقية المدعيين للاجتماع كانوا يرتدون الزي العسكري وقد قال الرئيس العراقي: «ليس صدفة انني قد قمت بدعوة جميع زملائي في القيادة الى هذا الاجتماع» ويوجد بينهم متشددون «صقور» ومعتدلون «حمائم» فليستمعوا اذن للحديث الذي يدور بيننا، فأردف بريماكوف قائلا: «كنت افضل ان ألا يكون هنا سوى الحمائم» فأردف طه ياسين رمضان: «في هذه الحالة لن يبقى في القاعة سوى رئيسنا المحبوب». ولعل الاشارة الى «الصقور» و«الحمائم» كانت ترمي الى البرهان بأن الرئيس العراقي يمتلك هامشا ما للمناورة لكنني اشك ان ما قاله حول وجود خلاف في الآراء داخل القيادة كان يعكس الحقيقة. في ذلك اللقاء مع الرئيس العراقي احس بريماكوف بوجود بعض التغيير. اذن الاجتماع السابق في 5 اكتوبر 1990 كان قد اكد على ان الكويت تتبع تاريخيا للعراق.. لكنه لم يتطرق لمثل هذه الموضوع في اللقاء الجديد في 28 اكتوبر 1990، ولم يكن ايضا يرفض كالسابق فكرة بريماكوف حول سحب قواته كـ «خطوة اولى سابقة على اي عمل» بل وأبدى استعداده للتفاوض حول الشروط الملموسة لمثل ذلك الانسحاب وقد كان يقول في الجلسات المغلقة: «كيف يمكنني الاعلان عن سحب قواتي من دون معرفة كيفية تسوية مسألة جلاء القوات الاميركية عن السعودية، وايضا من دون معرفة ما اذا كانت العقوبات المقررة من قبل مجلس الامن سيتم الغاؤها او الابقاء عليها وما اذا كان انسحاب القوات العراقية من الكويت سيدفع نحو ايجاد تسوية للقضية الفلسطينية؟» وبالطبع كان الرئيس العراقي لايزال يطرح شروطا من اجل سحب قواته من الكويت، لكن موقفه كان قد تغير وان لم يكن الى الدرجة التي كان يراد بلوغها كما ان تطورا آخر استجد في موقفه، وهو انه قبل الحديث بصورة ملموسة عن الرهائن الاجانب الموجودين في العراق، بل وانه اشار صراحة في مقابلة اجرتها معه شبكة «السي.ان.ان» الاميركية الى احاديثه بهذا الشأن مع بريماكوف اذ قال: «لقد عرضت البارحة على بريماكوف بعض الافكار الملموسة كي نستطيع ايجاد مخرج مقبول لمشكلة السجناء المحتجزين في بلادنا». وكان الرئيس العراقي قد اقترح ان يوجه له الرئيسان الروسي والفرنسي طلبا للافراج عن الرهائن يؤكدان فيه: «حرصهما على التوصل لتسوية سلمية لازمة الخليج وللمشكلات الاقليمية» هذا الى جانب ادانة استخدام القوة ضد العراق. لقد اخبر بريماكوف الرئيس العراقي بأن اقتراحاته غير واقعية ولكنه سوف ينقلها مع ذلك الى الرئيس غورباتشوف الذي كان يقوم بزيارة لفرنسا، وفي الوقت نفسه اشار طارق عزيز الى أن القيادة العراقية مستعدة لدراسة اية اقتراحات اخرى يقدمها الرئيسان السوفييتي والفرنسي. الشريك الوحيد ابدى الرئيس العراقي اهتمامه ايضا بفكرة تسوية الازمة عبر وساطة عربية، وتجدر الاشارة هنا الى انه كان يعتبر المملكة العربية السعودية بمثابة الشريك الرئيسي بل والوحيد في المفاوضات. وقد اشار الى استعداده «في اي لحظة وبأي مكان» للقاء شخصيا مع القادة السعوديين او ان يرسل للقائهم اي عضو من اعضاء القيادة المحيطين به. مع ذلك لم يجب الرئيس العراقي بـ «نعم» على المسألة الاساسية، واثناء اللقاء الانفرادي بين بريماكوف والرئيس العراقي قال مبعوث الرئيس السوفييتي: «انك تعرفني منذ فترة طويلة واعتقدت انك على اقتناع بأنني كنت دائما شريفا معكم، اذا لم تعلنوا عن سحب قواتكم من الكويت واذا لم تتدخلوا بهذا الاتجاه فان العراق سيتعرض حتما للضرب الشديد». لقد كرر الرئيس العراقي من جديد القول انه لن يتصرف بهذه الطريقة اذا لم يحصل مسبقا على اجابات على الشروط التي كان قد وضعها وقال: «ان ذلك سيكون عملا انتحاريا بالنسبة لي.. وليس بالنسبة لي وحدي فقط فاذا قمت بسحب قواتي من الكويت من دون ان اعرف قراراتكم فان العراق يقوم بحركة انتحارية انني انتظر اذن اتصالاتنا اللاحقة. عندما كان بريماكوف في طريقه من بغداد الى الرياض، عقد الرئيسان السوفييتي غورباتشوف والفرنسي ميتران مؤتمرا صحافيا مشتركا في باريس، وقد تمت الاشارة فيه الى لقاء بريماكوف مع صدام حسين وحيث كانت البرقية التي ارسلها المبعوث السوفييتي الى بغداد قد ايقظت الرئيس الروسي عند الساعة الخامسة صباحا. وعندما وصل بريماكوف الى السعودية التقى في جدة مع الملك فهد والاميرين عبدالله وسلطان ووزير الخارجية سعود الفيصل كان الجميع يتحلق حول طاولة مستطيلة شبيهة بتلك الطاولات الموجودة بقصر الكرملين: وقد بدأ بريماكوف بعرض تفصيلي للموقف السوفييتي من ازمة الخليج. بدأ بريماكوف بعرض تفصيلي للموقف السوفييتي حيال ازمة الخليج والذي كان يدعم بقوة الانسحاب غير المشروط للقوات العراقية من الكويت واستعادة الامارة لسيادتها كاملة ولكن في الوقت نفسه اكد ان السوفييت لن يوفروا اي جهد من اجل الوصول الى حل تلك الازمة بالطرق الدبلوماسية وقد كان رد فعل الملك فهد مرحبا ومصفقا بيديه ان السعوديين يتحلون بقدر كبير من العفوية والحس الطبيعي. ولم يبد الملك فهد وباقى المسئولين السعوديين رفضهم لفكرة ان يكون هناك «مقابل غير معلن عنه» من اجل اقناع الرئيس العراقي بالانسحاب لكنهم كانوا شأن الاميركيين، يخشون من ان يتخذ ذلك ذريعة لكسب الوقت وتقوية مواقفه في الكويت وكان من الواضح ايضا ان بعض افراد العائلة الحاكمة في السعودية يؤيدون القيام بعمل عسكري ثوري اما موقف الملك فهد فقد بدأ اكثر اعتدالا وتروياً وفيما هو ابعد من الكرم السعودي التقليدي تحدث الملك فهد الى بريماكوف كما يشير بانفتاح كبير وبحرارة» اذ كان مقتنعا كما يؤكد بريماكوف ايضا بانه كان هناك امل في ارغام العراق على سحب قواته من الكويت بالوسائل غير العسكرية. كان العراق يشكل موضوعا حساسا بالنسبة للسعوديين الذين كانوا يشيرون الى ان بلداناً قليلة كانت قد تمتعت بالدعم وخاصة المالي منه الذي قدمته المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة والكويت لبغداد اثناء الحرب العراقية ـ الايرانية. مع هذا لم يكن موقف الرياض من العراق مبنيا فقط على مثل هذه الاعتبارات، مهما كانت درجة مصداقيتها وواقعيتها كان الملك فهد يتساءل عما اذا كان ممكنا الحصول من العراق، بما في ذلك في حالة الوصول إلى حل بالطرق السلمية، على التزامه بوقف تهديداته لجيرانه، وقد ختم حديثه بالقول: «اذا لم نتوصل إلى ذلك فاننا سوف نكون مرغمين على التزود بأقصى درجة ممكنة من التسلح». وبالطبع، قام بريماكوف، كما يقول بابلاغ الملك فهد بان الرئيس العراقي يرى فيه الشخصية الوحيدة القادرة في العالم العربي على لعب دور كبير في ايجاد حل للأزمة الكويتية، كما ابلغه باقتراحه عقد لقاء قمة عراقي ـ سعودي. لقد احس بريماكوف بان الملك فهد لايريد ان يتخذ قرارات على استعجال لاسيما وان تعاونا وثيقا كان قد بدأ بين القادة السعوديين والاميركيين، كما انه ينبغي ان لاننسى ان القوات الاميركية كانت ترابط على الاراضي السعودية لكن هذا لايمنع من ان الملك فهد كان من دون اي لبس او غموض مؤيدا لمتابعة المبعوث السوفييتي لمهمته. لقاء في الطائف اثناء وجود بريماكوف في الرياض ابلغه الامير سعود الفيصل، وزير الخارجية السعودي، بأن امير الكويت يتمنى اللقاء به وكان الأمير قد استطاع اثناء الغزو مغادرة قصره المحاصر واللجوء الى المملكة العربية السعودية. وقد وضعت السلطات السعودية طائرة الملك الخاصة لنقل بريماكوف الى الطائف حيث كان امير الكويت يقيم مؤقتا في فندق الشيراتون، كان ذلك اللقاء مهما بالنسبة للمبعوث السوفييتي اذ انه كان سيسمح بالاطلاع مباشرة على ردود الفعل الكويتيين حيال المبادرة السوفييتية، هذا في الوقت الذي كان فيه الكويتيون من الاكثر تشددا في المطالبة بعمل عسكري ضد صدام حسين. كان وزير خارجية الكويت في استقبال بريماكوف بمطار الطائف.. وفي الطريق تحدث الوزير عن الآلام والمعاناة الكبيرة التي يعيشها ابناء وطنه؟ وخاصة اقرباءه الذين لقي بعضهم حتفه بينما لايزال مصير الآخرين مجهولا. كان الاستقبال حافلا من قبل الامير ولم يبد اي تحفظ على فائدة البحث عن حل سلمي للازمة هكذا اثبت الحديث بين الطرفين صحة التوجه السوفييتي. ومن خلال جميع المحادثات التي اجراها بريماكوف مع جميع قادة البلدان العربية المشاركة في التحالف ضد العراق وعلى الرغم من اختلاف مضمون هذه المحادثات، فقد بدا له ان هؤلاء الرجال جميعهم وعلى الرغم من مقتهم للرئيس العراقي بل وارادة التخلص منه لم ينسوا ابدا ان العراق هو بلد عربي الامر الذي كان يترك فسحة من الامل لامكانية الوصول الى تسوية سياسية للازمة الكويتية. بتاريخ 30 اكتوبر 2001 عاد بريماكوف الى موسكو بعد وقفة قصيرة في لارنكا، العاصمة القبرصية حيث استقبله وزير الخارجية القبرصي في المطار، وحيث كانت تنتظر طائرة مروحية مستعدة للاقلاع. لقد نقل وزير الخارجية دعوة الرئيس القبرصي «جورج فاسيليو» لـ «زيارة خاطفة ـ قفزة سريعة» للقاء به «وبادر الرئيس القبرصي بالقول عند وصول ضيفه» ان قبرص مستعدة لاستقبال المفاوضات، ولو بطريقة سرية، اذا كان هذا قد يساهم في عدم اندلاع الحرب، لقد كان كل بلد يسعى الى تجنب قيام الحرب من خلال «زاوية نظره» فالقبارصة اليونانيون مثلا كانوا يخشون دخول تركيا في الحرب وتقسيم العراق. وفي 15 نوفمبر 2001 ذهب «بريماكوف» الى الولايات المتحدة ولكن في اطار مختلف اذ كان سيتلقى مع السناتور الامريكي «وليام برادلي» جائزة «جورج كينات» وحيث جرى الاحتفال في فندق والدورف استوريا بنيويورك. وقد قال «بريماكوف» في كلمته: «منذ بداية ازمة الخليج، التي اثارها التدخل العراقي في الكويت ادان الاتحاد السوفييتي من دون اي لبس او غموض ذلك الاعتداء ونظرا للروابط الوثيقة التي تربط بين الاتحاد السوفييتي والعراق، وايضا نظرا للفائدة التي كان يتضمن عليها تعزيز العلاقات الاقتصادية وما يترتب على ذلك من مداخيل «بالعملة الصعبة» من تجارة الاسلحة مع العراق؟ نظرا لهذا كله يمكن ادراك واقع ان الخيار السوفييتي غير المشروط للمطالبة بانسحاب القوات العراقية من الكويت لم يكن خيارا سهلا ومع ذلك لم يتردد القادة السوفييت في اختيار هذا السبيل، وكان تفسير ذلك يتمثل إلى حد كبير في تمني ان لا يخلف انقسام العالم بين غرب وشرق بروز حالة من التعسف يفرضها اولئك الذين يمتلكون في العالم الثالث قدرات عسكرية اقوى من جيرانهم واذا لم يتم كبح مثل هذا النموذج من «الممارسات» فانه لن يكون ممكنا اقامة نظام دولي جديد، ان العلاقات مع الولايات المتحدة الاميركية تبقى، بما في ذلك على هذا الصعيد احدى اولويات الاتحاد السوفييتي. ويرى بريماكوف ان افق الوصول الى حل سياسي، وليس عسكريا للازمة كان موجودا وبدا ان مثل هذا البديل يحظى بتأييد عدد من المؤيدين في الولايات المتحدة وبعد فترة التقى طارق عزيز بوزير الخارجية الامريكي جيمس بيكر في جنيف بسويسرا وكان السوفييت قد بذلوا قصارى جهدهم من اجل اقناع القيادة العراقية من دون جدوى لكن طارق عزيز لم يكن يحمل «بجعبته» الدبلوماسية اي جديد، اما جيمس بيكر فقد جاء الى جنيف ليطالب فقط مرة اخرى بالانسحاب الفوري للقوات العراقية من الكويت.. وقد عاد الاثنان إلى بلديهما دون اية نتائج. وعلى الرغم من هذا كله تابع الاتحاد السوفييتي بعناد جهوده من اجل تجنب اندلاع الحرب واعلن غورباتشوف في نداء وجهه للرئيس بوش عن استعداده لابقاء مبعوثه من جديد الى بغداد وهذا ما وجد صدى ايجابيا لدى الرئيس الاميركي وتم استدعاء السفير السوفييتي الى وزارة الخارجية الاميركية لابلاغه بأن الولايات المتحدة لا تعارض ذهاب مبعوث سوفييتي الى بغداد ولكن فقط كي يكرر للرئيس العراقي جملة واحدة هي: «اجلوا عن الكويت».