خلافاً لتنديد السلطة الفلسطينية بعملية نتانيا الاستشهادية التي جاءت رداً على استمرار العدوان الاسرائيلي واعادة احتلال جنين وطولكرم، رأت صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية ان العملية تقدم دليلاً اضافياً على تبخر وهم الجدار الواقي. ورأى أليكس فيشمان المعلق العسكري ل«يديعوت اخرونوت» ان العملية التي وقعت في نتانيا، أمس الأول، هي نتيجة واضحة للوضع السياسي التعيس، الذي وصلت إليه المنطقة منذ عملية «السور الواقي». إنها حالة من التحركات السياسية فارغة المضمون، التي لا يقف خلفها أي أمر ملموس، والتي لا تقود إلى أي مكان، ولا تهدف إلا لكسب المزيد من الوقت وتأجيل النهاية. والجميع شركاء في هذه الخديعة الكبرى التي تظهر وكأنها تحركات سياسية: الأميركيون وإسرائيل والفلسطينيون. وفي هذه الأثناء يمضي الوقت ويتواصل ذوبان الانجازات العسكرية لعملية «السور الواقي». إن الفراغ السياسي يشكل تربة خصبة وطبيعية للبنى التحتية (يقصد المقاومة)، التي تعمل على ترميم نفسها رغم الضغوط التي يمارسها الشاباك والجيش الإسرائيلي. عملية نتانيا، مثل عملية ريشون لتسيون قبل 10 أيام، تشكل تذكيراً مؤلماً بأنه لا يمكن الاستمرار في انتظار عملية عسكرية، مهما كانت ناجحة، والتعطر بالأوهام التي ينثرها الجيش حول إمكانية اجتثاث (المقاومة) بالطرق العسكرية. لكنه لا يمكن، أيضاً، قطف الثمار الفعلية إذا لم تكن للعملية العسكرية تتمة سياسية. وإذا لم يشأ الجانب الفلسطيني المشاركة في هذه الخطوة، فيجب بدء تنفيذ الخطوات من جانب واحد: أي الفصل. طيلة الأسابيع الثلاثة الاخيرة، وعلى خلفية الانخفاض الجوهري في حجم العمليات داخل الخط الأخضر، تولد في البلاد نوع من الشعور بالهدوء النسبي. كان يبدو أن الحياة بدأت تعود إلى مسارها الطبيعي. وتم تغذية هذا الوهم اللطيف بالسموم المسكرة والكاذبة التي تم قذفها في الفضاء كالحديث عن الاصلاحات في السلطة الفلسطينية، وإجراء انتخابات ديمقراطية في السلطة، كما لو أن شيئاً حقيقياً بدأ يتحرك هناك. لقد بدؤوا في الجانب الإسرائيلي بتعبئة الأجواء بفقاقيع ضخمة من المخططات السياسية: خطة «سرية» لرئيس الحكومة، خطة جديدة ـ ولدت أمس، فقط ـ لوزير الخارجية، خطة ثورية (عودة إلى كلينتون) لوزير الأمن، وما أشبه. وكان من اللطيف الادمان على هذه السموم. لكن هذا الهدوء النسبي لا ينبع عن أي عمل سياسي. إنما هو نتاج التقاء مؤقت لمصالح اللاعبين الرئيسيين على الحلبة. فعرفات يحتاج إلى بعض الهدوء ـ أي دون وقوع عمليات بوتيرة عالية جداً داخل الخط الأخضر ـ من أجل تحرير نفسه من الضغوطات الدولية وكي يمتلك ما يكفي من الوقت لمعالجة الضغوط الداخلية. إنه لا يملك أية خطة لتنفيذ الاصلاحات الفعلية، وبالتأكيد، ليست خطة لإجراء إصلاحات تتعلق بالديمقراطية والشفافية. إنه يحاول اكتساب الوقت، فربما تتغير السلطة في إسرائيل أو ربما يحدث في العالم ما يمكنه أن يكون لمصلحته، أو ربما ترتكب إسرائيل، رغم كل شيء، الخطأ الذي يتمناه، أي الدخول إلى غزة. وعندنا أيضاً، يحتاج شارون إلى الهدوء، ويسعى إلى اكتساب الوقت كي يحاول كبح الانهيار الاقتصادي. ولذلك يثرثرون عن المؤتمر الاقليمي، الذي قد ينعقد أو لا، كما يحتاج الجانب الأميركي إلى الهدوء من أجل التحضير للضربة التي ينوي توجيهها للعراق، ولا يهمه ابداً ما إذا كان هذا الهدوء حقيقياً أو خيالياً، لقد أعادتنا عملية نتانيا، أمس، مرة واحدة، إلى الواقع. أعشاب ضارة منذ عام 2001 اعتقل أكثر من مئة عربي إسرائيلي على خلفية نشاطات (مقاومة)، هذا هو عدد غير مسبوق، ومازالت المؤسسة وأذرع الأمن الإسرائيلية تحذر في توزيع العلامات لظاهرة تورط عرب من إسرائيل في نشاطات متآمرة وعنيفة ضد الدولة، وتواصل وصفهم بـ «الأعشاب الضارة». يمكنهم أن يطلقوا على هذه الظاهرة مهما شاؤوا من الأسماء شريطة ألا يتجاهلوا حقيقة أن الانتفاضة الحالية تخلق طابع تصرفات جديدة في المجتمع العربي الإسرائيلي، وهو الطابع الذي يحتم التعامل الجدي والرسمي على مختلف الأصعدة، وليس على الصعيد الأمني فقط. صحيح أنهم يتحدثون لدينا منذ كثير من السنوات عن الحاجة إلى الرعاية الحقيقية للأقلية العربية. في هذه الأيام لم يتبق وقت للتظاهر بالجمال، فالاعتماد يقارب على الانتهاء.