ما هو الدور الذي لعبته روسيا في حرب الخليج الثانية بالضبط وماذا عن حرب كوسوفو؟ لماذا استقال بوريس يلتسين فجأة من رئاسة الاتحاد الروسي؟ كيف وصل فلاديمير بوتين الى السلطة؟ وما هو الموقف الروسي من الصراع العربي ـ الاسرائيلي؟ هذه هي بعض الاسئلة التي يحاول مؤلف هذا الكتاب التصدي لها، ولاشك في ان الاجابات المقدمة تحمل الكثير من الجدة والجدية، فالمؤلف يفجيني بريماكوف هو احد ابرز رجال السياسة الروس الذين شغلوا مناصب حساسة، اتاحت لهم التعرف على حقيقة ما يجري وراء الكواليس حول اخطر القضايا التي شهدها العالم خلال العقود الاخيرة الماضية، فقد كان بريماكوف رئيسا لجهاز المخابرات السوفييتية الشهير «الكي. جي. بي» ووزيرا لخارجية روسيا ثم رئيسا لوزرائها وكان احد أهم المرشحين لخلافة بوريس يلتسين، وهو احد اهم الاختصاصيين الروس في شئون العالم العربي والاسلامي. إننا امام كتاب تختلط فيه سيرة حياة يفجيني بريماكوف وذكرياته السياسية، هذا الرجل الذي استهل مسيرته السياسية قبل قرابة نصف قرن من الزمان كرس حياته واهتمامه منذ الستينيات للشرق الاوسط، وخصه بموضوع اطروحته لنيل شهادة الدراسات العليا في العلوم السياسية، ليمضي بعد ذلك سنوات عديدة في المنطقة، وخاصة في القاهرة، مراسلا لصحيفة «البرافدا» قبل ان يستأنف مسيرته السياسية نحو القمة في بلاده. تمثل فترة ازمة ثم حرب الخليج الثانية عام 1991 الفترة الاكثر اهمية في الحياة المهنية لبريماكوف ـ على حد قوله ـ اثناء عمله في المجلس الرئاسي. بدأت ازمة الخليج عند اجتياح العراق للكويت في اغسطس 1990. وقد اتخذت المجموعة الدولية موقفا شبه جماعي للمطالبة بانسحاب القوات العراقية من الكويت وصيانة السيادة الكويتية. هكذا تم من دون عناء تبني قرارات مجلس الامن التابع للامم المتحدة التي تطالب بمثل هذا الانسحاب لكن هذه القرارات كلها لم تعط اية نتيجة وذلك كما يبدو بسبب الخصوصيات النفسية للرئيس العراقي ولربما انه كان يعتقد انه لايزال امامه وقت طويل يسمح له بالحركة، لكن يبدو ايضا ان العراقيين لم يأخذوا باعتبارهم العنصر الاكثر اهمية والمتمثل في واقع انه، وبالتوازي مع اتخاذ مجلس الامن لسلسلة من القرارات، قامت الولايات المتحدة وعدة دول اخرى، من بينها دول عربية، بنقل قوات الى السعودية التي كانت قد طلبت المساعدة من واشنطن. ترسانة من الضغوط للمفارقة كانت عملية تبني عقوبات قاسية والحرص على اشهار القوة العسكرية تشكل مناسبة لامكانية البحث عن حل سلمي للوضع المعقد الذي اثاره الرئيس العراقي واعتبارا من اغسطس 1990 برزت فكرة ارسال موفد يمثل رئيس الاتحاد السوفييتي الى بغداد لكن لم يتم تنفيذ هذه الفكرة فوريا لان طريقا آخر كان قد انفتح فجأة حيث بناء على طلب الرئيس العراقي تم استقبال طارق عزيز وزير الخارجية العراقي آنذاك في موسكو لكن هذا الاخير مثل غيره من المحيطين بالرئيس العراقي لا يمتلك سلطة اتخاذ القرارات، وبالتالي لم يكن سوى مجرد مترجم للموقف العراقي، من جهة اخرى بدا ان وزير الخارجية السوفييتي كان ضد ارسال موفد الى بغداد. وفي 9 سبتمبر 1990 وبمبادرة من الرئيس الأميركي جرى لقاء قمة اميركي سوفييتي في هلسنكي وكان جورج بوش الأب يرغب بالحصول على دعم علني من الاتحاد السوفييتي وتقديم البرهان على وحدة موقفى القوتين العظميين واعلانهما عن رغبتهما في انسحاب القوات العراقية من الكويت، ولاقى اقتراح جورج بوش القبول من قبل السوفييت من دون اي تردد ولابد من القول ان السوفييت كانوا آنذاك على اقتناع كامل بأن الحرب لن تقع وبأن اللجوء الى ترسانة من الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية سوف يكون له اثاره على الرئيس العراقي وبنفس الوقت كان يسود الاعتقاد بأن قيام نظام عالمي عادل كان بمثابة هدف قابل للتحقيق وانه كان مطلوبا من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة السعي في هذا الاتجاه وايجاد الصيغة «الجنينية» لمثل هذا النظام. وكان يسود لدى غورباتشوف الاحساس، كما اسر للمقربين منه بأن الرئيس الاميركي جورج بوش كان يريد ايضا البحث عن حل سلمي للازمة الكويتية، كما تم اثناء لقاء القمة الاميركي ـ السوفييتي الحديث عن مدة بقاء القوات الاميركية في منطقة الخليج، وقد كان الرئيس بوش قد اكد اثناء المؤتمر الصحافي الذي اعقب القمة بأن وجود القوات الاميركية في هذه المنطقة هو وجود مؤقت كانت تلك الملاحظة ذات اهمية بالغة وعند انتهاء المفاوضات تم اللقاء بين الوفدين اثناء حفلة عشاء، وكان بريماكوف ـ كما يروي في هذا الكتاب ـ يجلس بين بربارة بوش ومستشار الرئيس الاميركي للأمن القومي الجنرال برنت سكوكرفت الذي كان يعرف ان بريماكوف مختص بشئون الشرق الاوسط وانه يعرف شخصيا عددا من القادة العرب لقد سأله سكوكرفت عن آخر مرة كان قابل بها الرئيس العراقي وكان من الواضح انه يريد ان يعرف ما اذا كان قد ذهب الى بغداد بعد بداية الازمة الكويتية فأجابه مبتسما: «كلا انني لم اذهب بعد الى بغداد». لم يكن سرا انه كان يعرف الرئيس العراقي منذ سنوات عديدة حيث انه كان قد اجرى بصفته مراسلا لصحيفة «البرافدا» تحقيقات في شمال العراق خلال الستينيات، حيث قابل الزعيم الكردي مصطفى البرزاني الذي كان يخوض حربا ضد بغداد، كان الاتحاد السوفييتي قد اعلن موقفا ضد تلك الحرب، ليس لاسباب انسانية فحسب، وانما لانها كانت ايضا تضر بمصالحه السياسية، اذ كان قد شرع بنسج شبكة علاقات مع بغداد ويريد في الوقت نفسه المحافظة على علاقاته مع الاكراد، وكان الطرفان يتفهمان الموقف السوفييتي، فالاكراد كانوا يثمنون جيدا الموقف المؤيد للاعتراف بحقوقهم الوطنية والعراق كان ينظر بعين الرضا لادانة موسكو للانفصاليين الاكراد بكل الاحوال سمح ذلك الموقف بنسج علاقات جيدة مع بغداد. كان اللقاء الاول بين بريماكوف والرئيس العراقي عام 1969 بعد ان كان قد سمع عنه كثيرا اذ كان قد شارك عندما كان شابا يانعا في محاولة اغتيال عبدالكريم قاسم واصيب يومها بجروح، لكنه نجح في الاختباء من ملاحقيه وفي عام 1969 كان قد اصبح عضوا قياديا بارزا في النظام العراقي، لكنه لم يصبح الشخصية الثانية فيه الا بعد فترة من الزمن، وبعد ازاحة او وفاة عدد من منافسيه، وكان قد ساهم في تأسيس جهاز للاستخبارات داخل حزب البعث كما لعب فيما بعد دورا كبيرا في صعوده اذ سمح له بالاستئثار بمختلف طاقات السلطة وقد كان اهتمام بريماكوف به آنذاك يعود لاسباب واضحة بشكل كامل اذ كان يسعى الى جمع الطرفين حول مائدة المفاوضات بينما كان صدام يقود الوفد العراقي بتكليف من مجلس قيادة الثورة وفي السنة نفسها ايضا تعرف بريماكوف على طارق عزيز الذي كان آنذاك رئيسا لتحرير صحيفة «الثورة» واحد المقربين من صدام حسين وكانت تلك الفترة تتسم بعدم الاستقرار، وكان الجناح الذي ينتمي له هذان الاثنان قد وصل الى السلطة منذ فترة قريبة من الزمن في الوقت نفسه كانت النزاعات الداخلية على اشدها وكان كل قائد من قادة الحزب يملك بندقية يضعها في احد اركان مكتبه. كانت بعض ملامح شخصية صدام تبدو واضحة للعيان وفي مقدمتها التصميم على بلوغ هدفه بأي ثمن، وفي الوقت نفسه يستطيع ان يبدي حسا واقعيا، خاصة عندما يشعر بالخطر بل قد يبدي ايضا وحتى لو لم يكن غالبا هذا هو رد فعله المباشر، انتباهه لبعض الحجج وهناك حادثتان تكشفان عن بعض جوانب شخصيته ففي عام 1970 ساد الاعتقاد بأنه يمكن الوصول الى اتفاق سلام مع الاكراد وفجأة رفض صدام التوقيع اذا لم يحصل على ضمان بأن الاكراد لن يلجأوا للحرب مرة جديدة وعندما اشار له بريماكوف الى ان «مثل هذا الضمان لا وجود له» ولكن اذا نقض الاكراد الاتفاق واحترمته بغداد فانهم سيحاربون من دون اي دعم من قبل الاتحاد السوفييتي والعديد من البلدان الاخرى التي كانت تتضامن معهم في الماضي، لقد تأمل صدام مليا هذه الحجج ثم قبل بها ليتم التوقيع على الاتفاق في 11 مارس 1970. في جهاز التسجيل وسائقه الذي كان ينتظر في الخارج هو الذي فجر العبوة عن بعد وخرج مصطفى البرزاني سالما بفضل خادمه الذي كان يقدم له آنذاك الشاي فحماه من دون قصد بجسده. الطيران الى بغداد لم يكن هناك ما يبدو غريبا في تكليف الرئيس ميخائيل غورباتشوف لبريماكوف بمهمة الى بغداد كممثل له، وذلك بسبب معرفته الجيدة بالقيادة العراقية كان لتلك المهمة هدف مزدوج فمن جهة هناك التفاوض من اجل ترحيل الاخصائيين السوفييت العاملين في العراق من دون عقبات والبرهان لبغداد بأن رفضه الانصياع لقرارات مجلس الامن الدولي سوف يؤدي به الى الطريق المسدودة هذا مع محاولة سبر الامكانيات الملموسة لانسحاب القوات العراقية من الكويت. حطت الطائرة اولا في عمان ولم يكن ذلك بمثابة توقف تقني فقط بل كان يراد به تكريس يوم ما قبل الوصول الى بغداد لتبادل وجهات النظر مع العاهل الاردني الراحل الملك حسين وبقية القادة الاردنيين وايضا القادة الفلسطينيين، وعلى رأسهم ياسر عرفات الذين كانوا قد قدموا خصيصا من تونس. كان القادة الاردنيون على وعي كامل بما تحمله الاحداث من تهديدات، لكنهم كانوا يحسون بالعجز امامها بكل الاحوال كان من الواضح ان هامش المناورة الذي كان يمثله الملك حسين كان هامشا ضيقا جدا اولا لان الفلسطينيين يشكلون جزءا مهما من شعبه، وثانيا لحدود بلاده الطويلة مع اسرائيل التي دخل الاردن في حرب معها مرتين وثالثا لان اقتصاد الاردن مرتبط الى حد كبير بالاقتصاد العراقي في الوقت نفسه كانت للملك حسين ـ الذي يؤكد بريماكوف انه كان يعرفه جيدا ويحترمه كثيرا ـ علاقات وطيدة مع الولايات المتحدة وبقية البلدان الغربية مما ساعده على ان يقيم «التوازن الهش» للسياسة التي انتهجها وحماية عرشه في المحيط الاسرائيلي والفلسطيني والعربي. لقد ادان الملك حسين الاجتياح العراقي للكويت مع اعلان تضامنه مع العراق في مواجهة العقوبات القاسية التي تم فرضها عليه وفي الوقت نفسه الذي ابقى على الحدود مفتوحة مع العراق من اجل تزويده بالمواد الغذائية والادوية والسلع الاساسية الأخرى وعد ايضا باغلاق ميناء العقبة، واجمالا بدا أن الازمة الكويتية قد وضعت الملك حسين «بين المطرقة والسندان» لذلك بدا مستعدا لبذل جميع الجهود من اجل دفع الرئيس العراقي باتجاه «تلطيف» سياسته. اكتسى اللقاء مع الفلسطينيين طابعا مختلفا تماما ولقد بدأ كالعادة بحديث خطابي مفهوم من وجهة نظر سيكولوجية، كان الفلسطينيون يرفضون اكثر من اي طرف آخر تبني منطق مزدوج في الشرق الاوسط ولكن لوحظ في الوقت نفسه لدى بعض المتحدثين الفلسطينيين نوع من الاشارة التي اثارت انتباه المستمع لهم ـ بريماكوف ـ والخاصة بالقول انه في حالة نشوب حرب سيتم ايجاد ظروف جديدة قد تشجع «النضال من اجل حل عادل للمشكلة الفلسطينية» وما يؤكده بريماكوف هو عدم قبوله لمثل تلك الافكار وانه ذكر الوفد الفلسطيني بحديث له مع القادة الفلسطينيين عام 1970 في دمشق عشية «ايلول الاسود» وما كادت تثيره تلك المجزرة من تدخلات خارجية ومن تعقيدات بالنسبة للقضية الفلسطينية ذاتها وقد جاءت الاحداث كي تؤكد وجهة نظره وما يؤكده بريماكوف ايضا هو انه على اثر الحديث عن التاريخ الذي احاط بـ «ايلول الاسود» اخذ النقاش مع ياسر عرفات منحى آخر، حيث ان الزعيم الفلسطيني قد استقل طائرته الخاصة كي يصل الى بغداد قبل بريماكوف ويقدم كل ما في وسعه من اجل تأمين النجاح للقاء مع القيادة العراقية. وعندما كان بريماكوف في عمان تلقى برقية مشفرة من وزير الخارجية السوفييتي آنذاك ادوارد شفرنادزه الذي كان في نيويورك لحضور جلسات الجمعية العامة للامم المتحدة وتفيد تلك البرقية انه نظرا للوضع الذي كان قائما يغدو اي لقاء مع القيادة العراقية بمثابة «عمل لا اخلاقي» فأجابه بريماكوف وحسب القناة المشفرة نفسها بأن العمل اللا اخلاقي قد يكون في عدم اللقاء مع القادة العراقيين، وعلى ابسط تقدير من اجل تأمين عودة ألوف المواطنين السوفييت والاجانب الى بلادهم. الحوار الأكثر صعوبة عند الوصول الى بغداد في الرابع من اكتوبر 1990 كان طارق عزيز في الاستقبال بالمطار وكان الحديث الذي جرى هو الاكثر صعوبة منذ تم التعارف بين الرجلين بريماكوف وطارق عزيز، حيث كان هذا الاخير يركز على الحجج التاريخية والسياسية والاقتصادية التي تؤكد ان الكويت تشكل جزءا من العراق لقد ذكر مجموعة تواريخ وارقام واحداث واسماء واشار الى ان اي نظام عراقي بما في ذلك نظام نوري السعيد، لم يعترف بالكويت كدولة مستقلة. وقد اعرب طارق عزيز في الحديث الذي كان يواصله عن الاستياء العراقي الكبير من موقف الاتحاد السوفييتي الذي كان عليه ـ من وجهة نظر العراق ـ ان يتصرف بشكل آخر نظرا للمعاهدة التي تربطه مع العراق، ولكن طارق عزيز تحاشى الاجابة، عندما سأله بريماكوف عن السبب الذي دعا الطرف الاول ـ العراق ـ الى عدم اخطار الطرف الثاني الموقع على تلك المعاهدة ـ الاتحاد السوفييتي ـ بمشروع التدخل في الكويت؟ لقد ألح بريماكوف في ذلك اللقاء على ضرورة عودة المواطنين السوفييت الذين كانوا يعملون بالعراق، وكان عددهم يقارب الخمسة آلاف شخص الى بلادهم وكان لايزال في العراق حوالي 1500 خبير عسكري سوفييتي يقومون بصيانة اسلحة كان الاتحاد السوفييتي قد باعها لبغداد وكانت السفارة السوفييتية قد فشلت حتى ذلك الحين بترحيل رعاياها، واذا كان العراقيون لم يعلنوا عن رفضهم المباشر لذلك، فانهم قد تركوا المسألة معلقة. حدث اللقاء مع الرئيس العراقي في 5 اكتوبر 1990 وكان ذلك برفقة السفير السوفييتي في بغداد حيث استقبلهم الرئيس العراقي في القصر الرئاسي الذي كان يلتقي فيه عادة بالضيوف الاجانب وكان حاضرا من الجانب العراقي ايضا كل من طارق عزيز وطه ياسين رمضان. وقد اشار أحد محاورينا العراقيين الى ان تلك هي المرة الاولى التي يتم فيها استقبال الضيوف الاجانب وذلك منذ الثاني من اغسطس 1990 وعندما قرأ الرئيس العراقي رسالة الرئيس غورباتشوف الذي كان يركز فيها بكلمات فجة تقريبا على ضرورة الانسحاب السريع للقوات العراقية من الكويت واعادة السيادة للكويت لم يظهر عليه اي رد فعل مباشر وجلي لكن اللقاء بدأ في اطار اجواء متوترة. وعندما انتهى الرئيس العراقي من تكرار كل ما كان طارق عزيز قد قاله ليلة الامس سأله بريماكوف عما ينوي فعله حيال ترحيل المهندسين السوفييت فبدا انه لم يكن ينتظر مثل ذلك السؤال، لكنه اجابه على الفور ان جميع اولئك الذين يرغبون المغادرة يستطيعون ذلك، لكنه حدد العدد الاقصى للذين سيرحلون بألف شخص خلال الشهرين التاليين من اجل عدم اعاقة سير المشروعات الجارية وبواقع معرفة بريماكوف بأن السفارة السوفييتية كانت قد تلقت 1500 طلب للمغادرة طلب بدوره من الرئيس العراقي ترحيل الخمسمئة الاخرين خلال الشهر التالي لنهاية فترة الشهرين الاولى فأجاب «افعلوا ما تريدون». لقد تحدث الرئيس العراقي بالتفصيل عن اثار تحديد حصص تصدير البترول ضمن اطار سياسة منظمة الاوبك على العراق بسبب انخفاض سعر البرميل من 21 دولارا الى 11 دولارا فقط قال ان هذا يعني «الانهيار الاقتصادي للعراق». كانت بعض الحجج التي قدمها تتماشى مع الواقع، بينما كانت اخرى من انتاج المخيلة لكن بطل الحالات كان واضحا انه كان على اقتناع تام بما يقوله. استعرض بريماكوف النتائج التي يمكن ان تترتب على عدم انسحاب القوات العراقية من الكويت؟ ورد الفعل الدولي الذي سيثيره ذلك كان الحرص على مناقشة هذين الموضوعين نابعا من الاعتقاد بأن الرئيس العراقي لم يكن يلم بجميع المعلومات. وبالطبع كان قد تم افتتاح الحديث بذكر الاشياء التي يجب الاستماع لها، مثل دعم العالم العربي للعراق والمظاهرات المعادية للنزاعات العسكرية في الغرب وظهور الخلافات الاولى في صفوف الحلفاء ضد العراق وقد تم التأكيد بأن الحرب ستقع اذا لم ينسحب من الكويت وكان من المعروف ان العراق تمتع اثناء الحرب العراقية ـ الايرانية بوجود سلاح جوي قوي وبتفوق تقني كبير على الصعيد البري لكن هذا الوضع سيكون معكوسا تماما في حالة نشوب مواجهة ضد تحالف دولي ستشكل القوات الاميركية نواته الاساسية ذلك ان تفوق هذا التحالف ضد العراق لم يكن يحتاج الى برهان وثم التأكيد ايضا على مدى العزلة التي جلبها التدخل في الكويت للعراق داخل المجموعة الدولية وكان يكفي للتدليل على ذلك النظر الى الاجواء التي كانت تخيم داخل الامم المتحدة وفي نهاية اللقاء طلب بريماكوف ان يختتم اللقاء مع الرئيس العراقي على حدة ومن دون وجود الآخرين وحضور المترجم سيرجي كيربشنكو احد افضل الاختصاصيين السوفييت باللغة العربية وبالعالم العربي، والسفير الروسي الحالي في ليبيا. وبناء على طلب الرئيس العراقي بقي طارق عزيز حاضرا وبدأ بريماكوف حديثه قائلا: «اذا لم تسحبوا قواتكم من الكويت، فانه سيتم بالتأكيد الهجوم عليكم. وعليكم ان تفهموا انكم تتحملون بذلك المسئولية الكاملة لنشوب الحرب. افهموني جيدا، انني آت الى هنا كي اضغط عليكم مع ذلك ليس هناك اي مخرج آخر بالنسبة لكم سوى الانسحاب». وكان رد الرئيس العراقي هو التالي: «اذا وجدت نفسي امام هذه المعضلة اي الاستسلام او القتال فانني ارجح الخيار الثاني» ثم اضاف: «انني ببساطة انسان واقعي فحتى اذا كنت ضمن بعض الشروط، الشروع بسحب قواتي فانني لن استطيع ان افعل ذلك الا اذا كان مشروطا بايجاد حل لبعض المشكلات الاخرى واننا لنا نستطيع حل الازمة الراهنة الا اذا قمنا مسبقا بتحديد جدول زمني وصيغة لتسوية المشكلة الفلسطينية». كذلك تعرض الرئيس العراقي لموضوع الانسحاب بطريقة غير مباشرة حيث قال: «بعد ان تخلينا عن جميع ثمار الحرب التي خضناها طيلة ثماني سنوات ضد ايران والعودة الى نقطة الانطلاق لا اعتقد ان الشعب العراقي سوف يغفر لي الانسحاب غير المشروط لقواتنا من الكويت، انه سوف يسألني كيف سأتصرف من اجل ان يكون للعراق منفذ على البحر». بصيص أمل عقب بريماكوف على ذلك بالقول: «ان الشعب العراقي قد قبل من دون شرط التخلي عن مكتسبات تلك الحرب الدامية ضد ايران، فانه سوف يقبل قراراتك بخصوص الكويت». هكذا وان كان الرئيس العراقي يطرح شروطا لسحب قواته من الكويت فانه بدا بعض التطور على موقفه فمنذ ذلك اللقاء الاول اخذ بعض المسافة بالقياس الى الافكار التي كان قد طرحها بخطابه يوم 12 أغسطس والذي كان قد اكد فيه ضرورة التزامن في حل القضيتين الكويتية والفلسطينية لقد تراجع بهدوء مما اتاح اقامة رابطة «اكثر مرونة» بين هاتين القضيتين. اثناء ذلك اللقاء اكد المبعوث السوفييتي للرئيس العراقي ـ كما يروي ـ ان الدروع البشرية: التي شكلها وجود رهائن اجانب جرى احتجازهم في المواقع العسكرية والاستراتيجية لن تؤدي الى حمايته من الضربة الاميركية اذا اصر على عدم الانسحاب بل واكد ايضا ان مثل هذا السلوك سوف يثير غضب العالم كله ضده، لم يرد الرئيس العراقي على ذلك بأي كلمة وظل متأملا لكنه واعتبارا من شهر اكتوبر عام 1990 بدأت السياسة العراقية تصبح اكثر مرونة حيال بعض المجموعات من الرهائن بكل الحالات سوف يتم التعرض لهذا الموضوع ثانية في لقاء لاحق يوم 28 من نفس الشهر اكتوبر 1990 جمع مؤلف هذا الكتاب ـ بريماكوف ـ مع الرئيس العراقي. خلال الليلة التالية لذلك الحديث الاول مع الرئيس العراقي تم النقاش طويلا في مبنى السفارة السوفييتية ببغداد حول حصيلة المفاوضات وكان هناك احساس بالسعادة لامكانية التوصل الى حل بالنسبة لترحيل المواطنين السوفييت العاملين في العراق الى بلادهم وتم تشكيل مجموعة عمل لوضع جدول زمني لترحيلهم مع ترقب تنظيم رحلات اضافية لطائرات الخطوط الجوية السوفييتية ـ ايرفلوت ـ وقد احترم العراقيون هذا الجدول الزمني بدقة متناهية ومن جهة اخرى تم ايضا ابلاغ الرئيس العراقي ببعض المعلومات والوقائع التي ربما لم يكن على علم بها والاهم من هذا كله بدا ان هناك بصيص امل بأن يؤدي «التلطيف» الذي شهده موقف الرئيس العراقي الى حل سياسي للازمة. في اليوم التالي قام طارق عزيز بمرافقة يفجيني بريماكوف الى المطار وفي الطريق قال الوزير العراقي: «ان الرئيس العراقي يعول على اقتراحات ملموسة اننا ننتظر نتائج لقاءاتنا» فقال له المبعوث السوفييتي: «طارق هل تستطيع ان تكرر ما قلته الآن امام سفيرنا عندما نصل الى المطار؟» «لماذا ؟» تساءل طارق عزيز فأردف بريماكوف: «اننا سنستقل الطائرة الامر الذي يشتمل دائما على بعض الخطر والمعلومات التي تقولها شديدة الاهمية لذلك من المضمون اكثر ان يتم ارسالها برسالة مشفرة الى موسكو»، قبل طارق عزيز ذلك وردد ما قاله امام السفير السوفييتي.