اجرت «البيان» حوارا مع المنسنيور هنري تيسييه اسقف الكنيسة الكاثوليكية في الجزائر اكد فيه اهمية الحوار بين الاديان وحذر الغرب من مهاجمة المسلمين، مشيرا الى ضرورة التمييز بين الجماعات الصغيرة التي مارست الارهاب والشعوب التي تألمت من ويلاته. وتناول الاسقف ايضا جذور الازمة الجزائرية مستعرضا اسبابها المعقدة علي المستويين السياسي والاقتصادي وركز على صمود الكنيسة امام آلة الارهاب التي طالتها رغم الدعوات التي وجهت لها بالمغادرة والى نص الحوار. ـ بمجرد تصاعد سلسلة اغتيالات الرهبان والراهبات تلقيتم تعليمات بضرورة مغادرة أرض الوطن، من هي الجهة التي طلبت منكم ذلك بالتحديد، وكيف تلقيتم تلك التعليمات؟ ـ الحقيقة لم نتلق دعوة بمغادرة أرض الوطن من الفاتيكان بمعنى من البابا، بل العكس فلقد ألح هذا الأخير ومن يعمل معه على ضرورة بقائنا في الجزائر. أماالذين طلبوا منا مغادرة الوطن هي المجموعة المسيحية للرهبان والراهبات، لكن رهبان وراهبات الجزائر رفضوا ذلك. فطلبت منهم المجموعة المسيحية كتابة رسالة شخصية وسرية يشرحون فيها الدوافع التي جعلتهم يختارون البقاء، وكانت الأسباب واضحة، إذ كانت تربط جاليتنا علاقات صداقة بجزائريين وفهموا أن هناك فئات صغيرة تهاجم المواطنين وتغتالهم. وقرروا من أجل هذه الصداقة التي تربطهم بأفراد الحي الذي ينتمون إليه وقصد الوفاء لعملهم البقاء. أتذكرون الرهبان السبعة الذين اغتيلوا في تبحرين قرب المدية؟ عندما زارتهم الجماعة المسلحة للمرة الأولى فكروا في الانسحاب خوفا من أن يطلب هؤلاء منهم المساعدة، لكنهم لم يغادرواالمنطقة عندما فكروا في الجيران الذين تربطهم علاقات متينة بهم. ـ لكن رغم ذلك يوجد من غادر؟ ـ الذين غادروا هم اللائكيون والأسر الأجنبية المسيحية بعد غلق المدارس الروسية، والاميركية والبولونية والفرنسية وغيرها وكان من الصعب عليهم البقاء وسط الخطر. أما بالنسبة لنا فأكثر الذين غادروا البلد الشيوخ والمسنات، حيث كان علاجهم هنا في الجزائر صعبا. أضيف أن أبرشية الجزائر كان بها 75 فردا اغتيل منهم 11 وبقينا 55فردا، وفضل معظمهم البقاء. ـ بقاؤكم يعني أنكم عشتم لحظة لحظة الأزمة الجزائرية،كيف تنظرون اليوم لماأصبح يصطلح عليه بالعشرية السوداء؟ ـ لقد نصحنا الكثيرون بمغادرة الجزائر لمدة ثلاثة أشهر معتقدين أن الأزمة لن تدوم أكثر من ذلك، و هناك من فعل ، لكن الذين عزموا على البقاء وجدوا أن علاقتهم مع الجزائريين أصبحت أكثر متانة وقوة لأننا مررنا معا بتلك الفترات الصعبة والتزمنا معا على تنظيم نشاطات اجتماعية وثقافية عديدة. فبعد الأزمة خرجت الكنيسة قليلة من حيث العدد لكن قوية من حيث العلاقات مع المسلمين الجزائريين. ـ كيف تصفون بقاءكم، أهو نوع من التحدي؟ ـ لقد جئنا هنا لمشاطرة حياة الجزائريين، والانسحاب في بداية الأزمة كان سيكون خيانة لدعوتنا التي نؤمن بها فالدعوة تأتي من عند الله وتدفعنا للعيش مع إخوان ليسوا مسيحيين، كدليل على أن الإخاء يجب أن يكون عالميا. ـ كيف تحلل العيون المسيحية التي عرفت الجزائر وعاشت الأزمة أسبابها وجذورها؟ ـ الأزمة الجزائرية معقدة في أسبابها ويصعب ذكرها كلها بالتفصيل، لكن يمكن أن نذكر أولا فترة الحزب الواحد فبعد 30سنة أراد الشعب الخروج من التوجيه الإجباري والدليل على ذلك ثورة الشباب في أكتوبر 1988، هناك أسباب اقتصادية مرتبطة باختيار الجزائر الطريق الاشتراكي لكن بعد سنوات تبين أن هناك من استفاد من ثروة البلد في حين حرم منها السواد الأعظم من الناس، فكانت ثورة ضد الظلم ومن أجل فرص متساوية للعيش الكريم. هناك أسباب ثقافية أيضا مرتبطة بالمثقفين الذين كسبوا معارف باللغة العربية ثم وجدوا أن فرص العمل كانت بالنسبة لهم أقل مقارنة بالمتعلمين باللغة الفرنسية، وأسباب دينية حيث زرعت مجموعات في عقول بعض الشباب فكرة الدولة الكافرة وضرورة الثورة عليها. وكان من السهل على هذه التيارات أن تثبت أن الدولة لا تحترم اختيار الشعب بعد أن تم وقف مسار الانتخابات مباشرة بعد الدور الأول في سنة 1991 وكانت هذه الثورة باسم الحزب الذي كان يقول أنه يحمل لواء الإسلام أكثر من غيره. ـماذا لو لم يوقف المسار الانتخابي؟ ـ كان المجتمع الجزائري منقسما، إذا نظرنا إلى الوضعية في تلك الفترة نجد أن هناك من كان ينادي إلى نوع من الوفاء للإسلام فبعد الدور الأول للانتخابات قال هؤلاء أنه على الجزائريين أن يغيروا تقاليدهم وعاداتهم من حيث المأكل، وباقي شئون الحياة، وهو ما كان غير مقبول بالنسبة للكثيرين، فأكبر مظاهرة عرفتها الجزائر كانت في 1992 ـ توقف المسار الانتخابي وحدث ما حدث، ما الذي يجب أن يتغير في الجزائر اليوم ؟ ـ نشأ التعدد في الجزائر على كل الأصعدة فتأسست الأحزاب السياسية والنقابات الاجتماعية والمهنية والجمعيات الثقافية. وأعلم أن عدد الجمعيات كانت قبل الأزمة في حدود سبعة آلاف وأصبحت بعد الأزمة سبعين ألفا . في بادئ الأمر كان كل شيء في يد الدولة، لكن اليوم لا يمكن للدولة أن تجد حلولا للشعب، ويجب أن يكون الشعب من جهته مجندا وأن يبحث بنفسه عن الحلول، وأنتظر أن يكون نشاط كل هذه التيارات والجمعيات أكثر قوة فهذا يضع الجزائر في فترة جديدة من تاريخها والدولة لها مسئولية تنظيم تلك النشاطات وتأييد المبادرات الإيجابية التي تأتي من تلك الجمعيات. ـ كيف تتصورون الدور الذي يمكن أن تلعبه الكنيسة في هذه الفترة بالذات؟ ـ الكنيسة صغيرة وعدد المسيحيين قليل لكنهم يمثلون جزءا من هذا التنوع والاختلاف الذي لا بد أن يحترم في الفترة الجديدة. لقد التقيت مؤخرا بجمعية شبابية تدعى جمعية «كتاب الاختلاف» نشروا العديد من الكتب واختيارهم هذا الاسم يشير إلى دخول الجزائر فترة جديدة من تاريخها. أكثرية الجزائريين هم مسلمون وبوجودنا نمنح الجزائريين إمكانية العمل المشترك مع أشخاص ينتمون لآفاق مختلفة على المستوى الديني والثقافي ، فلقد أصبح مصير المجتمعات مرتبط بالتعاون بين الشمال والجنوب . وهذا هام بالنسبة لنا لأن غالبيتنا تنتمي بأصولها لشعوب أخرى ووجودنا يمكننا من التعبير عن ما يشعر به الجزائريون. بعد أحداث 11 سبتمبر أصبح من السهل علينا أن نجعل الغرب يفهم بأن إعلان الحرب على الأمة الإسلامية خطأ وخطر، وأن عليهم التمييز بين الجماعات الصغيرة التي مارست الإرهاب وبين الشعوب التي تألمت من الإرهاب قبل أن يتألم منه هذا الغرب . ـ شهدنا فترة تقارب بين الكنيسة والساسة الجزائريين من خلال زيارة الرئيسب وتفليقة لروما ولقائه مع يوحنا بولس الثاني ثم تنظيم لقاء دولي حول الفيلسوف ورجل الدين المسيحي الجزائري سانت أوغسطين، ماهي الأحوال اليوم؟ ـ الحقيقة أن الحوار بين المسلمين والمسيحيين في الجزائر هو حوار يومي في الميدان خدمة لقضايا إنسانية أذكر على سبيل المثال التكفل بالأطفال المعاقين وتكوين الطلبة و تنشيط الشباب الى ما هنالك من الأمور التي يجري فيها التعاون والعمل المشترك لكن ذلك لا يعني أن الحوار النظري غير موجود، فلقد تسلمت دعوة من معهد أصول الدين لجامعة الجزائر للمشاركة خلال شهر ابريل في ملتقى حول الإسلام والحضارات الأخرى، ومنذ شهرين نظم المركز الإسلامي بقسنطينة لقاء بين مسلمين ومسيحيين. ـ وماذا عن المجلس الإسلامي الأعلى؟ ـ كنت على علاقة متينة بعبد مزيان منذ أكثر من ثلاثين سنة وكانت لنا فرص كثيرة للعمل معا لا سيما بعد أن تولى المجلس تنظيم ملتقى القديس أغستطينوس، لكن مع الأسف مزيان مرض ثم توفي لكنني أعرف رئيس المجلس الإسلامي الجديد الشيخ بوعمران منذ 35سنة ولقد زارنا مرارا وشارك في عمل الحوار الإسلامي المسيحي، وأنتظر أن تكون العلاقات على نفس الوتيرة. ـ كيف يمكن وصف العلاقة التي تربط الجزائري البسيط بالكنيسة؟ ـ هناك شيء من التحفظ، لقد تعلم الجزائري أن الجزائر مسلمة وعلى المسلمين الحفاظ على تراثهم الإسلامي فبعضهم خاف في البداية على إعطاء النفوذ للمسيحيين، وبمجرد بداية العمل سويا اقتنعوا أننا نريد التعاون من أجل خدمة المصلحةالعامة. وأعرف أن هناك فئات تقول أننا نسعى لما يسمى بحملة التنصير، لكن هذه الفئات نفسها موجودة أيضا في أروبا وتدعو المسيحيين الكاثوليك لأن يتركوا ديانتهم الأصلية ويصبحوا معهم. بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية حدث تغيير ملموس ومكتوب في الوثائق الرسمية على مستوى مجمع الفاتيكان الثاني من خلال بيان خاص بالعلاقات بين الكنيسة والديانات الأخرى وفي هذا البيان يوجد نص جميل خاص بالإسلام ويدعونا للعمل المشترك، فصحيح أن كل مؤمن يحمل مسئولية الشهادة لكن علينا أن نميز بين الشهادة التي أحمل والدعاية. ـ الدعاية كما تسمونها أو التنصير كما تسمى هنا أصبحت فكرة قديمة إذن؟ ـ في القرن الماضي، عندما تزامن وجود الكنيسة مع الوجود الفرنسي اعتبر الكثير ذلك خطرا على الإسلام، لكنهم اكتشفوا فيما بعد أن عدد المسلمين لم يتغير وقرروا العمل سويا لأن ذلك يزيدنا إيمانا وتمسكا بإيماننا. فإنشاء الأباء البيض من طرف الكاردينال لافجري الذي لا يذكر بخير عادة في الجزائر، كان بهدف اعتناء الكنيسة بكافة الناس وليس بالمسيحيين فقط، ومنعهم في البداية الارتباط بالكنائس، وطلب منهم العيش في الأحياء الشعبية، كما منعهم في البداية على الأقل من تنصير الجزائريين، والنصوص واضحة في ذلك. لكن فيما بعد اتخذ البعض من الأباءالبيض رمزا للتنصر في الجزائر، بينما أن مئات الآلاف من الجزائريين عرفواوعملوا مع الأباء والأخوات البيض وهم لا يزالون مسلمين. ـ لكن هناك معلومات أفادت بها الصحف عن حملات تبشيرية تجري اليوم بالجزائر ماتعليقكم؟ ـ صحيح أن هناك بعض الجماعات ممن اكتشفوا الإنجيل وأصبحوا مسيحيين، لكن هذا لم يكن نتيجة حملة تبشير أو تنصير من الكنيسة الكاثوليكية بل يرجع بالأساس لتعود هؤلاء على الاستماع لإذاعة تبث برامجها من اوروبا و تلفزيون موجود في قبرص. فالأكثرية الساحقة الذين يعرفون الكنيسة هم متمسكون بالإسلام، وغرض الكاثوليك هو العمل سويا من أجل المصلحة العامة وليس جلبهم نحو المسيحية. وانتشارالمسيحية يعود إلى العولمة فهناك مسيحيون أصبحوا مسلمين والعكس، ويعود ذلك لتقارب الشعوب واكتشاف أشياء لم يكونوا يعرفونها من قبل. ـيلقى فيلم كوستا كافراس الأخير الذي سيتم عرضه نهاية الشهر الجاري والذي يحمل عنوان «آمين» الكثير من الانتقادات حول موقف الكنيسة من اضطهاد اليهود من قبل السلطة النازية، ما رأيكم؟ ـ كوستا كافراس من كبار المخرجين السينمائيين، ونحن نحترمه كثيرا، وأنا لم أشاهد الفيلم، لكن أعتقد أنه يحق لكل مجموعة بشرية أن تتساءل عما فعلته في فترة تاريخية معينة، فبعض المسيحيين كأفراد التزموا وساعدوا بعض اليهود من أجل انقاذهم من الخطر النازي، لكن هل الكنيسة كهيكل سكتت؟ هل الكنيسة منعت النازيين من القيام بما قاموا به؟ هذا أمر دقيق. الكنيسة الهولندية نشرت بيانا حينهانددت فيه بتعذيب اليهود من طرف النازيين وكان رد فعل النازيين أنهم ما اكتفوا بقتل اليهود وإنما بقتل المسيحيين ذوي الأصول اليهودية، إذن تدخل أساقفة هولندا زاد من عدد الضحايا. لكن على كل أنتظر مشاهدة الفيلم لأحكم عليه.