اذا كانت دعوة ارييل شارون الى عقد مؤتمر السلام، في ذروة مجازره ضد الشعب الفلسطيني، قد بدت فكرة مثيرة للسخرية ونوعا من الاستخفاف الفج بالعقول، فان مسارعة الولايات المتحدة الى تبني جوهر فكرة سفاح جنين، مع (تطويرها) والباسها ثوبا دوليا مزعوما، لا يخرج بدورها عن هذا الاطار الا ان الاستخفاف الأمريكي بالعقول يتسم بخطورة أكبر بمالا يقاس، يكتسبها من الوزن الهائل للقوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم، الأمر الذي يجعل أكثر أفكارهما سخفا ومجافاة للمنطق قابلة للتحول الى موضوعات للبحدث الجدي! ولأن يتم فرضها على الدول الصغيرة بوجه خاص. وكان شارون قد اقترح عقد مؤتمر اقليمي تحضره دول عربية يعتبرها هو (معتدلة) كمصر والسعودية والأردن بالاضافة الى قيادة فلسطينية بديلة لقيادة عرفات، واسرائيل بالطبع، تحت اشراف أمريكي لبحث سبل التوصل الى تسوية على المسار الفلسطيني، دون شروط مسبقة!! وهي الصيغة الاسرائيلية الاثيرة للتحلل من أية مرجعية أو أي جدول زمني لأية مفاوضات. ورغم أن الولايات المتحدة طورت فكرة شارون من الناحية الشكلية ، وكستها ثوبا دوليا براقا بتسمية المؤتمر المقترح مؤتمرا دوليا وصدور الدعوة لعقده في بيان تبنته الأمم المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي الى جانب أمريكا ويفترض أن ترعاه هذه الأطراف الأربعة ، فان قليلا من التأمل سيكشف لنا أن الافكار الأمريكية لا تختلف في جوهرها الأعمق عن أفكار شارون ، فلا مرجعية قانونية ، ولا حديث عن الشرعية الدولية أو مرجعياتها ولا جدول زمنيا ولا آلية للتوصل الى اتفاقات أو تنفيذها ولا توضيح لكيفية الاعداد الضروري للمؤتمر ، فالمهم أن نبدأ بأسرع ما يمكن (في يونيو المقبل) والمفاوضات يمكن أن تدور حول أي شئ والى أي زمن ، فمداها مفتوح الى ما شاء الله! والاستراتيجية التي يتوخى البيان الأمريكي تحقيقها من المؤتمر العتيد تقوم على ثلاثة عناصر هي: 1- تحقيق الأمن للاسرائيليين والفلسطينيين واعادة بناء جهاز الأمن الفلسطيني 2- تقديم المساعدة الاقتصادية والانسانية للفلسطينيين واعادة تشكيل مؤسسات السلطة الفلسطينية بحيث تكون مؤسسات قوية ومسئولة وديمقراطية ومنفتحة على اقتصاد السوق. 3- الاعداد لمفاوضات جيدة وسريعة من أجل التوصل الى تسوية للنزاع الفلسطيني الاسرائيلي. وهكذا فان التزامات الفلسطينيين واضحة ومحددة وتفتح الباب للضغط عليهم بشتى الأشكال ، أما اسرائيل ، فليس عليها التزامات محددة بل انها تحصل على مكافآت كبرى على عدوانها الوحشي، كما سنوضح فيما يلي من مقالنا. مكافأة المعتدي ان مجرد انعقاد المؤتمر المذكور في ظل الظروف الناشئة عن العدوان الاسرائيلي البربري على المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية ، وعلى أساس الاستراتيجية المشار اليها أعلاه يمثل مكافأة كبرى للمعتدي واذعانا فلسطينيا ـ عربيا لاشك فيه لنتائج ذلك العدوان فاذا أضفنا الى ذلك المناخ السياسي المحيط بالدعوة للمؤتمر من ادانة أمريكية واسرائيلية يومية للمقاومة الفلسطينية المشروعه ووصمها بتهمة الارهاب ، واتهام دول عربية رئيسية بدعم ما يعتبره العدو الصهيوني والولايات المتحدة (ارهابا).. واذا أضفنا الى ذلك أيضا قائمة الدول العربية المدعوة للحضور والمستبعدة منه لاتضح لنا ضخامة المكافأة التي تريد الولايات المتحدة منحها لاسرائيل مقابل عدوانها الهمجي على الشعب الفلسطيني وفداحة الاذعان الذي تريد واشنطن وتل أبيب فرضه على الشعوب والدول العربية. انهم يريدون ، في الحقيقة ، أن يأتي العرب الى ذلك المؤتمر راكعين. فأولا: لا يتحدث الداعون الى المؤتمر ولو بكلمة واحدة عن ضرورة الانسحاب الاسرائيلي من الاراضي الفلسطينية الخاضعة لولاية السلطة الفلسطينية بناء على اتفاق أوسلو وتوابعه علما بأن اسرائيل حصلت مقابل أوسلو على اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بشرعية احتلالها للأراضي المغتصبة عام 1948 ، والتي تبلغ 78% من أرض فلسطين. كما حققت الدولة الصهيونية نتيجة لاتفاق أوسلو اختراقات مهمة في مجال (تطبيع) علاقاتها مع عدد من الدول العربية ، بدعوى أن أصحاب القضية قد تصالحوا مع العدو. وثانيا: تضمن اسرائيل بمقتضى بيان الدعوة للمؤتمر التزام السلطة الفلسطينية بأمن قوات الاحتلال والمستعمرين في أرض 1967 ، بل وادانة السلطة لأية مقاومة للاحتلال والمستعمرات باعتبارها ( ارهابا ) وتتم اعادة تنظيم أجهزة الأمن الفلسطينية بحيث تكون مهمتها الأولى حماية قوات الاحتلال والمستعمرين الاسرائيليين !! ومعروف أن مدير المخابرات الأمريكية جورج تينت يستعد للتوجه قريبا الى المنطقة للاشراف على هذه العملية !! ومعروف أيضا ما تمثله هذه العملية ليس فقط من تفريط بحق المقاومة المشروعه ،بل وأيضا من توجيه لأسلحة السلطة نحو تنظيمات المقاومة ، وخطر فادح لنشوب اقتتال فلسطيني ـ فلسطيني لا يستفيد منه الا العدو الصهيوني. وثالثا: اذا كانت بدايات الوساطة الأمريكية في تسوية قضايا صغيرة وبديهية مثل رفع الحصار عن عرفات أو عن كنيسة المهد قد أسفرت عن أمور خطيرة كسجن مناضلين فلسطينيين بعد محاكمات شكلية ، وأعتقال زعيم تنظيم كبير كأحمد سعدات زعيم الجبهة الشعبية ، وتقنين مبدأ نفي مواطنين فلسطينيين عن وطنهم ، فكيف ستكون الأمور حينما تخضع عملية اعادة تنظيم أجهزة الأمن الفلسطينية للسيطرة الأمريكية والتدخل الاسرائيلي الرسمي من خلال المؤتمر المزمع ؟؟! ورابعا: يتحدث البيان عن اعادة تشكيل مؤسسات السلطة الفلسطينية بحيث تكون قوية مسئولة وديمقراطية الخ. وغنى عن البيان أن هذه مسألة داخلية فلسطينية. ومهما تكن التحفظات على مستوى ديمقراطية أو شفافية السلطة الفلسطينية فهذا أمر لا ينبغي أن يتدخل فيه أطراف خارجية ، فضلا عن أن تقرره. وفضلا عن أن تكون هذه الأطراف هي أعدى أعداء الشعب الفلسطيني. هذا أمر غير مسبوق في التاريخ. ومعروف أن شارون لا يكل عن الحديث حول ضرورة تشكيل قيادة فلسطينية بديلة. وكذلك أغلب السياسيين الاسرائيليين أما أركان الادارة الأمريكية ، على رأسهم بوش ، فانهم لا يكفون عن اصدار الأحكام بشأن الرئيس الفلسطيني. وكيف أنه خذل آمال شعبه ، وعدم صلاحيته للقيادة.. الخ مغتصبين لأنفسهم صلاحية التعبير عما يملك الناخب الفلسطيني وحده حق تقريره.. أليس واضحا أن هذا انتهاك شديد الفظاظة لأبسط القواعد الديمقراطية؟ وهل يجوز والحال هكذا أن يوافق أي طرف عربي على أن تكون اعادة تنظيم السلطة الفلسطينية أساسا لعقد أي مؤتمر؟! وخامسا: وهذه نقطة تتسم بأهمية بالغة ، فان اقتراح حضور المملكة العربية السعودية خصوصا لمثل هذا المؤتمر ، يمثل محاولة خبيثة مسمومه لفرض التطبيع على المملكة. وبالنظر الى الأهمية الاقتصادية والمعنوية والعربية الكبيرة التي تتسم بها السعودية فان هذا سيكون مكسبا سياسيا ومعنويا هائلا للعدو الصهيوني وسيكون مكسبا له أبعاد لاحقه بالغة التأثير على مستويات عديدة وبغض النظر عن رفضنا المبدئي أصلا لما يسمى (بالتطبيع) فان الأطراف العربية لا ينبغي أبدا أن تمنح العدو الصهيوني مثل هذا المكسب الهائل في ظل استفحال نزعته العدوانية وتوجيهه السافر لتصفية القضية الفلسطينية وتهويد القدس والاعتداء على المسجد الأقصى وغيره من المقدسات الاسلامية والمسيحية. والواقع أن الابتزاز الرخيص الذي يمارسه العدو الصهيوني ضد السعودية ، واتهامه لها بدعم الارهاب بسبب دعمها المادي لأسر الشهداء وللشعب الفلسطيني عموما.. انما يمثل سببا اضافيا لضرورة حرمان اسرائيل من الظفر بتلك الثمرة الثمينة التي تحلم بها. من تحت الصفر وهكذا فان مجرد انعقاد المؤتمر على الأسس التي تدعو لها أمريكا من شأنه أن يمثل مكافأة كبرى للمعتدي الصهيوني ، وتمكينا له من جني ثمار عدوانه ولم نذكر الا أهم الثمار العاجلة. وهناك الكثير الذي يمكن اضافته مثل تحسين صورة اسرائيل في العالم وتقديم مجرم الحرب شارون (كرجل سلام ) وعزل سوريا ولبنان وتأكيد فكرة انفصال المسارات التفاوضية العربية وغيرها وغيرها. ولكن ماذا يأخذ العرب في المقابل؟! يأخذون (الاعداد لمفاوضات جدية وسريعة من أجل التوصل الى تسوية النزاع الفلسطيني.. الاسرائيلي)! أي بتعبير آخر، يأخذون (هواء في زجاجات) كما يقول المثل الشعبي المصري يأخذون وهما كبيرا لا حدود له. وتبدأ المفاوضات ليس حتى من الصفر ، ولكن من تحت الصفر فلا مهمة قانونية من أي نوع ولا اشارة بأية صورة الى قرارات الشرعية الدولية رغم ما فيها من اجحاف بالحقوق العربية. سواء في ذلك قرار (242) الشهير بمشكلة الانسحاب من أراض أو من الأراضي المحتلة ، أو مرجعية مدريد حول الأرض مقابل السلام ، التي حولتها اسرائيل الى قطعتين الأرض مقابل قطعة من السلام ولم نجن في النهاية لا أرضا ولا سلاما.. ثم آلت في عهد نتانياهو الى السلام مقابل السلام ! علما بأن مفهوم السلام ذاته يختلف لدى اسرائيل فيما يخصها عنه فيما يخص الآخرين فامتلاكها لترسانة نووية مثلا من ضرورات أمنها وسلامها. أما امتلاك أية دولة عربية لأي سلاح أقل خطورة بكثير جدا ، فهو تهديد لأمن الدولة الصهيونية ، ومن ثم تهديد للسلام ! وهكذا ترى أمريكا أيضا! بل انهم يرون حتى في بعض آيات القرآن الكريم أو صفحات التاريخ العربي والاسلامي (تحريضا ) ضدها يمثل تهديدا للسلام! ان مبدأ أية عملية تفاوضية بدون مرجعية محدده وخصوصا في ظل علاقات قوى محتلة كالتي نراها في منطقتنا- انما يمثل نوعا من الحرث في البحر واهدار لثمن فادح دفعه الشعب الفلسطيني وشعوب دول عربية أخرى من دماء أبنائها الزكية ، ومن ثرواتها وقدرتها على التنمية ، ومن تنازلات اضطرارية أو غير اضطرارية قدمتها على مدى عقود وبغض النظر عن مدى مبدئية أو عدم مبدئية هذه الخطوة أو تلك ، فان دفن اتفاقية أوسلو مثلا يعني أن اسرائيل حصلت بدون مقابل على اعتراف فلسطيني باغتصابها لأرض 1948 ويعني اهدار دماء آلاف الشهداء ومعاناة ملايين البشر ليبدأ التفاوض من جديد حول ثمن الانسحاب من أراضي السلطة!! وعدم اعلان اسرائيل التزامها بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة ، بدءا من 242 حتى 1405 ، أو بمرجعية مدريد ، يعني تسليم العرب مقدما بعدم حرمة أراضيهم. شهود الزور رغم أن اسرائيل لم تعلن موافقتها بعد على حضور الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو روسيا للمؤتمر المقترح ، فلا بد من القول ان هذه الأطراف الثلاثة لا يمثل حضورها للمؤتمر المذكور أية قيمة ، اللهم الا التزام الاتحاد الأوروبي بدفع بعض الأموال لتعمير ما خربه الاجتياح الاسرائيلي وعلى من تخامره الأوهام بشأن قدرة الاتحاد على الضغط على اسرائيل أن يتذكر عودة سولانا وبيكيه خائبين من محاولتهما الأولى لمقابلة عرفات في محبسه برام الله حينما رفض شارون اتمام المقابلة. أما قصة الأمم المتحدة وقراراتها مع اسرائيل فلا تحتاج لأن نرويها وحسبنا التذكير بالمصير المأساوي للقرار (1405) ولجنة تقصي الحقائق في مخيم جنين ، التي أضطر كوفي عنان لحلها في نهاية المطاف. وبالنسبة للموقف الروسي فان موسكو تقف بين العجز عن مواجهة واشنطن والتفريط في مصالحها الخاصة ، والطمع في المساعدات الاقتصادية الأمريكية ، في ظل قيادة يتغلغل فيها اللوبي الصهيوني. وباختصار فان الرعاه الدوليين لن يكونوا أكثر من (شهود الزور) على مهزلة اهدار الحقوق الفلسطينية والعربية اذا قدر للمؤتمر المفتوح أن ينعقد. وبديهي أن أحدا لن يكون أحرص منا على حقوقنا ومصالحنا.. وواضح تماما أن ما تدعو اليه أمريكا ليس أكثر من عملية نصب دولية لصالح اسرائيل وصالحها فلا داعي لتعليل أنفسنا بالأوهام وعلينا أن نرفض هذا المؤتمر المشبوه. بقلم: د.محمد فراج أبوالنور ـ كاتب مصري