رغم التأكيدات العربية على ضرورة أن يستند المؤتمر المزمع عقده للسلام في الشرق الأوسط إلى قرارات الشرعية الدولية السابقة والاتفاقيات التي تم توقيعها بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، إلا ان هناك الكثير من المخاوف من أن يكون المؤتمر مجرد بداية لمتاهة جديدة تأخذنا إليها الولايات المتحدة وإسرائيل، وبحيث يتم البدء مرة أخرى من نقطة الصفر وتمضي السنون وتسوء الأوضاع أكثر مماهي عليه الآن...«الملف». التقى الخبير الاستراتيجي د.عماد جاد، ود.محسن عوض الخبير الاستراتيجي في شئون الصراع العربي الإسرائيلي لالقاء الضوء حول فكرة عقد المؤتمر ومن أين جاءت، وهل سيكون منسجما مع مقترح الارهابي شارون وطبيعة الدور الذي ستقوم به القوى الدولية مثل أوروبا وروسيا فيه، والتأكيدات العربية على ضرورة التعاطي مع المرجعيات القديمة ورفض محاولة اسرائيل الالتفاف عليها. بداية يرى الخبير الاستراتيجي د.عماد جاد أن المؤتمر الدولي للسلام في الشرق الأوسط والمزمع عقده في وقت لاحق كان في الأساس مجرد طرح شاروني بهدف المناورة والرد على المبادرة العربية للسلام، واغلاق ملف التفاوض الذي بدأ في أوسلو والبدء من نقطة جديدة، وقد أدركت بعض الدول العربية الفاعلة المقاصد الإسرائيلية من وراء هذه الفكرة ولذلك دخلت على الخط وعمدت الى وضع شروط وضوابط بدون تحقيقها لا يمكن للعرب ان يقبلوا بحضور هذا المؤتمر، منها أن يكون مؤتمرا دوليا وليس مجرد مؤتمر اقليمي كما كان يقترح شارون، ومنها ايضا ضرورة أن يكون المؤتمر بداية لمرحلة جديدة من التفاوض وأن يتم عقده على اساس القرارات الدولية السابقة والاتفاقات التي تم توقيعها من قبل وان يكون للاتفاقات التي تخرج عنه سقف زمني لا يتم تجاوزه وحتى لا ندخل في تفاصيل وتفريعات جديدة لا تخدم في الغالب سوى السياسات الصهيونية. ويضيف د.عماد جاد ان المؤتمر في حال عقده سيكون صراعا قويا بين مجموعة من الإرادات، الإرادة الإسرائيلية والأمريكية من جانب والإرادات العربية من جانب آخر، والطرف الذي سيستطيع فرض إرادته هو الذي سيخرج من هذا المؤتمر ببعض المكاسب، الأمريكان والإسرائيليون يريدون هذا المؤتمر مجرد «تفصيلة».وتفريعة®®.جديدة تأخذنا إلى متاهات لا يعرف أحد متى تنتهي، ونحن نريد منه خطوات ايجابية ومحددة بزمن معين، ولذلك مطلوب درجة من التماسك وترتيب الاوراق حتى يكون المؤتمر نقلة للامام وليس مجرد «تفصيلة».جديدة، لابد من التركيز على ضرورة وجود سقف زمني لأي اتفاقات مستقبلية، فالعيب الأساسي الذي كان موجودا في أوسلو هو انها تركت الأمور «عايمة».غير محددة بزمن ومن هنا ساءت الأوضاع كثيرا، أيضا يجب أن يخرج عن المؤتمر اتفاق الصفقة بمعنى الاتفاق على حل كل قضايا الصراع العربي الإسرائيلي في مناطقه المختلفة في الاراضي الفلسطينية المحتلة، في الجولان، في لبنان، حل على كل المسارات. ويعتقد انه ليس من الكياسة ان يرفض العرب حضور مثل هذا المؤتمر، وخاصة في ظل هذا التراجع الشديد الذي حدث في مسارات التسوية في المنطقة، والذي وصل الى مرحلة اللاعودة، ومن هنا فالمؤتمر فرصة لكي يعاد استئناف المسيرة السلمية بعد كل هذا التوقف، المهم أن نرتب أوراقنا ونصل الى الصيغة المناسبة التي تتيح لنا الحصول على حقوقنا، ويجب أن نكون على يقين أن عملية الجدار الواقي التي قام بها شارون لم تخل من بعض الايجابيات منها أنها كشفت شارون بعد أن أظهر أسوأ مالديه من اجراءات يمكن ان يستخدمها ضد الفلسطينيين ودون أن يحقق هدفه في القضاء على المقاومة بشكل نهائي، كما انها اظهرت ان عمليات الابادة الجماعية التي قامت بها القوات الصهيونية قبل ذلك مرات عديدة في صبرا وشاتيلا وغيرها لم يعد مجالها الآن في ظل هذه السطوة الاعلامية العالمية®®.لقد تغير الموقف الأمريكي بعض الشئ بعد عملية الجدار الواقي في الضفة الغربية بعد ان وجد معارضة عربية، الأمريكان اكتشفوا انه لا يمكن اعطاء شارون الضوء الأخضر على الدوام لأن ذلك قد يؤثر على مصالحها في المنطقة. هل يعني ذلك أن تراجع اسرائيل عن اجتياح غزة يعود الى هذا التغير الطفيف في الموقف الأمريكي؟ يجيب د.عماد جاد:.قد يكون التغيير النسبي في الموقف الأمريكي أحد أسباب التراجع الإسرائيلي عن اجتياح غزة ولكن هناك اسباب اخرى منها الاختلاف الكبير بين غزة والضفة الغربية من حيث القدرات التسليحية، وعدد السكان، ولذلك شعرت اسرائيل ان دخول غزة لن يكون نزهة وستكون الخسائر كبيرة، وهي حسابات تعرفها اسرائيل جيدا. وعن طبيعة الدور الذي يمكن ان تلعبه القوى الدولية مثل أوروبا وروسيا والأمم المتحدة في مثل هذا المؤتمر يقول د.عماد جاد:.غالبا سيكون وجود دور هذه القوى رمزيا، فالطرف الوحيد الذي بيده الحل والربط هو الولايات المتحدة، إسرائيل تدرك ذلك، والعرب والقوى الدولية متأكدون منه ولذلك فلا يجب التعويل كثيرا على وجود هذه القوى في المؤتمر المزمع عقده، وأن يكون اعتمادنا على أنفسنا فقط. تسمية مناسبة أما د.محسن عوض الخبير في شئون الصراع العربي الإسرائيلي فيعتقد ان المؤتمر لم يؤخذ بعد بالدرجة المطلوبة من الجدية لدرجة أنهم لم يجدوا تسمية مناسبة له حتى الآن، ولا أحد يعرف على أي أساس أو مرجعية سيتم عقده هل هي توصيات ميتشيل أو تينت، أم مبادئ أوسلو، أم وفق حملة مكافحة الارهاب التي تتبناها الولايات المتحدة ويضيف:.إذا كانت الأطراف الدولية ومعهم أمريكا وإسرائيل جادين في فرض تسوية عادلة فكان الأولى أن يعقد المؤتمر في اطار الشرعية الدولية ووفقا للقرارات الدولية السابقة التي تحدثت عن الصراع العربي الاسرائيلي، فهناك على سبيل المثال الكثير من القرارات في الأمم المتحدة التي تؤكد على حق العودة للفلسطينيين، وعلى انسحاب إسرائيل من كل الاراضي التي احتلتها، لدرجة ان هناك لجنة في المنظمة الدولية تسمى لجنة الحقوق الثابتة وغير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، لماذا يتم تجاهل كل هذه القرارات في حين ان اسرائيل نفسها اكتسبت شرعيتها ووجودها بموجب قرار من الأمم المتحدة مقرونا بحق العودة للاجئين الفلسطينيين. ويرى د.محسن عوض انه من العبث الحديث الآن عن مؤتمر جديد للسلام في الشرق الأوسط وخاصة في ظل الأوضاع السيئة التي تشهدها المنطقة والتي تؤكد ان أي مؤتمرات أو تسويات ستتم ووفقا لمرجعيات جديدة غالبا لن تكون نتائجها في صالحنا، كما ان ذلك يطرح العديد من التساؤلات حول مصير الاتفاقيات والمرجعيات السابقة والتي أخذت سنوات من التفاوض®.ويذهب الى أبعد من ذلك بالتأكيد على أن مجرد الموافقة على المؤتمر هو تنازل جديد للعرب وسوف يأخذنا الى متاهات وتفصيلات جديدة تستغرق عشرات السنين. ويشير الى ان المؤتمر هو في الاساس اقتراح شاروني أراد من ورائه الرد على المبادرة السعودية وفتح حوار معها بأن يتم التركيز على جزئية التطبيع وترك الجزئية الأخرى المتعلقة بالانسحاب من الاراضي العربية المحتلة، أي أن شارون يريد الحصول على الحوافز الايجابية، دون دفع الثمن أو اعطاء الاخرين حقوقهم، أيضا شارون أراد من اقتراحه عقد مؤتمر للسلام العودة بمسيرة التفاوض الى المربع رقم واحد وبحيث نغرق في التفصيلات مرة اخرى ويتم وضع مرجعية جديدة غالبا ستكون أسوأ من المرجعيات السابقة. ويتفق د.محسن عوض مع الرأي الذي يرى بأن القوى الدولية الاخرى لن يكون لها دور فاعل في هذا المؤتمر أو غيره لأن هذه القوى ليست راغبة في القيام بهذا الدور الفاعل، كما ان الولايات المتحدة لن تسمح لهم بذلك على الاطلاق، كما أن مواقفهم السابقة بالنسبة للقضايا العربية ليست ايجابية تماما فهم يعتبرون على سبيل المثال منظمات المقاومة الفلسطينية منظمات ارهابية، كما حاولوا وبشتى الطرق منع مؤتمر دربان لحقوق الإنسان الذي عقد العام الماضي في جنوب أفريقيا اتهام اسرائيل بالعنصرية، حتى أن قوة التعاطف التي أظهرت الشارع الأوروبي مع الشعب الفلسطيني مثلا لم يتم ترجمتها الى قرارات ومواقف سياسية فاعلة ومؤيدة للمواقف العربية. القاهرة - مكتب «البيان» :