تبحث مختلف القوى السياسية في العالم عن مخرج مقنع عن طريق مبادرات سلام «شرق اوسطية جديدة»، او تأييد اطروحات من طرف الغير، ولا تختلف امريكا او روسيا او الاتحاد الاوروبي على المبدأ. فقط يختلف الاسلوب الدبلوماسي على الساحة الدولية، واحياناً تتباين المفردات المستخدمة لهذه القوى او تلك، في عرض البدائل، وان اتت المسالك السياسية لقوى دون اخرى ـ في مرحلة زمنية ما ـ مغايرة، يكون ذلك فقط هو لزوم حبكة تسيير المصالح، والمخارج المقنعة التي تصنعها القوى السياسية في العالم وعلى رأسها امريكا، هي للتبريرات والترويج لدعاية مضمونها انها تقوم بدور «حمائم سلام» في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، لكي لا تخسر او تصاب مصالحها في مقتل، سواء ضخ النفط العربي، او ضياع الاسواق الاستهلاكية العربية، هذا في الوقت الذي تضرب فيه اسرائيل بكافة قرارات الامم المتحدة عرض الحائط، ولا تحترم اتفاقاً او عهدا او كلمة، وتضرب الفلسطينيين بقسوة، وترفض لجنة تقصي الحقائق الدولية، وترفض مجرد الحديث عن قوات حفظ سلام دولية لحماية الفلسطينيين من بطش قواتها العسكرية، من رحم هذا المناخ الظالم ولدت فكرة عقد «مؤتمر دولي جديد للسلام». حول هذا المؤتمر الدولي واهدافه التقى «الملف السياسي» في هولندا بالخبير الاستراتيجي في شئون السياسة الدولية «مولليرفان دير كامب» في حوار نستكشف منه مدى صدق النوايا. وهل لو كتب لهذا المؤتمر نجاح انعقاده سيأتي بحلول تحترمها اسرائيل؟ فقال: ـ رئيس الوزراء الاسرائيلي «شارون» شأنه مثل غيره في منطقتكم العربية، الكل يبحث عن مخرج سياسي لا يسبب له اراقة ماء وجهه امام شعبه فهو محاصر من الشارع الاسرائيلي الذي يبحث عن سلام وأمن، وعده «شارون» بتوفيره لكنه لم ينجح في تنفيذ وعوده، وحملاته العسكرية ضد الفلسطينيين كانت ولا تزال لها اكثر من جانب، من حيث اجهاض انتفاضة الاقصى، وهز ارادة الشعب الفلسطيني داخلياً، وافقاده ثقته في السلطة الفلسطينية وقد اخفق في ذلك، ثم اتت بعد ذلك نهاية «نسبية» للحملات العسكرية الاسرائيلية وتكون اشارة لبدء التفاف سياسي يهدف لاثارة الفرقة العربية والبلبلة في الشارع العربي ومن هنا جاءت الفكرة الشارونية التي تعتبر بالنسبة له متنفساً سياسياً مرحلياً يخرج به من الحصار، فبعرضه او تحريضه على عقد مؤتمر دولي جديد للسلام، ينقذ نفسه ولو مؤقتاً، اما من ناحية القيادات السياسية العربية الرسمية، فهي تريد ايضاً عدم احراج نفسها امام غضبة الجماهير العربية. ـ لو افترضنا عقد مثل هذا المؤتمر هل يمكن له ان يأتي بجديد؟ او حلول تحترمها اسرائيل؟ ـ اشك في عقد مؤتمر دولي على هذا النحو لان فكرته ماتت مع ولادتها، حيث اعلن الفلسطينيون تمسكهم بمرجعية قراري الامم المتحدة 242 و338 وكذلك ما جاء في مؤتمر مدريد، والذي تؤكد نصوصه على مبدأ الارض في مقابل السلام، ومن ناحية ثانية اكدت القمة الثلاثية بين مصر وسوريا والسعودية، التي عقدت مؤخراً في شرم الشيخ مبادرة الامير «عبدالله»، هذا اضافة لاستحالة قبول العرب عدم تمثيل سوريا ولبنان، واستبدال القيادة الفلسطينية الحالية باخرى، حال انعقاد المؤتمر الدولي. ـ لماذا تساند امريكا فكرة المؤتمر الدولي؟ ـ واشنطن لها مواقف مؤيدة لاسرائيل.. هذه حقيقة ولها أسباب كثيرة.. لكن نحن في الغرب لنا تساؤلات حساسة للغاية، عن سرعة قيام السلطة الفلسطينية باجراء اصلاحات سياسية داخلية، ولماذا استخدمت كلمة «تلبية» مطالب اسرائيل!، لما لها من حساسية، وربما يكون ذلك حل سياسياً وسطاً، قامت به السلطة بدلاً من الاتيان بقيادة بديلة، لكنه موقف يحتاج لتوضيح، في الوقت ذاته فوتت السلطة بخطوة اعلانها اجراء الاصلاحات الفرصة على اسرائيل، وكأنها تقول للمجتمع الدولي بأن لديها نظاماً ديمقراطياً، اما امريكا فأعتقد ان تأييدها لفكرة المؤتمر كانت بمثابة بالونة اختبار سياسية للعرب، ويعتبر العرب قد نجحوا في الاختبار السياسي، هذا على المستوى الرسمي. اما على الجانب الآخر خرج حوالي 10 آلاف متظاهر في اسرائيل، للتعبير عن رفض سياسة شارون ومن هنا جاءت تلك الظواهر التلقائية لتؤكد ان الشعب الاسرائيلي في حاجة لسلام وامن، والشعوب العربية في اشد الحاجة للاستقرار، والفلسطينيين لن يتنازلوا عن اقامة دولتهم المستقلة وهو الامر الذي لا يمكن تحقيقه عن طريق مؤتمر دولي، حيث توجد قرارات كافية ومبادرات كفيلة بتهدئة الاوضاع، واعادة مفاوضات السلام لمسارها الطبيعي، وهذا في يد امريكا. ـ الجانب الآخر هو: ان مساندة امريكا في كل الاحوال لفكرة عقد مؤتمر دولي يحمل معه كثيراً من التناقضات، حيث ان واشنطن لم تنجح او بالاحرى «لم ترغب» في اجبار اسرائيل على احترام الشرعية الدولية، او حتى مساءلتها امام الرأي العام العالمي؟ ـ لا يخفى ان امريكا تربطها علاقات خاصة باسرائيل، واضيف هنا بكل أسف قول ان مجمل المواقف العربية ضعيفة للغاية، وما يصل لمسامعنا من تصريحات كبار ساسة العرب هي عبارات شجب مكررة، واتفق معكم في ان المؤتمر الدولي لن يكون له جدوى في ظل هذه الظروف خاصة وان ملامحه غير واضحة المعالم، ولا نعرف على أي اسس يرتكز، اما الضغط على اسرائيل لاحترام الشرعية الدولية، ومساءلتها عالمياً، فعلى العرب الا ينتظروا ذلك من الغرب او من امريكا لانه باختصار شديد لن يحدث، الا في حالة واحدة عندما تخوض الدبلوماسية العربية حربا قانونية لتحقيق هذا الغرض، واضيف لدهشتي حول ما ذكرته آنفاً بأن سرعة اعلان السلطة الفلسطينية اجراء اصلاحات سياسية داخلية، استغراب آخر، وهذا طبعاً من وجهة نظري، لدى الفلسطينيين ملفات في صبرا وشاتيلا، وقانا، ومؤخراً في جنين ومناطق اخرى فلسطينية، كل هذه الملفات حديثها وماضيها، من الممكن لها ان تدين اسرائيل بارتكاب جرائم، ومن الممكن ان تستخدم للضغط سياسياً على اسرائيل في الساحة الدولية، ولم تستخدم هذه الاوراق بشكل سياسي او قانوني جاد، سمعنا ارهاصات هنا وهناك، ولكن بدون مواقف وتفعيل. ـ لقد تردد بأن امريكا لديها مخططاً يهدف لرسم خريطة جيوسياسية جديدة في منطقة الشرق الاوسط فما هي حقيقة ذلك؟ وهل تشاركها اسرائيل في ذلك؟ ـ لقد اطلعت على وسائل اعلام عربية خليجية ناطقة بالانجليزية، واخرى فرنسية تصدر من مصر، ووجدت ما بها من معلومات حول هذا الموضوع كافية ووافية، وهو الامر الذي يؤكد لنا في الغرب ان العرب لديهم علم ومعرفة بالتوجهات الامريكية والاسرائيلية في منطقتكم، واضيف بأنها في حقيقة الامر ليست بجديدة، المسألة فقط عملية تحديث للأهداف، قد بدأت تفعيلها بعد احداث 11 سبتمبر، والخريطة الجيوسياسية تكاد تكون قائمة بالفعل، أليست مصر مرتبطة باتفاقية سلام مع اسرائيل؟ وكذلك الاردن، ألم يكن تغيير الحاكم في سوريا والاردن تأكيد لتجميد الوضع السياسي وعلاقات هذه الدول بأمريكا، ألم تقف سوريا في طابور المنتظرين لحدوث انفراجة سياسية، تدخل منها لاستعادة هضبة الجولان، رهان امريكا واسرائيل معا هو على ذاكرة الشعوب العربية، التي من شأنها ان تساعد على حدوث متغيرات سياسية في صالحهما لتحقيق الاهداف الاستراتيجية، في ذات الوقت اصطدمت اسرائيل وامريكا سويا بحائط غضب الشعوب العربية، بسبب الاعمال العسكرية الاسرائيلية في فلسطين، وهذا اجهض جزءاً كبيراً من الرهان، الوضع المتوقع تغيره قد يبدأ من: ـ اعتبار امريكا ان منطقة شمال العراق تؤوي الارهاب، لتكون لديها مبررات للتدخل العسكري هناك، على غرار ما يحدث في افغانستان. ـ نجاح اسرائيل في جر سوريا لحرب عسكرية في مزارع شبعا. وهذه مسائل افتراضية لها مؤشرات، فلو نجحت مصر باعتبارها ذات خبرة دبلوماسية، في جمع السلطة الفلسطينية وسوريا ولبنان والسعودية على مائدة مفاوضات واحدة، والخروج بورقة تدمج مبادرة «الامير عبدالله» باعتبارها بديلاً واقعياً للسلام العربي الاسرائيلي، الى جانب كشف المخالفات الاسرائيلية للشرعية الدولية، وعرض ذلك من جديد على الامم المتحدة ومجلس الامن، في هذه الحالة لن تكون هناك ضرورة لعقد مؤتمر دولي. لاهاي ـ د. سعيد السبكي: