فى مثل هذا الوقت، حيث الظروف معاكسة تماما، سيخطئ العرب كثيرا اذا استجابوا مرة أخرى للسيناريو الاسرائيلى الامريكى الساعى لفرض تسوية للصراع العربى الاسرائيلى تحصد فى نتائجها ثمرة العدوان الهمجى والمجازر المروعة. فالدعوة الحالية للمؤتمر الدولى للسلام لاتخرج عن كونها محاولة لفرض الحل الامريكى الاسرائيلى على الفلسطينيين فى زمن بلغ فيه التحالف الاستراتيجى بينهما مستوى غير مسبوق بعد الهجمات الانتحارية التى شهدتها واشنطن ونيويورك في سبتمبر الماضى، بعد ان تم الربط فيه بين الحرب ضد ما تسميه الادارة الامريكية بالارهاب وتصفيتها لحكم طالبان فى افغانستان وتنظيم القاعدة، والحرب الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطينى ومنظمات المقاومة الوطنية التى صنفتها الولايات المتحدة ضمن المنظمات الارهابية فى العالم. ان هذا الوقت لن يكون فى صالح العرب اذا استجابوا للفخ الاسرائيلى الامريكى الذى يسعى لجرهم نحو دفع آخر التنازلات، خاصة بعد أن أوصلتهم التصريحات الامريكية المتتالية على لسان بوش وباول وقرارات الكونجرس الى الافق المسدود، بعد ان تم الاصرار على اعتبار إرهاب الدولة الاسرائيلية حربا ضد «الارهاب» الفلسطينى، وبعد ان أعطت الإدارة الامريكية.. وبوش شخصيا.. الضوء الأخضر علنا لشارون ليشن حرب إبادة متواصلة ضد الشعب الفلسطينى وقيادته وبنيته التحتية لقد نسف شارون مقدما أى احتمال لتسوية سياسية فى المرحلة الحالية، بإعلانه ان ما تم حتى الآن ـ من إبادة وتدمير وقتل واعتقالات ـ خلال اجتياح الضفة الغربية، ليس إلا المرحلة الاولى من عملية السور الواقى، وعدم استبعاده خلال حديثه أمام لجنة الخارجية والامن فى الكنيست القيام بعملية عسكرية مشابهة لما جرى فى الضفة الغربية فى قطاع غزة، واعلان اذاعة الجيش الاسرائيلى، ان وقوع اى عملية استشهادية جديدة سيؤدى إلى رد عسكرى جديد وطرد الرئيس الفلسطينى من المنطقة، وتأكيد شارون ان المستوطنات فى الضفة الغربية وغزة شأنها شأن المدن داخل اسرائيل، ورفضه مناقشة إجلاء أى منها. فى هذا الاطار يأتى دور وسائل الإعلام الأمريكية والإسرائيلية التى تقوم بتسريب المزيد من التقارير والمعلومات عن قيام الإدارة الأمريكية بإعداد مشروع جديد للسلام يمكن مناقشة أفكاره فى مؤتمر دولى تشرف عليه أمريكا بعضوية اللجنة الرباعية التى تضم روسيا والاتحاد الأوروبى والأمم المتحدة، تم حتى الآن عقد إجتماعين تحضيريين لمناقشة أفكار المؤتمر المذكور الذى من المقرر أن تشارك فيه إسرائيل والسلطة الفلسطينية المعدّلة والسعودية ومصر والمغرب وسوريا والأردن.. تلك الأفكار التى تعد الآن فى المطبخ الأمريكى كخلطة تأخذ ما يناسب إسرائيل من المبادرة السعودية العربية فى ما يتعلق بإقامة الدولة الفلسطينية ولكن على نسبة 42% من أراضى الضفة والقطاع، ومن دون الإشارة إلى عاصمتها (القدس) والتعامل مع مبدأ انسحاب إسرائيل من أراض عربية محتلة، وفق التفسيرات الإسرائيلية، وتجاهل حق العودة للفلسطينيين وإزالة المستوطنات الإسرائيلية، واستبدال ذلك بالدعوة إلى تجميد توسيعها. توجيه الضغط واذا كان هذا مايتم تسريبه، فان هناك مايقال علنا، وهكذا يكون الهدف من المؤتمر الدولى وفقا لما كتبه السيناتور الديمقراطى جوزف بيدن، رئيس لجنة الشئون الخارجية فى مجلس الشيوخ الأمريكى فى مقال نشرته نيويورك تايمز فى 16 ابريل الماضى هو ما يأتي فى سياق المقال: «اذا ماوضعنا فى الاعتبار الشكوك المشروعة المتعلقة بالقيادة الفلسطينية فان المؤتمر الدولى قد يفرز ضغوطات مهمة على تلك القيادة من الحكومات العربية». ان هذا هو المطلوب اذن. فثمة خيط رفيع واحد يربط بين كل التحركات الامريكية والاسرائيلية حيث الهدف المتفق عليه هو: تحويل أى مؤتمر اقليمى أو دولى جديد، الى مناسبة لتوجيه مسدس الضغط الدولى بعيدا عن صدر اسرائيل ومباشرة نحو رأس الدول العربية المعتدلة. من هنا فان شارون يبقى من الناحية العملية صاحب فكرة المؤتمر الدولى، حتى لو قيل انها كانت مطروحة، وان مجرم الحرب الاسرائيلى سرقها كما يسرق الأرض الفلسطينية يومياً وحاول تطويعها. لكن الأخطر ان تكون واشنطن قد تبنت هذا المؤتمر اساساً لأنه امتداد للمنطق الشارونى. فهو، أى شارون، يريد المؤتمر لتكريس العودة الى نقطة الصفر فى المفاوضات،. بعدما أنجز عسكرياً ما خطط له مبدداً كل ما تم خلال الاعوام العشرة الماضية، فلا مانع لديه الآن من اعادة عقارب الساعة الى الوراء. وطالما ان كلمة السر الحالية هى السرعة فى التحرك، فقد فهم شارون واللوبى اليهودى فى الولايات المتحدة ما يتوجب عليهما: الاستفادة الى أقصى قدر مممكن من لحظة تاريخية انحازت فيها الادارة الامريكية بشكل تام وغير مسبوق الى جانب المزاعم الاسرائيلية. على الرغم من ان اسرائيل التى تنسق للمؤتمر حاليا مع واشنطن هى نفسها التى كانت قد رفضت صيغة المؤتمر الدولى فى عقدى السبعينيات والثمانينيات، بحجة استبعاد الاتحاد السوفييتى احدى القوتين العظميين فى العالم والحليف الدولى للعرب الذى كان يقدم لهم المساندة العسكرية والاقتصادية والسياسية، وتحت ذريعة أخرى هى إجراء مفاوضات مباشرة مع كل طرف عربى على حدة. وقد استجاب العرب للرفض الاسرائيلى وقاموا بالتخلى عن المؤتمر الدولى! استعجال اسرائيل هذه المرة يؤكده عضو المجلس الوزارى الاسرائيلى للشئون الأمنية والسياسية دان مريدور الذى أطلق تصريحات قال فيها «ان اسرائيل تبدو مستعجلة لتحريك المسار التفاوضى مع الفلسطينيين فوراً واستغلال نتائج عملية السور الواقى و الضربة القوية التى وجهناها الى الفلسطينيين للتوصل الى حل، قبل أن يفرضه طرف آخر علينا». هذه التصريحات تناغمت مع تسريبات لقريبين من رئيس الحكومة ارييل شارون تفيد أنه يسعى فعلاً الى استغلال الوقت الحالى باحراز تقدم سياسى، لكنه يشترط إعادة هيكلة السلطة الفلسطينية وضرورة فصل السلطات بين الأجهزة الأمنية والسيطرة المدنية على أموال الدول المانحة. تطابق وانحياز لكن الرؤية الامريكية لاتختلف كثيرا عن التصورات الاسرائيلية، فالولايات المتحدة ترى ان اهداف عقد المؤتمر الدولى للسلام هى تحقيق تعاون أمنى بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية وتأهيل اقتصادى للبنية التحتية فى مناطق السلطة واصلاحات فى بناها وبلورة أفكار لتسوية سلمية. كيف يمكن التفكير اذن فى مثل هذا المؤتمر وإسرائيل ما زالت تحتل الأراضى الفلسطينية ورئيس وزرائها يقول إن خطته للسلام تقوم على اقتراحات موقتة؟ ان هناك خشية حقيقية من ان يشكل المؤتمر محاولة جديدة للهروب الى الأمام عبر توفير المزيد من الوقت لشارون ليمضى فى تنفيذ سياسته العدوانية، فى مقابل اعادة تلميع الدور الأمريكى فى المنطقة على قاعدة ان واشنطن جادة فى التزاماتها لتحقيق الحل السلمى، ومن دون ان يتخطى موقفها اطار الاستهلاك الإعلامى الهادف الى تنفيس الاحتقان السائد فى الساحة العربية والعمل على استيعاب ردود الفعل المتأتية من اتهامها بإعطاء الضوء الأخضر لشارون لضرب السلطة الوطنية الفلسطينية. ان المشكلة تبقى عند اسرائيل لأنها لم تقرر حتى الساعة ما تريد، ولا تزال تتبع سياستها التوسعية عبر اقامة المزيد من المستوطنات وبالتالى فإن اى حل يجب ان ينطلق من المبادرة العربية للسلام التى تبنتها القمة العربية التى عقدت اخيراً فى بيروت، ومن الأجدى لواشنطن تبنى هذه المبادرة إذا أرادت فعلاً اخراج المنطقة من حال الجمود ووقف دورة العنف فى الأراضى العربية المحتلة التى تتحمل اسرائيل مسئوليتها بعد رفضها الالتزام باتفاق اوسلو والعمل على تنفيذه. تنازلات مطلوبة واذا كان من الصعوبة فى مثل هذا الوقت فى تصور امكانية قيام واشنطن بالضغط على شارون لإعادة الاعتبار الى العملية السلمية نظراً الى حاجة الرئيس الأمريكى جورج بوش الى اصوات اللوبى الإسرائيلى فى انتخابات الكونجرس التى تجرى فى اكتوبر المقبل، فان هناك مخاوف حقيقية من ان تمارس الإدارة الأمريكية فى حال عقد المؤتمر المزيد من الضغط على الدول العربية وتحديداً السلطة الوطنية لدفعها الى تقديم تنازلات جديدة، فالمؤكد هو ان الخطاب الامريكى فى مثل هذه المرحلة سوف يزداد شراسة فى تحيزه ضد العرب وأشد افتقادا للموضوعية ربما اكثر من اى وقت مضى، وهو الخطاب الذى فقد المنطق عندما أصر على القول ان الحكومة الاسرائيلية حكومة سلام فى الوقت الذى تقوم فيه بقتل الالاف من الفلسطينيين. لذلك فان الحديث عن مؤتمر دولى للسلام مضيعة للوقت لأن كل ما يطلبه شارون فى هذه المرحلة كسب الوقت لهضم الفريسة الفلسطينية والتقاط الانفاس للانقضاض مرة أخرى. فالوقائع أثبتت ان المجتمع الاسرائيلى بكل مستوياته السياسية والعسكرية لا يحمل مشروع سلام. وعلى أيّة حال فإن المرحلة الحالية تشكل نقطة تحوّل جذرية فى طبيعة ما سيحدث على المسرح السياسى لأزمة الصراع العربى ـ الإسرائيلى حيث تضع واشنطن الآن قواعد جديدة لرؤية الحل السياسى الذى تقوده بعد ان جربت التعبير عن الانحياز المطلق لإسرائيل وتمكنت من اجتيازه من دون خسائر ومن دون ردود فعل عربية على الميدان فى أصعب المواقف المشحونة بالعواطف الشعبية العربية والعالمية تجاه مجزرة شارون فى جنين وغيرها، واستطاع الرئيس الأمريكى فى تلك اللحظات الحاسمة أن يطلق أوصافه المثيرة للمقاومة الفلسطينية بالإرهاب ولا يتوقع لهذه الرؤية أن تكترث بالمطالبات العربية التى ستتنازل كثيراً، ولن تكون مريحة للشعب الفلسطينى ولا تتناسب مع بطولاته وتضحياته فى استرجاع حقوقه الدنيا وهى انسحاب قوات الاحتلال لحدود الرابع من (يونيو) عام 67. ان التوافق اذن لم يكن غريبا بين قرار القمة العربية الذى تبنى المبادرة السعودية كمشروع عربى لحل أزمة الصراع العربى الإسرائيلى، و بين الاجتياح الإسرائيلى لمناطق السلطة الفلسطينية، الذى استهدف طعن تلك المبادرة، ومحاولة إعادة خلط الأوراق واستثمار نتائج ذلك الاجتياح لفرض متطلبات سياسية جديدة تهدف إلى استبعاد ياسر عرفات من أيّة مفاوضات مقبلة، وأن تكون حلولها السياسية مؤقتة ولا تعنى بالحل العادل والشامل الذى طالب به العرب فى مبادرتهم التى حملها ولى العهد السعودى الأمير عبد الله خلال لقائه بالرئيس بوش أواخر (ابريل) الماضى. والتى انسحب النقاش من مبادئها وعناصرها الواضحة إلى الانصراف للتوصل إلى سبل تجاوز محنة الاجتياح الإسرائيلى لمناطق السلطة الفلسطينية وفق ما اعلن عن (خطة الثمانى نقاط) التى ركزت على إنسحاب إسرائيل من مناطق السلطة الفلسطينية التى اجتاحتها مؤخراً، ورفع الحصار عن عرفات فى رام الله ونشر قوة مراقبين دوليين فى المناطق الفلسطينية وتقديم مساعدات اقتصادية دولية لإعادة بناء البنية التحتية الفلسطينية وشجب الإرهاب وبدء المفاوضات فوراً حول الترتيبات الأمنية ووقف الاستيطان وتطبيق قرارات مجلس الأمن الدولى. لكل ذلك فأن أى مؤتمر اقليمى( أو دولى) وأى تحرك أو مباحثات لتحقيق تسوية سياسية جديدة، لن يحقق ايا من مطالب الفلسطينيين والعرب، مالم تستمر الانتفاضة ويقدم لها العرب الدعم والامداد الضروريين، ومالم يستخدم العرب أوراقهم التى مازالت فى أيديهم. بقلم: زكريا عبد الجواد ـ كاتب مصري