اجمع عدد من الخبراء والمحللين السياسيين على ان فكرة المؤتمر الدولي المقترح، طرحها رئيس الوزراء الاسرائيلي شارون وتلقفها الرئيس الامريكي بوش للتخلص نهائيا من أي اتفاق سابق يلزم اسرائيل بمبدأ مقايضة الارض بالسلام. وقال باتريك سيل الكاتب البريطاني المتخصص في شئون الشرق الاوسط ان فكرة عقد المؤتمر الدولي في الصيف المقبل هدفها تهرب شارون من كل الاتفاقيات والالتزامات السابقة واهمها اتفاق اوسلو الذي رعته وضمنته الادارة الامريكية. واضاف سيل كاتب المقالات الشهير في الجارديان البريطانية يقول «بصراحة ان عقد مؤتمر دولي مقترح من شارون وبيريز هو مضيعة للوقت ومحاولة للالتفاف على كل القرارات والاتفاقيات السابقة وهذا يعني ادخال المنطقة في مزيد من الدمار والفوضى لان الشعب الفلسطيني بعد كل التضحيات الكبيرة التي قدمها لن يرضى باتفاقيات مرحلية قد تتمخض عن مؤتمر وهمي لا شرعية له ولا مرجعية واضحة له حتى الان». ووصف محاولة عقد مثل هذا المؤتمر بأنها يائسة تعبر عن ضيق افق سياسي وعجز عن مواجهة الاستحقاقات الدولية المفروضة على اسرائيل والواجب تنفيذها. وقال باتريك سيل ان شارون لا يريد التوصل الى أي حل سياسي واضح يعطي الفلسطينيين حقوقهم المشروعة وينهي العنف ولذلك فانه يناور ويلعب على متناقضات الانقسام داخل الادارة الامريكية وضعف الرئيس بوش وخلافاته مع بعض الدول العربية بالمضي قدما في طريق اقتراحات لاتؤدي سوى الى المزيد من الكراهية والعنف والتوتر في المنطقة. وقال ان على الولايات المتحدة و دول الاتحاد الاوروبي والدول العربية ان تعلن موقفها صراحة من رفض المؤتمر الدولي وعلى هذه الدول ان تعطي الفرصة للتفاوض المباشر تحت رعاية واشنطن وروسيا والاتحاد الاوربي للتوصل الى اقامة دولة فلسطينية على كافة الاراضي المحتلة عام 67 بما فيها القدس الشرقية وازالة المستوطنات للتوصل الى اتفاق سلام تاريخي ونهائي وشامل يضمن للشعب الاسرائيلي الامن والاستقرار ويعطي للفلسطينيين حقوقهم التي كفلتها لهم كافة قرارات الامم المتحدة طيلة نصف قرن مضى. وقال خليل جهشان نائب رئيس اللجنة الامريكية لمكافحة التمييز ومقرها واشنطن ان الاقتراح الداعي الى عقد مؤتمر دولي جديد لحل الصراع في المنطقة هو مجرد دعوة من شارون الى بوش للتخلص سويا من التزامات دولية او قرارات سابقة تفرض على اسرائيل السماح بقيام دولة فلسطينية على الاراضي المحتلة عام 1967. واوضح جهشان في اتصال هاتفي من واشنطن ان قبول الرئيس بوش لاقتراح شارون هذا وتسويقه باعتباره حلا للخروج من ازمة الصراع اثار الانقسام داخل الادارة الامريكية لان هناك فريقاً من المعتدلين داخل الادارة يرى ان على واشنطن احترام اتفاق اوسلو ومقررات مدريد باعتبارها الدولة الضامنة والراعية لهذه الاتفاقيات. وقال ان الرئيس بوش تخلى عن المصداقية الامريكية تماما عندما ايد اقتراح شارون الذي يسوقه بيريز حاليا في بعض العواصم الاوروبية لان امريكا كدولة عظمى وحيدة عليها ان تتمسك باتفاقيات التزمت بها وعليها ان تصر على احترام قرارات الشرعية الدولية. وقال جهشان ان الرئيس بوش كان عازما على التدخل في شئون الشرق الاوسط بعد عام كامل من الان لتفرغه وادارته بالكامل لانقاذ الاقتصاد الامريكي الذي يوشك على الانهيار، الا انه لم يستطع البقاء في الحدود التي رسمها لادارته. واوضح جهشان ان شارون نجح في استدراج الرئيس بوش وتعبئته ضد الرئيس عرفات وبعض الدول العربية. وردا على سؤال حول اسباب تخلي بوش عن العناصر الرئيسية لعملية السلام حينما وافق على مؤتمر دولي غامض غير محدد الاهداف على عكس الرئيس كلينتون والرئيس الاسبق بوش الاب قال ان النظام الامريكي ليس نظاما ايديولوجيا بحتا بل هو نظام يعتمد على المصلحة بالاساس مع الوضع في الاعتبار الفروقات السياسية بين الحزب الجمهوري والديمقراطي. مشيرا الى ان مصالح واهداف الولايات المتحدة الامريكية في منطقة الشرق الاوسط تعتبر جزءا من ثوابت السياسة الامريكية، وهي تتحدد في سبع نقاط تتمثل في الحفاظ على امن وسلامة اسرائيل بارجاح كفة الميزان العسكري الاسرائيلي في المنطقة، وايجاد حل سلمي للنزاع العربي الاسرائيلي، وضمان ضخ النفط العربي باستمرار وبأسعار معقولة الى امريكا والدول الاوروبية والاسيوية الحليفة، والتعاون والحفاظ على امن الدول العربية والتي تعتبرها الولايات المتحدة الامريكية دولا صديقة، وخدمة المصالح الامريكية التجارية والاقتصادية في المنطقة، وحل النزاعات الاقليمية سلميا وتشجيع الممارسات الديمقراطية بجانب عزل الدول المعادية لامريكا والحد من اسلحة التدمير الشامل. وأشار إلى ان النزعة العدوانية للحزب الجمهوري وافراطه في استعمال الحلول العسكرية واستخدام العنف ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط لا يمكن اغفالها بل يجب وضعها في الاعتبار. رئيس قسم دراسات العالم الاسلامي في جامعة سالفورد الدكتور يوسف نور عوض يرى انه عندما ادرك شارون انه وصل الى نهاية الطريق وانه غير قادر من الناحية العملية على القضاء على عرفات، تحرك سياسيا على انه انجز مهمته وذهب الى الولايات المتحدة وطرح مشروعه للسلام انطلاقا من حب المجتمع الاسرائيلي لهذا الاتجاه. واشار الدكتور عوض الى مشروع السلام الذي طرحه شارون على الولايات المتحدة ويتمثل في التالي: أولا: استبعد شارون قيام دولة فلسطينية في الوقت الحاضر لان الطريق ما زال طويلا أمام الشعب الفلسطيني حتى يتمكن من بناء دولته، وحتى لو اقترب الطريق فإن الدولة التي يريدها شارون هي مجرد سلطة في منطقة محددة من الاراضي الفلسطينية الخاضعة للسلطة ولا تشمل القدس ضمن أجندة الصراع بين العرب واسرائيل. ثانيا: تفكيك السلطة العسكرية والامنية في الاراضي الفلسطينية وانشاء قوة أمنية جديدة موحدة يكون هدفها خدمة المصالح الاسرائيلية على ان تقوم الولايات المتحدة واسرائيل بتشكيل هذه القوة من الرجال الذين تعتمد عليهم. ثالثا: الاعتراف مؤقتا بأن ياسر عرفات هو القائد المنتخب للشعب الفلسطيني، ولكن ذلك لا يعني أن الشعب الفلسطيني لا يستطيع تغيير قيادته في انتخابات جديدة حسب المواصفات الاسرائيلية. وبالتالي يؤجل التعامل مع السلطة حتى يتم انتخاب القائد الجديد الذي يعمل على تنفيذ المصالح الفلسطينية ضد رغبة الشعب الفلسطيني. رابعا: حتى لو استقرت الامور كلها فإن الولايات المتحدة واسرائيل يريان الوقت غير ملائم لاقامة الدولة الفلسطينية لان الشعب الفلسطيني بحاجة الى إعادة بناء مؤسساته التعليمية والاجتماعية التي دمرت، وهذا يعطي للغرب بعده الانساني لأنه هو الذي يقوم ببناء المؤسسات الخاصة بالتعليم وفق المواصفات الاسرائيلية. ويعني ذلك باختصار ان تستمر الاوضاع الفلسطينية الى أمد غير محدود تحت ذريعة بناء المؤسسات، وبذلك يتعود العالم العربي على الوضع الجديد ويتناسى الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في بلاده. خامسا: إعلان ان الدول العربية ومنها مصر والسعودية والاردن توافق سرا على هذا المشروع على أنه المخرج الحقيقي من الأزمة التي يواجهها المأزق الفلسطيني. ويتضح من هذا الموقف الجديد الذي تتبناه الولايات المتحدة انه لا مخرج ولا حل للقضية الفلسطينية لان الولايات المتحدة تكافئ العدوان، وتريد ان تجعل من تنكرالعرب والفلسطينيين لكل مطالبهم الثمن لمجرد الجلوس مع شارون على مائدة المفاوضات دون ان تدرك الولايات المتحدة أن العرب لا يريدون الجلوس مع شارون ولا يرونه إلا مجرم حرب وهم لا يريدون ان يضعوا أياديهم في يده، بل يريدون تقديمه الى المحاكمة، ولن ينسى العرب ما فعله في رام الله والخليل وبيت لحم، كما لن ينسوا ما فعله في صبرا وشاتيلا، وبالتالي فإن شارون ليس هو رجل السلام الذي يتطلع العرب للجلوس معه، وقال ان موقف الولايات المتحدة لا يدل إلا على أنها تعيش في مأزق حقيقي، فهي لا تواجه أزمة الحكم العسكري الذي يقوده الجنرالات فحسب، بل هي خاضعة بشكل اساسي للنفوذ الصهيوني واليمين المسيحي. ومن الناحية الاخرى يرى الدكتور عوض إن الموقف العربي الرسمي لا يقل ضبابية، ذلك أن الحكومات العربية على الرغم من الضغوط الشعبية فلا تزال تستخدم أساليب قديمة وفق استراتيجيات عفا عليها الزمن خاصة بعد ظهور دلائل تؤكد على أن الولايات المتحدة لم تعد تلتزم برؤيتها التقليدية لمنطقة الشرق الاوسط. وامام المحاولات الامريكية الاسرائيلية الرامية الى عقد مؤتمر دولي جديد يخلص الباحث الاكاديمي المعروف الى الحقيقة التالية. والتي ترسم حقيقة التباين بين موقفين متناقضين في العالم العربي والعالم الغربي، ولا يعتقد أحد أن هذا الواقع يمكن تجاوزه لان الحل لا يكمن في الولايات المتحدة، وإنما في حدوث تغييرات جوهرية في داخل العالم العربي. ابوظبي ـ جمال المجايدة: