عمدت اسرائيل منذ احتلالها القدس العام 1967 اتباع سياسات تستهدف تفريغ المدينة المقدسة من العرب سكانها الاصليين، وتنوعت ادوات تنفيذ هذه السياسات ، وشملت ضمن ما شملت اساليب يمكن ان نصفها بأساليب الطرد الهاديء الذي يتم في صمت وبوسائل لا يشعر بها أحد. وفي هذا السياق يعد كتاب «الطرد الهاديء مستمر» سياسة اسرائيل في طرد السكان العرب في القدس» واحدا من اخطر الكتب التي تمت ترجمتها من اللغة العبرية الى العربية، والكتاب الذي استند الى وثائق صدرت عن منظمات حقوقية اسرائيلية يعتبر بمثابة شهادة من داخل اسرائيل على المعاملات العنصرية للحكومات الاسرائيلية ووثيقة ادانه لهذه الحكومات والهيئات الاسرائيلية التي تساعدها في سياسة تهويد القدس، التقريرالتالي يلقي الضوء على هذا الكتاب المهم. قال محمد خليفة حسن مدير مركز الدراسات الشرقية بجامعة القاهرة والذي صدر عنه هذا الكتاب ان الهدف من ترجمة هذا العمل الى العربية هو الكشف عن وسائل تهويد القدس وبخاصة الوسائل الهادئة التي تتبعها الحكومات الاسرائيلية بصرف النظر عن انتماءاتها الحزبية والايديولوجية فالكتاب يتناول السياسة التي تتبعها اسرائيل في اخلاء القدس من سكانها العرب الفلسطينيين وذلك عن طريق مايسمى «بالطرد الهادئ» أي الذي يتم في صمت وبوسائل لا يشعر بها أحد والكتاب في حقيقته عبارة عن تقرير طويل أعده مركز المعلومات الاسرائيلي لحقوق الإنسان في الاراضي المحتلة والمعروف اختصارا باسم «بتسليم» بالاشتراك مع مركز الدفاع عن حقوق الفرد والمعروف اختصارا باسم «هموكيد» ومنظمة بتسليم منظمة اسرائيلية مستقلة هدفها المعلن هو الدفاع عن حقوق الإنسان تأسست عام 1989 وهي تقوم بتوثيق اشكال الانتهاكات الاسرائيلية لحقوق الانسان الفلسطيني في الاراضي المحتلة . إستراتيجية اسرائيل ويقول د.محمد أحمد صالح الذي قام باعداد الترجمة والتعليق على هذا التقرير ان استراتيجية اسرائيل في تعاملها مع مفرادات الصراع العربي الاسرائيلي تقوم على عدة محاور رئيسية يتمثل المحور الأول من هذه المحاور في تفسير التاريخ البشري تفسيرا يهوديا يخدم هذه الدولة ومواطنيها والفكر الصهيوني الذي تقوم عليه متجاهلا بشكل تام حقائق التاريخ ومعطياته وثوابته. ويدور المحور الثاني حول امتلاك القوة العسكرية واستخدامها لمواجهة الدول العربية والاسلامية المجاورة فبدأت في التسلح بالسلاح النووي لردع اية دولة عربية أو اسلامية تحاول التصدي لها. أما المحور الثالث للاستراتيجية التي تنتهجها اسرائيل فيقوم على الغاء المرجعية القانونية التي تخص الصراع العربي الاسرائيلي بشكل عام والغاء المرجعية القانونية التي تخص مدينة القدس بشكل خاص والمقصود بالمرجعية القانونية هنا هي القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن هذا الصراع ومظاهره حيث لا تعترف اسرائيل بهذه القرارات وبالتالي لا تعمل على تنفيذها بل تسعى الى الغائها كما حدث مع الغاء قرار الأمم المتحدة والذي يقضي بالربط بين الصهيونية والعنصرية عام 1989 وتحرص اسرائيل في مفاوضاتها السلمية مع الدول العربية على التأكيد على ان ماتسفر عنه المفاوضات ينفصل عن مرجعيته وهي قرارات الأمم المتحدة وخاصة قرار التقسيم بحيث تصبح القرارات اللاحقة أصلا وليس فرعا وابتداء وليس انتهاء ومنهجا اتفاقيا يؤسس شرعية جديدة لا يجوز الجمع بينها وبين الشرعية الدولية التي تقف وراءها الأمم المتحدة. أما المحور الرابع في الاستراتيجية الاسرائيلية فيقوم على اضعاف موقف المفاوض الفلسطيني في مسألة القدس وذلك من خلال الغاء أو الحد مما يمكن ان تسميه المرجعية الديموغرافية التي تعني بطبيعة الحال ان الفلسطينيين يمثلون أغلبية واليهود أقلية حيث يشكل الفلسطينيون مسلمون ومسيحيون أغلبية ساحقة في القدس الأمر الذي يؤكد احقيتهم بها وانهم أصحاب الأرض الاصليون دون غيرهم وان المستوطنين الاسرائيليين يشكلون أقلية حتى في الوقت الحالي وان كانت نسبتهم في المدينة تتزايد وقد فطنت اسرائيل الى خطورة هذه المرجعية مبكرا فأعدت العدة للعمل على الغائها ومن هذا المنطلق سعت اسرائيل ومازالت الى تغيير هذه المرجعية الديموجرافية وتسعى الى الغائها من خلال العمل على مسارين متوازيين يسير كل منهما بجوار الآخر في الوقت ذاته والمسار الأول يتمثل في استقدام مستوطنين اسرائيليين متشددين لتوطينهم في القدس ويدخل هؤلاء المستوطنون سباقا مع الزمن لاحتلال المزيد من أراضي المدينة وتهويدها والقضاء المبرم على هويتها العربية والاسلامية وشخصيتها الحضارية المتميزة أما المسار الثاني فيتمثل في تضييق الخناق على ابناء الشعب الفلسطيني أصحاب الأرض الأصليين بحيث لا يجدون أمامهم مفرا من مغادرتها وتركها لهم. سياسة متناقضة كما كشف التقرير عن السياسة المتناقضة والمتخبطة التي تطبقها اسرائيل في تعاملها مع ابناء الشعب الفلسطيني في القدس الشرقية الأمر الذي يعكس سوء النية من جانبها تجاههم فحينما ضمت اسرائيل القدس عام 1967 الى اراضيها بشكل يخالف الشرعية الدولية عمدت الى منح ابناء الشعب الفلسطيني في القدس الشرقية الجنسية الاسرائيلية فأصبح هؤلاء الفلسطينيون يحملون الجنسية الاسرائيلية وجوازات السفر الاسرائيلية بشكل رسمي ولكن الحقيقة هي ان الكتابات والمصادر الاسرائيلية تخلط بين مصطلحين مهمين يحددان علاقة دولة اسرائيل بابناء الشعب الفلسطيني في القدس الشرقية وهما «توشاف» وتعني مقيم أو ساكن و«ازراح» التي تعني مواطن والمقصود بمصطلح «توشاف» رسميا في اسرائيل هو من يحصل على تصريح بالاقامة الدائمة في اسرائيل وليس بالضرورة إن يكون مواطنا وتقوم السلطات الاسرائيلية بالخلط وعن عمد في تعاملها مع ابناء الشعب الفلسطيني في القدس الشرقية بين هذين المصطلحين وتأخذ منها ماتراه في صالحها وتستبعد ماتراه دون ذلك. ويعرض التقرير للخطوط العريضة للسياسة التي تنتهجها اسرائيل ضد ابناء الشعب الفلسطيني في القدس الشرقية ويتناول اساليب هذه السياسة ومنها التمييز السلبي ضد ابناء الشعب الفلسطيني في القدس الشرقية حيث تصادر أراضيهم وتلغي حقوقهم في البناء في مقابل عمليات بناء واسعة النطاق للمستوطنين الاسرائيليين الأمر الذي يترتب عليه نقص حاد في الوحدات السكنية المتاحة امام الفلسطينيين ممايدفعهم الى الاقامة خارج القدس أضف الى هذا تخصيص استثمارات حكومية وغير حكومية محدودة جدا في مجال البنية التحتية والخدمات في المدينة ورفض السلطات المسئولة الطلبات المقدمة لجمع شمل الأسر الفلسطينية من سيدات فلسطينيات الأمر الذي يترتب عليه تركهم للقدس ليعشن مع أزواجهن خارج المدينة. إلغاء حق المواطنة ويحدد التقرير الخطوات والاجراءات التي تطبقها وزارة الداخلية في اطار السياسة التي تتبعها اسرائيل ضد ابناء الشعب الفلسطيني في القدس الشرقية ويدلل بعد ذلك على معاناة الفلسطينيين في القدس من تطبيق هذه الاجراءات بتقديم شاهد فلسطيني أو شاهدين أو أكثر ليروا معاناتهم ومن أهم هذه الخطوات والاجراءات هو الغاء حق المواطنة دون أن تتاح للفلسطيني الذي سلب من هذا الحق امكانية ان يطعن في القرار فحق الطعن الذي تمنحه وزارة الداخلية للمواطنين الفلسطينيين المقيمين في القدس الشرقية حق شكلي وهذا الاجراء تقوم بتنفيذه وزارة الداخلية منذ شهر ديسمبر عام 1995 ويقضي بأن أي فلسطيني من سكان القدس الشرقية لا ينجح في أن يثبت امام وزارة الداخلية انه يقيم في القدس في الوقت الحالي وكان يسكن بها في السابق بشكل متواصل يمكن أن يفقد وللأبد حقه في أن يعيش في المدينة التي ولد فيها ويترتب على هذا الأمر أن يفقد كل حقوقه كمواطن اسرائيلي فيصبح مضطرا تبعا لذلك الى ترك بيته كما لا يعد في مقدوره الاقامة في اسرائيل بدون مرافقات وتأشيرات خاصة كما لا تتاح له امكانية العمل في اسرائيل وتسلب منه كل حقوقه الاجتماعية. كما ألغت وزارة الداخلية حق المواطنة من السكان الفلسطينيين في القدس الشرقية الذي اقاموا عدة سنوات خارج حدود المدينة. ومن أهم الاجراءات التي تتخذها وزارة الداخلية ايضا لتحقيق السياسة الاسرائيلية في القدس رفض تسجيل المواليد الذين يولدون لأبوين أحدهما من الفلسطينيين المقيمين في القدس الشرقية في سجل المواليد وكذلك رفض اصدار رقم قومي لهم حتى لو كانت وزارة الداخلية قد اعترفت من قبل ان هذه الاسرة تقيم في القدس الأمر الذي يترتب عليه عدم اصدار شهادة ميلاد كاملة البيانات سياسة غير مشروعة ويتناول التقرير الخطوط العامة للسياسة التي تطبقها جمعية الضمان الاجتماعي للجهة الثانية التي تقوم بتنفيذ سياسة اسرائيل ضد ابناء الشعب الفلسطيني في القدس الشرقية حيث تتسبب السياسة المتصلبة أو المتعنتة التي تتبعها هيئة الضمان الاجتماعي في القدس الشرقية في حدوث مصاعب ومتاعب اقتصادية للسكان الفلسطينيين الذين يحتاجون في الاساس الى مساعدات اجتماعية. هدف واحد ووسائل عدة ويخلص التقرير في نتائجه الى ان وزارة الداخلية وهيئة الضمان الاجتماعي يطبقان سياسة هدفها واحد ولكن وسائل تنفيذها مختلفة ويتمحور هدفها في الحد من اعداد ابناء الشعب الفلسطيني في القدس الشرقية وزيادة اعداد اليهود فيها فوزارة الداخلية وهيئة الضمان الاجتماعي يفرقان سلبا وبشكل سافر بين الفلسطينيين ابناء القدس الشرقية وبين اليهود فاليهودي حتى لو لم يكن مواطنا اسرائيليا يمكنه ان ينتقل بين المستوطنات في الاراضي الفلسطينية للاقامة فيها دون أن يلحق هذا الانتقال ضررا ما بصفته مواطنا اسرائيليا ويستمر في الانتفاع بالمساعدات الاجتماعية وخدمات التأمين الصحي من خلال هيئة الضمان الاجتماعي اثناء اقامته في الاراضي الفلسطينية ووقتما يريد ان يعود ويقيم في اسرائيل يمكنه ذلك بلا أي معوقات تذكر وفي مقابل ذلك نجد ان الفلسطينيين ابناء القدس الشرقية يفقدون صفتهم كمواطنين في اسرائيل وبالتالي كل حقوقهم الاجتماعية اثناء الانتقال الى الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة. توصيات التقرير ثم يضع التقرير في نهايته عددا من المطالب امام الحكومة الاسرائيلية منها أن يضمن للفلسطينيين ابناء القدس الشرقية صفتهم كمواطنين دائمين دون ان يكون هناك مجال لالغاء حقهم في الاقامة الدائمة حتى إذا أقاموا خارج القدس سنوات عديدة كما يجب ان يضمن صفة كهذه للأزواج وأولادهم وان تعيد للفلسطينيين من القدس الشرقية الذين ألغي حقهم في كونهم مواطنين في اسرائيل هذه الصفة وان تعيد لهم حقوقهم المستحقة لهم والمنبثقة من الحقيقة التي تقضي بأنهم ولدوا وعاشوا في القدس وان توافق الحكومة الاسرائيلية على طلبات جمع شمل الأسرة التي يقدمها الفلسطينيون من ابناء القدس الشرقية أو على الاقل وضع نظام لجمع شمل الأسرة في القدس بالنسبة للزوجين أحداهما فقط من الفلسطينيين ابناء القدس الشرقية الامر الذي سيسمح بإقامة الزوجين معا في المدينة خلال فترة انتظار الموافقة على الطلب والتوقف عن اجراء التحريات في كل الحالات التي يقدم فيها الفلسطينيون من القدس الشرقية طلبا للحصول على اعانة من هيئة الضمان الاجتماعي والتوقف عن اجراء التحريات التي تستهدف تقييد أحقية المستفيد بقانون التأمين الصحي والعمل بموجب هذا القانون.