أي محاولة أمينة لكتابة تاريخ مصر المعاصر، وتاريخ الحركة الوطنية المصرية، لا يكتب لها النجاح، اذا تجاوزت مؤلفات المستشار طه البشري، المفكر والمؤرخ الرصين، الذي أصدر 16 كتابا باتت من أهم الكتب والمراجع في تاريخ مصر المعاصر. في هذه المؤلفات أعاد طارق البشري النظر من جديد في بعض الاحداث والقضايا، وسلط الاضواء على بعض الحوادث والظواهر، واستخلص منها الدرس والعبرة. ورغم مرجعيته الاسلامية في كل كتاباته، فقد تبنى قضية الوحدة الوطنية، واعادة فتح ملفاتها، وقدم دفاعا مجيدا عن أقباط مصر، ودورهم الرئيسي في الحركة الوطنية، باعتبارهم جزءا لا يتجزأ من نسيج الأمة وركيزة اساسية في الجماعة الوطنية وذلك في كتاب أقباط لا رعايا. وكتب أيضا عن دراما الصراع السياسي والتحولات الاقتصادية والاجتماعية، وحركات التحرر والاستقلال، ضد الاستعمار منتهيا الى خلاصة، وهي ان جميع حركات التحرر الوطنية في تاريخ مصر الحديث انطلقت من مرجعية دينية. وفي كل كتاباته التاريخية، قدم محاولات جديدة لفهم التاريخ، واقام علاقات منطقية بين الاحداث في السياق التاريخي. ونجح البشري في حل معضلة صعبة تواجه العاملين في الحقل القضائي وهي: كيف يقول رأيه ويدلو بدلوه في القضايا الوطنية، في ظل قيود ومحاذير العمل الوظيفي بالسلك القضائي؟! وكان الحل ان يكتب في التاريخ، والتاريخ سياسة، وهكذا قال كل مايريد قوله واسقطه على الواقع، دون ان ينتمي لحزب، أو أن ينزل الشارع السياسي؟ وخلال عمله القضائي بمجلس الدولة، انحاز دائما للحرية والديمقراطية فكانت كل أحكامه وقراراته، انحيازا للحريات، وتكريسا لها. ولعل الذي لا يعرفه كثيرون، ان المستشار طارق البشري كان وراء ظهور الحزب العربي الناصري الذي ظل ممنوعا ومحروما من حق المشاركة في الحياة السياسية، حتى كتب المستشار البشري حيثيات ميلاده في حكم تاريخي حين كان وكيلا لمجلس الدولة، ورئيسا لهيئة المفوضين، حيثيات تاريخية، تمحورت فكرتها حول المعنى الجديد الذي قدمه لفكرة العروبة. «البيان» اجرت حوارا مع القاضي المفكر الذي أعاد محاكمة التاريخ: ـ ماهي قصة التحولات في حياتك الفكرية، فأنت استغرقت البدايات في القراءات الماركسية، ومنها انتقلت الى الفكر الاسلامي، واقمت علاقة بين الاستقلال الوطني والحركة والاسلامية، وتتحدث دائما عن المرجعية الدينية كأساس للهوية الوطنية. ماهي حكاية هذا التحولات؟ ـ أنا تعرضت لهذا الموضوع في مقدمة كتاب الحركة السياسية في مصر، تفكيري في هذا الموضوع كان محاولة للاجابة عن سؤال: كيف بدأ مشروع الاستقلال الوطني؟! وبحثت في هذا الأمر وانتهيت الى أن الاستقلال الوطني بدأ مع الحركة الاسلامية. ولم ينفصل عنها على مدن القرن التاسع عشر. كانت حركة الاستقلال ومقاومة الاحتلال دائما حركات اسلامية: جمال الدين الافغاني، وعبدالقادري الجزائري، ومحمد السنوسي في ليبيا ومحمد أحمد المهدي في السودان كل هذه الحركات كانت حركات للاستقلال السياسي والوطني وهي حركات اسلامية. والحزب الوطني حين ظهر في بداية القرن العشرين كان اسلاميا ونادى بالجامعة الاسلامية، وطالب باخراج المحتل، ولم يكن شعاره الاستقلال وانما الجلاء لأن الاحتلال واقعة مادية لا تزول الا بواقعة مادية أخرى. حتى جاءت ثورة 19، حين ظهر مايمكن تسميته بالاتجاه العلماني الوطني الذي يطالب بالاستقلال السياسي لبلاده، ولكن بمعيار المدينة الفاضلة ووفقا للمقاييس الأوروبية! ظهر هذا الاتجاه من خلال الجيل الذي ظهر في المدارس الحديثة في عهد الاحتلال. والذي تبنى فكرة الفصل بين علوم الدين وعلوم الدولة أو علوم الدين وعلوم الدنيا، تزامن ذلك مع الغاء الخلافة، بعد هزيمة تركيا العسكرية عام 1918، وظهرت حركات سياسية تطالب بالاستقلال السياسي بمرجعية غربية بعدها بعدة سنوات، ظهرت حركات استقلال سياسي تطالب بالاستقلال بمرجعية دينية مثل حسن البنا عام 1928، مصر الفتاة وشجرة الوطنية المصرية بدأت بمصطفى كامل والاخوان، ومصر الفتاة، ثم الضباط الاحرار وهذه شجرة لها سماتها ومميزاتها. هناك شجرة أخرى وهي الوفد الذي أخذ الاستقلال بالمعنى الغربي في الاطار المصري فقط أي ليس عربيا ولا اسلاميا، وبمرجعية اساسا غربية. يليه الحركة الشيوعية أي أن القضية الاساسية عند هذا الفصيل كانت الاستقلال ثم تبدأ قضايا البناء الداخلي وهذه القضايا محكومة بالاستقلال وربما حدث صراع بين الاخوان والناصريين، ولكنها كانت صراعات سياسية حول مسألة السلطة وبناء السلطة وليست صراعات ذات مرجعية دينية. لذلك فإن الجيل الذي لم يعاصر هذا الصراع تفادى هذه المشكلة. ـ عرضت هذا الموضوع بهذا الشكل.. فإين كنت أنا من هذا؟! لقد نما ادراكي في اطار فكرة الاستقلال السياسي واضيف اليه الاستقلال الاقتصادي - لم أكن أتصور العمق الديني في المجتمع والى أي مدى هو موجود وكنت اتساءل لماذا تظهر تيارات سياسية منفصلة عن حركة الاستقلال السياسي الموجودة في المجتمع مثل الوفد، لم تكن في ذهني النقطة الخاصة بفكرة الاستقلال المرتبط بالهوية والمرجعية. ولم يكن في ذهني النقطة الخاصة باستقلال الهوية وعدم وجود اساس حضاري، وتساءلت اذا كان الاستقلال السياسي هو استخلاص الارادة السياسية الوطنية كاملة، والاستقلال الاقتصادي هو استقلال القرار الاقتصادي، واستخلاص الثروة لنا نحن فمن نحن حملة هذه الهوية الحضارية؟! اذا ذهبت هذه الهوية فلن نجد شيئا ندافع عنه ونكون من المستقلين. هذه هي قضية الاستقلال. من الذي يستقل؟! الذي يستقل هو من يشعر بتميز يوصف به ويعلق به ولا يعلق بغيره. من هنا ظهرت المرجعية الفكرية والشرعية ومن هنا ايضا كانت حالة الارتباك التي حدثت لكثير من العلمانيين الاقحاح الذين اخذوا العلمانية باعتبارها ايديولوجية.. كانت عندهم مشكلة أو معضلة الجرعة الوطنية والعلمانية. فالعلماني القح قال بإن العلمانية أولى ونسى موضوع القضية الوطنية.. وبعض هؤلاء لا يعول عليهم. ـ ماهو مدى تأثير النظرية الماركسية في تكوينك الفكري ذي المرجعية الدينية؟! ـ النظرية الماركسية فسرت لي اشياء في الاقتصاد وحركة التاريخ، والجوانب الاقتصادية المتعلقة بقضية الاستقلال والاستعمار، لكن الجانب الايديولوجي والجانب الفلسفي لم يترك في عقلي اثرا. ايضا لم استطع فهم ان الاقتصاد هو المحرك الاساسي الذي يفسر كل شئ، كذلك علاقة الماركسية بالعقيدة المادية والجانب الالحادي لم أفهمه. لينين قال بالوجود المنفصل عن الانسان؟ طيب اشياء منفصلة عن الانسان لابد ان تكون مرتبطة.. لم تكن مقنعة، ولكن النظرية الماركسية ساعدتني مع غيرها من النظريات في فهم الجوانب المختلفة لحركة التاريخ، صارت جزءا من الاساليب والمناهج المختلفة ووجهات النظر في تحليل التاريخ! ماركس والدين ـ هناك من يقولون بأن ماركس لم يكن ضد الدين الا اذا استغل سياسيا؟! ـ ماركس كان ضد الدين ويدعو للالحاد وكان يقول ان أصل الوجود هو المادة وليس الروح هكذا حسمها منذ البداية، يجب أن تسمى الاشياء بمسمياتها. ـ كيف واءمت بين العمل القضائي بقيوده ومحاذيره التي تمنع الانخراط في العمل السياسي، والشأن العام، وبين الهم السياسي والوطني.. بمعنى اخر كيف تصالحت مع نفسك وانت مهموم بالقضايا الوطنية؟ ـ كتاباتي التاريخية، كانت كتابات في السياسة لكنها ليست كتابة مباشرة في السياسة اليومية. التي يمتنع عنها العمل القضائي.. قلت ما وددت قوله بالكتابة التاريخية، وهكذا تصالحت مع نفسي على هذا الوضع! وعملي القضائي منحني الوقت الكافي للقراءة والتفكير والتأمل والتدبر والكتابة دون أن أكون مضطرا للكتابة! فبعد 67 وعندما فرغت من كتاب الحركة السياسية مكثت اربع سنوات لا استطيع أن أكتب، بسبب وجود اسئلة بدون اجابات. ـ كيف بدأ التكوين الثقافي والادراك السياسي وما هي المؤثرات التي قادت الى تحولاتك الفكرية؟ ـ بدأ ادراكي السياسي في النصف الثاني من الاربعينيات وهي فترة اشتعال وتأجج الحركة السياسية بعد الحرب العالمية الثانية، في هذا المناخ تكون وجداني السياسي وتعمقت لدى فكرة الاستقلال الوطني. كان اهتمام كل جيلي هو اخراج الانجليز من مصر، والوقوف في وجه الاستعمار الغربي، وبدأ تكويني الثقافي منذ فترة مبكرة 11 و12 عاما حينما بدأت قراءة الأدب العربي الكلاسيكي، وقرأت ديوان سقط الزند للمعري. وقد كان أبوالعلاء المعري مدهشا كان فيلسوفا، ذا نزعة زاهدة، ونظرات تأملية، وكان يتعرض احيانا للمسائل المتعلقة بالجوانب الكلامية والفلسفية، هذه الاشياء كانت تلهب خيالنا وتحرك عقولنا، خاصة في قضايا مثل الجبر والاختيار. وقرأت ديوان الحماسة لأبي تمام.. ومجلات الثقافة والرسالة. بعد ذلك أثرت دراسة الحقوق في تكويني الفكري خصوصا الفقه الاسلامي. وعلى مدى دراستي جذبني الفقه الاسلامي ومنذ تلك الأيام في بدايات الخمسينيات وحتى الآن لم تنقطع صلتي بالفقه الاسلامي الذي يحرك ذكائي وبات جزءا مهما في تكويني العقلي. وكان يدرسه لنا في الحقوق الشيوخ عبدالوهاب خلاف وعلى الخفيف وحامد أبوزهر. بعد تخرجي اشتغلت بمجلس الدولة، فاعطيته كل نفسي ونشاطي وشبابي وصحتي، وكنت متصورا انه مهما تنوعت ثقافات الانسان فيجب ان تصب في النهاية في العمل المهني حتى وقعت حرب 56 العدوان الثلاثي على مصر. وهي الحرب التي نقلتني من حال الى حال. شعرت ان كل جهدي القانوني يمكن لحادثة سياسية صغيرة ان تقذفه في البحر. شعرت انه لا معنى للقانون ولا الحقوق اذا الأرض اهتزت من تحتك. الحرب كانت زلزالا. ووجدتني كنت اتكلم في الظواهر وليس في الاساس وان المسألة في النهاية محكومة بالحركة السياسية، الأرضية السياسية لأي مجتمع! هنا اتخذت طريقي للقراءات السياسية التاريخية ووجدت ان لها الأولية على قراءاتي ودراساتي القانونية. ان أكبر حدثين عملا تحولا في حياتي هما حرب 56 وحرب 67 فالأولى جعلتني لا اقتصر على العمل القضائي والقانوني وانما امد انتباهي الى الجانب السياسي والفكري. أما الثانية جعلتني افهم اين كانت المشكلة التي تسببت في الهزيمة.. تصورت انها لا تخرج عن أمرين: الاول: أسلوب تنظيم الحكم وادارة المجتمع. والثاني: مدى مشاركة المرجعية الحضارية الدينية في المشروع الوطني. أغلب كتاباتي بعد 67 كانت حول هاتين النقطتين الحروب كانت هي المؤثرات الحقيقية للاحداث، جعلتني أشعر انني استقل في بناء فوقي بينما الأرض تهتز من تحتي. ـ والحنين للعمل السياسي ألم يكن يراودك؟ ـ طبعا كان يراودني، لكنني كنت مقتنعا بأن القاضي لابد أن يكون بمنأى عن العمل السياسي اليومي.. هو بالطبع له موقف، بل لابد ان يكون له موقف كان اقتناعي دائما ان الواحد لابد ان تكون له انحيازات فكرية. وقد ورثت ذلك عن أبي، «شربت منه هذا الجانب» وقد كان قاضيا، ولم تأخذ مني وقتا، وهكذا تصالحت وحللت المعادلة: كيف يمكن ان يكون الانسان منحازا فكريا وفي نفس الوقت يكون محايدا تجاه الاشخاص والمؤسسات. تجديد الخطاب الديني ـ الدعوة المطروحة الآن لتجديد الخطاب الديني، وتجديد الفكر الديني، هذه الدعوة وان كانت مطلوبة دائما الا انها صارت دعوة ملتبسة في العقل العام، لانها تزامنت مع الدعوة الامريكية للحكومات العربية بتغيير المناهج الدينية، وتقليص الجرعة الدينية في المناهج التعليمية، وازالة بعض النصوص من القرآن والسنة من هذه المناهج! والهدف كما واضح هو تمزيق الهوية الوطنية وجذب المرجعية الدينية، وهو هدف لا يحتمل أي قدر من الالتباس. فما هو موقفكم من هذه الدعوة لتجديد الفكر الديني؟! ـ تجديد الفكر الديني تكلم عنه محمد اقبال، في ست محاضرات طبعها في كتاب مهم على المستوى الفكري والفلسفي. والتجديد في الفكر الاسلامي دعوة قائمة من قديم من أيام محمد علي. أما فكرة آليات التجديد في الفكر، وفي الحلول الفكرية التي تستمد ما في جعبتها من نصوص ثابتة فهي فكرة سلفية، وحركة التجديد دائما سلفية وتقول بأن القداسة أو المرجعية تكون من المصدر القرآن والسنة وليس من الحلقات الوسيطة هذه الفكرة تتخفف من كل التجارب التاريخية ومن كل الحلقات الوسطية. فأنت كشخص تعيش الآن في المجتمع، بين القرآن والسنة تدخل مباشرة الى الواقع. أما الحلول السابقة للفقهاء الشراح والمفسرين فهي حلول للاستئناس وليس لها قداسة، هذا منهج تجديد. فكرة التجديد موجودة من قديم، وعندنا كتب في هذا مثل كتاب الشيخ عبدالمتعال الصعيدي رحمه الله «التجديد والمجددون في الاسلام» يأتي على رأس كل مئة سنة أحد المجددين. تيار التجديد منذ البعثة وحتى الآن كان دائما موجودا.. وكان هناك مجددون في كل قرن، وتلك حقيقة ليست جديدة، ولا يمكن ان تكون جديدة لسبب، وهو اذا كانت الشريعة مصدر التشريع فالناس الذين يعيشون الآن يريدون قانونا يحكمهم وفقا لظروفهم وأوضاعهم المعيشية: والذي يصدر القانون ليس هو الحاكم، وانما الفقهاء في المساجد، أنت تذهب وتسأله ولابد ان تتلقى اجابة، تماما كالقاضي لابد ان يحكم، وانت تحكم أو كل مشكلة لابد ان تحل حلا واقعيا. ولابد ان يكون تجديدا.. والقانون مستمد من الشريعة. لهذا فإن التجديد لم ينقطع، أنت مرتبط بالواقع شئت أم أبيت، ولابد من الاجتهاد، صحيح ان باب الاجتهاد قد اغلق في وقت من الأوقات في القرن الخامس وكانوا يقصدون ان علم أصول الفقه، أو علم مناهج التفسير أو علم المنطق الخاص بفهم الدلالات النصية كان قد اكتمل تقريبا على ايدي فقهاء المذاهب الأربعة. بعضهم كان يقصد بغلق باب الاجتهاد كف ضغط الحكام عليهم كي لا يصدروا فتاوى لصالحهم! بعضهم كي يخرج من هذا الحرج.. قفل باب الاجتهاد أو قفل الدكان! وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر نجد التجديد عند الشوكاني في اليمن وفي العراق والهند،، مشكلة التجديد لم تكن قائمة في أي وقت. وربما بدأ التجديد يقل قليلا حين ظهرت القوانين المأخوذة عن الغرب فغدت حركة الاجتهاد داخل الفكر الاسلامي معزولة عن حركة الواقع. والذي يجعل التجديد أن تصل النص بالواقع دون ان تعزل النص عن الواقع والتجديد هو كيفية تطبيق النص الثابت على الواقع المتغير، فإذا عزلته عن الواقع يظل النص كما هو دون امكانية تطبيقه على الواقع. ان فكرة التجديد غير جديدة.. أي انها قديمة أما الجديد، فهو ان الامريكان بدأوا يقولون لنا ان عندكم افكارا تهددنا؟ كيف أهدد أنا دولة في قوة الولايات المتحدة التي تنفق 400 مليار دولار سنويا على انتاج ترسانة السلاح؟! تقول أنا أهددها لأن عندي مجموعة من الافكار من شأنها ان تهددها! وعلي أن أغير افكاري.. وبهذا تفصلنا عن كل مايمكن ان يتعلق بالهوية وتجعلنا نوعا من أنواع القردة المهرة، ودون احساس بالذاتية! لذلك فانا لا أحب المشاركة في موضوع تجديد الخطاب الديني، في هذا الوقت بالذات. لأنه استجابة لشئ ليس له الحق ان يدعوني اليه، كما ان ليس له الحق أن يتدخل عندنا في هذا الأمر. فأنا أجدد لكي اصلح من شأن أمتي، وشأن نفسي وليس لكي اتجمل امامه، فهو ليس معيار الحكم علي بالصحة أو الفساد، ويوم أن أتجدد امامه، فقد ملكته أمر نفسي. من حقه أن يقول عني أنت مصيب أو مخطئ، وهو - الولايات المتحدة الأمريكية - كسياسة لا كشعب - خصمي الذي يظلمني ويعاديني ويفعل كل ما يضيرني، يغتصب مقدراتي وارضي، ويهدد ارادتي. وأنا أرجو الا تستجيب مؤسسات التعليم الديني في الوطن العربي لهذا الوضع. بدافع من دينها. وأرجو من الدول العربية ان لا تستجيب لهذا النداء، واعتقد ان المسألة تحتاج لمقاومة ثقافية قوية، في شكل محاضرات وندوات وكتب ومقالات لافهام الناس هذا الأمر. والغريب ان فكرة الغرب لحقوق الإنسان تكفل للإنسان حرية التفكير والاعتقاد والعقيدة والضمير وحرية ابداء الرأي. فأين هذه المفاهيم في السلوك الأمريكي الآن؟!. ان القانون الجنائي الذي تعلمناه يقول: اذا فكرت ان امتلك فلا عقوبة على الوسائل المساعدة والمجهزة والمؤهلة. العقاب يكون عندما يقع الفعل، عندما يحرق الجاني مراكب العودة عن ارتكاب الجريمة، يجيئون اليوم ويحاسبونني على آيات قرآنية ويقولون كيف تقرأها؟! ان الدعوة لتجديد الفكر الديني دعوة مشبوهة ومدانة لانها استجابة لداع آت من الولايات المتحدة الأمريكية، والدعوة لتجديد الفكر موجودة من قبل ومن بعد. ـ هناك من يقولون بحاجتنا لخطاب ديني أعمق، يصالح مابين سلطة النص وسلطة الحياة؟ ـ نحن بحاجة الى دعاة مساجد أفهم لمشاكل الواقع المعاصر وقضية الاستقلال، وقضية فلسطين والعلاقة بين المسلمين والمسيحيين. ومعنى الجهاد يجب ان يصحح المطلوب هو الجهاد دفاعا عن الحوزة، وتحقيق الاستقلال ومقاومة الاحتلال والعدوان لابد من دعوة الناس للجهاد بهذا المعنى وليس بمعنى اخر مزيف! ـ ماذا تقصد بدعوة الناس للجهاد بمعنى مزيف؟! ـ أقصد الدعوة للجهاد لمقاومة الحكومات.. مقاومة الحكومات تحتاج مواجهة ديمقراطية مواجهة فئات بين الشعب بالجدل بالتي هي أحسن، وهو ما يختلف عن مواجهة العدوان الخارجي. وعلينا ان نفرق بين الخطاب الاعلامي ما بين السياسة الأمريكية والرأي العام الأمريكي. فالرأي العام في أي مكان ممكن ان يكون مغيبا، ولابد من افهامه حقيقة القضايا باللغة التي يفهمها، فهم يتكلمون عن الاسلام باعتبار ان حركتنا كلها اسلامية، ويقولون كيف تدعو الى الاسلام وتقولون ان الاسلام دين سلام وتمسكون قنبلة؟! مطلوب أن أقول أنا أمسك قنبلة كي ادافع عن أرض لا يمكن الدفاع عنها الا بهذه الطريقة. وأن المقاومة السلمية لا تصلح لمقاومة عدوان باطش وغاشم لا يستخدم الا القوة الوحشية، وان اشرح للمواطن الأمريكي من خلال مفاهيمه هو، وقد كانت له حركة تحرير واستقلال ضد الانجليز من 200 سنة، وما يحدث في فلسطين حركة تحرير فوق ارض سليبة ومحتلة صيغتها بالنسبة لنا صيغة اسلامية نحاول ان نفهمه حقيقة الوضع الذي يجري اليوم على ارضنا المحتلة، انه مقاومة لمحتل دفاعا عن ظلم.. وهم قد فهموا ذلك في حرب فيتنام. ـ ظاهرة أسامة بن لادن كيف تنظر لها. هل هو في وضع ملتبس؟! ـ أسامة بن لادن هو «مقاومة»، الصورة المرسومة عنه انه يقاوم الولايات المتحدة فيما تفعله في بلادنا في فلسطين، بدعم العدوان الاسرائيلي. وهذا الموقف الذي اعلنه في 7 أكتوبر يوم بدء العدوان الأمريكي على افغانستان اذا استبعدنا منه لفظة «كفر وكفار» التي قالها مرتين في قناة «الجزيرة» فقد اصبح خطابه يتكلم في الشأن الوطني العام، ربما كانت له أهداف أكبر من هذا؟ أنا لا أعرف، ولا أعرف ان كان هو الذي قام بهدم مركز التجارة العالمي أم لا. فهو لم ينكر ولم يثبت. والأمريكان لم يقدموا دليلا واحدا لادانته. وهم في حالة استغناء عن تقديم هذا الدليل للعالم. وهذا الأمر لم يثبت على اسامة بن لادن ولا جماعته. وأنا كقاض لا يمكن أن أدين انسانا بغير دليل. لنفترض جدلا ان أسامة بن لادن كان وراء ضرب مبنى التجارة العالمي، أتصور امكانات استخدام العنف تكون داخل الأرض المحتلة وليس خارجها. كما ان العنف لا يجب ان يستخدم ضد حكوماتنا العربية، لأن تغيير السياسات التي لا تعجبنا يمكن ان يتم بغير عنف، وبالضغوط الاجتماعية مهما استغرقت هذه الضغوط من وقت وجهد وتعب. وأنا ضد استخدام العنف في بلادنا لتغيير السياسات لان مشاكل العنف أكثر قسوة علينا من مشاكل الصبر على مالا نحبه حتى يتغير علينا ان نسعى دائما للتغيير بالوسائل السلمية بالضغوط السياسية، فالعنف لا يحل مشكلة بين جماعة وطنية وجماعة وطنية اخرى داخل الوطن الواحد علينا ان نصبر ولا نكف عن المجادلة بالتي هي أحسن. فالعنف لا يكون مشروعا الا داخل الأرض المحتلة ضد المحتل الأجنبي الذي يسيطر على أرضي وشعبي باسم العولمة أو تحت أي اسم اخر يراه مناسبا لتحقيق الوجود على ارضي. اذا حاولت أن أحاربه في بلده أكون قد لعبت على أرضه ووافقت دون أن أدري على شروطه وافكاره ومفاهيمه، وأكون قد استدرجت الى خطأ كبير، وهذا العنف قد يؤدي الى نجاح مؤقت لكنه لا ينجح على المدى البعيد. وبالنسبة لاغتصاب فلسطين، فأنا ضد الطرف الاخر، ليس الجندي الاسرائيلي فقط، ولكن المغتصب الاسرائيلي، فكلهم جنود وكلهم اغتصبوا ارضا لذا فأنا أؤيد بكل قوة العنف الاستشهادي فوق الأرض المحتلة حتى يتم تحريرها. انهم يقدمون بشبابهم ونسائهم اقصى مراحل الفداء، وعلينا ان نساعدهم على الصمود ومواصلة النضال فإذا كانت للحكومات العربية ضوابط ما، فإن الحكومات مطالبة بأن تترك الشعوب العربية تتحرك لتقديم المساعدات المادية والمعنوية والبشرية والسلاح. فإن ما يحدث اليوم في فلسطين يتوقف عليه مصير الامة العربية لمرحلة وحقبة تاريخية جديدة وطويلة قادمة. ـ كيف ترى مؤتمر القمة العربية الاخير وما هي الاشكالية التي تواجهها مؤتمرات القمة؟! ـ مشكلة الحكومات العربية انها اخوف من امريكا منها على امنها القومي. ان قضية فلسطين قضية امن قومي ليس بالمعنى الشامل فقط، ولكن بالمعنى القطري، لو نظرنا لها كأقطار عربية، فهي الأمن القومي لأي بلد عربي، سوريا ولبنان والأردن والعراق ومصر والسعودية. كل الدول مهددة لاحقا. والمساهمة في الدفاع عن أمن فلسطين هي في واقع الامر مساهمة في الدفاع عن الامن عن الحدود القطرية للأوطان والدول العربية. المشكلة الاخرى هي: إلى أي مدى ممكن للحكومات العربية ان تذهب في ارضاء شعوبها.. الحكومات تقلق من تحرك الشعوب بمعزل عن قراراتها وهو ما يثير مشكلة أمن الدولة واحيانا، ما يختلط أمن الدولة بالأمن القومي، واحيانا ما تجد أمن الدولة هو الأكثر أهمية وتحريكا للحكومات من الأمن القومي.