من طبيعة العمل الصحفي إمعان البصر واسترقاق السمع بحثا عن الجديد في هذا العالم ومن طبيعة الصحفي، حتى في جلساته الخاصة ان يسأل: ما هو الجديد؟ او ما هي الاخبار؟ وقد اتيح لي ان احصل على خبرين، بالغي الاهمية في جلسة علمية لم اتوقع ان تسفر عن اية اخبار تهم الجمهور. الجلسة في لجنة متخصصة في الهندسة الوراثية بالمجالس القومية بمصر، والموضوع حول النتائج الاقتصادية لاستخدام هذا الفرع الهام من العلم والذي قد يقلب حياة البشر ويضعها امام ثورة جديدة. لقد كنا نقول دائما ان هناك تشاؤما حول مستقبل البشرية، فالسكان يزيدون والموارد لا تزيد بنفس القدر، خاصة فيما يقيم اود الانسان وهو الغذاء.. و.. ومن ثم فالبشر مهددون بالموت، او المجاعة، او الانيميا كما قال عالم السكان والاقتصاد «مالتس» وكما قال كثيرون قبله وبعده. هكذا كنا نقول ولكن وعندما تربع العلم فوق عرش جديد يمارس من خلاله تغيير مستقبل الانسان والحيوان والنبات. عندما اصبح متاحا للعلماء ان «يلعبوا» في الخلايا ويعيدوا هندستها لتكون اكثر صحة، او اكثر قابلية للشفاء وعندما قيل ان انتاج القمح والذرة وكافة المحاصيل والخضرة والفواكه يمكن ان يتضاعف بلعبة «وراثية» عندما حدث ذلك قلنا: لقد انفرجت الامور، وها هي ثورة علمية باتت قادرة على ان توازن بين الامتحانات والاحتياجات، بين الزيادة السكانية الكبيرة وموارد الارض المحدودة. هكذا فرحنا، واستبشرنا لكن فرحتنا لم تستمر، فها هي القيود والسدود تجعل هذه الامكانية للكبار فقط، والاثرياء دون الفقراء. تقول الدراسة المقدمة للجنة الهندسة الوراثية ان الاخذ بأسباب هذا العلم قد يحتاج تنازلا من الدول النامية عن جزء من استقلالها، فالدول الغنية المتقدمة والتي تملك المعرفة في هذا المجال لا تعطي شيئا بالمجان، وكل بذرة، وكل استنباط لنبات او حيوان «محور وراثيا» يدخل في براءات الاختراع التي تحميها احكام منظمة التجارة، ومن ثم فإذا اردت ان تأخذ عليك ان تدفع. والاكثر وعندما يقوم الفلاح باستخدام بذور وفيرة الانتاج بسبب ما ادخلته عليها الهندسة الوراثية فإنه يفعل ذلك لمرة واحدة فإذا اراد ان يستخدم نفس الشيء لعام جديد فإن عليه ان يشتري بذورا جديدة، اما اذا استخدم ما لديه واثمر انتاجا وفيرا واستمرت لديه الاستفادة من الهندسة الوراثية فإن عليه ان يعرف حق المعرفة في كل مرة، وكل عام، او يخضع للقانون الذي يعاقب بتهمة السرقة. وقلت: اذن علينا ان نفك هذه الالغام اما بإتفاق دولي يجعل الهندسة الوراثية ملكا للجميع وليست خاضعة للاحتكارات، واما بإنتاج بحثي وعلمي تقدمه الدول النامية بالتعاون معا وبقيادة دول كبرى في العالم الثالث مثل: الصين والهند. وقلت: انه استمرار مجتمع الصفوة الذي يحكم العالم، فهناك تركز في الثروة وتركز في المعرفة وتركز في فرص العمل، وكل التركز يتجه شمالا! اين نحن من ذلك؟ السؤال يثار في السياق السابق وفي سياق اخر هو الموقف من المنتجات المعدلة وراثيا والتي طعن فيها البعض من منطلقين: منطلق ديني، ومنطلق صحي، اما الاول فقد تحسمه مقولة ان الهندسة الوراثية وتعديل الصفات للكائن الحي، وحتى الاستنساخ.. كل ذلك يخرج عن طبيعة الخلق والتي ينفرد بها الله سبحانه وتعالى، اما ما نفعله فهو التعامل مع خلايا يتم خلقها بالفعل، ومن ثم فلا حراما ولا محظورا من الناحية الدينية، اما المحظور الصحي والذي يرى البعض وجاهته فهو ان بعض المنتجات المعالجة وراثيا تصيب الانسان بالسرطان او امراض اخرى، وهذا المحظور مازال تحت البحث بين الشك واليقين. واثناء النقاش التقطت ـ الخبر رقم «2» والذي يتصل بما تصدره لنا اسرائيل من منتجات زراعية ـ وربما حيوانية ـ وفيه كما تقول بعض المقالات العلمية سر الموت للانسان والنبات والحيوان عن طريق منتج اسرائيلي فهذه المواد الزراعية تم تخليقها في اسرائيل لتصيب الارض بالجدب، ولتنتج لموسم واحد يفسد بعده كل شيء ناهيك عن نتائج صحية للبشر. انها مؤامرة اسرائيلية، بل هي حرب جيولوجية من نوع خاص، فهل نحن محصنون ضدها؟ قالت استاذة في علم الوراثة: المعلومات قد تكون صحيحة، لكننا ومثلنا كل البلاد العربية لا نملك الاجهزة او الامتحانات العلمية القادرة على كشف المؤامرة، او اننا نملك لكننا لم نضع نظم رقابية كافية. ملحوظة: تقول التقارير الاسرائيلية ان هناك معاملات تجارية مع ثماني دول عربية، اي ان المعاملات ليست قاصرة على مصر والاردن وموريتانيا والتي وقعت اتفاقيات او تصالح مع اسرائيل. و.. اعود للسؤال: اين نحن من ذلك كله؟ اين نحن العرب من احتكار التقدم، واحتكار العلم، ومؤامرات اسرائيل ايضا؟ واذا كانت امكانات كل دولة على حدة لا تكفي لبحوث علمية باهظة التكاليف فلماذا لا يكون البحث العلمي من أول مجالات العمل العربي المشترك؟. لماذا نقبل الموت بالتكنولوجيا، ولا نقبل الحياة الافضل ببحث علمي دؤوب ولدينا في الوطن العربي اكثر من مئة جامعة، واكثر من الف مركز علمي؟ لماذا؟.. هذا هو السؤال