لا يخفي رئيس الجمهورية اللبنانية اميل لحود قلقه الشديد من خطورة الوضع الاقتصادي والحاجة الملحة الى حلول جذرية. يقابله رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري الذي يُظهر قدراً كبيراً من الارتياح للاجراءات التي تتخذها حكومته لمعالجة ازمة المديونية العامة التي تخطت عتبة الثلاثين مليار دولار. اميل لحود يطرح معادلة شديدة الوضوح: اما الحلول الجذرية واما الانهيار. رفيق الحريري يرد بطرح معادلة شديدة التبسيط: لا انهيار اقتصادي في ظل أي حكومة هو رئيسها. لكن قلق رئيس الجمهورية يتلاقى مع قلق العديد من الأوساط الاقتصادية والمالية والمصرفية التي ترى ان التدهور مستمر على الرغم من الاجراءات التي يتخذها رئيس الحكومة. بالطبع الأمور الاقتصادية تتعدى حدود الاقتصاد لتصل الى عمق الصراع السياسي. رئيس الجمهورية يحذر ويحمل الحكومة ورئيسها مسئولية الانهيار الاقتصادي في حال حصوله. ورئيس الحكومة يرى في موقف رئيس الجمهورية تشكيكاً بوضع البلاد، ويحمله مسئولية أي تخفيض لسعر صرف العملة الوطنية. اميل لحود يفخر بانجازه الاستقرار الأمني، ورفيق الحريري يفخر بإنجازه الاستقرار النقدي. والواقع انه لولا الأمن لما كان الاستقرار النقدي، ولولا الاستقرار النقدي لما كان للاستقرار الأمني أن يدوم بسهولة. بين الأمن والنقد علاقة جدلية ثابتة، فحيث لا يسود الأمن تنهار العملة الوطنية والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وحيث لا يسود الاستقرار النقدي تتدهور الأوضاع الاجتماعية فتنعكس اضطرابات وحالات إخلال بالأمن. ولا يختلف اثنان ان الخلافات السياسية تنعكس سلباً على الأوضاع الاقتصادية والمالية. وان الخلاف السياسي بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة لا يقتصر على موضوع تلزيم الخليوي، على غرار ما يتصور البعض، بل يتناول موضوع الخصخصة برمتها. رئيس الجمهورية يتخوف من ان تتحول سياسة الخصخصة الى فرصة سانحة امام بعض أهل الحكم، ولا سيما الأثرياء وأصحاب الأعمال والشركات المتعددة الجنسيات، لشراء املاك الدولة بأبخس الأثمان وتحقيق الأرباح الهائلة على حساب الصالح العام، ويطالب بالشفافية المطلقة في هذا المجال. وقد يكون أفضل اقتراح في هذا الشأن هو تطبيق مبدأ التمانع بين أهل المسئولية العامة والعمل التجاري والاستثماري. فلا يحق لأي من أعضاء السلطة التنفيذية وأقربائهم وشركائهم المشاركة في المناقصات التي تجريها الحكومة في شأن الخصخصة بحيث لا يتم استخذام النفوذ السياسي لجني الأرباح المالية غير المشروعة على حساب الدولة والمجتمع والشعب. والسؤال الكبير المطروح هو من سيكون المسئول عن الانهيار الاقتصادي في حال حصوله. رئيس الجمهورية يحمل مسبقاً رئيس الحكومة المسئولية الاقتصادية، ورئيس الحكومة يحمل رئيس الجمهورية المسئولية السياسية، علماً ان المسئولية مشتركة وتتحملها الحكومة مجتمعة بموجب وثيقة الوفاق الوطني. الشكوك متبادلة بين أهل الحكم. لكن هذه الحالة لا تساعد على الخروج من المستنقع الاقتصادي، بل قد تتسبب في اغراق المركب المثقوب. تمهلوا فإن لبنان في مهب الريح العاتية، فلا تدفعوا به الى القاع!