فى ظل العولمة وهى فعل متصاعد لتوحيد وتنميط وقولبة كوكب الارض فى المجال الاقتصادى الذى فرض نفسه على بقية المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية تقلص دور الدولة القومية، فهى الآن مهددة فوقيا بافرازات العولمة (تآكل السيادة) ومهددة قاعديا بما عرف بالصحوة الاثنية اما استقلالها السياسى فهو معرض لتهديد مستمر بعد ان اصبح لأمريكا ، بعد الحرب الباردة تأثير كبير على مواقع اتخاذ القرار فى الدول الصغيرة ولها على مستوى العالم مصالح ودور فى اطفاء بؤر التوتر فى دول كثيرة وان اختلفت الوسائل وفقاً لوجود الدولة المعنية... فى قائمة الاصدقاء ام فى قائمة الدول المتمردة؟! ولأمريكا اليوم فى السودان وجود ومشروع وجد القبول طمعا او خوفا من البعض رغم احساسهم بوجود محاولة لفرضه على الجميع دون ان يكون لهم دور فى قبوله او رفضه وما جاء على لسان السيناتور دانفورث وتهديده بالتخلى عن المهمة التى كلفه بها الرئيس بوش ان رفضت الحكومة والحركة الشعبية النقاط الاربع التى تقدم بها لمعالجة قضية جبال النوبة فيه تأكيد لهذا المعنى.خطورة النهج الأمريكى فى محاولته تجزئة الحلول (اسلوب الخطوة خطوة) والتعامل مع كل خطوة بأسلوب مختلف، بعزلها عن بقيه قضايا السودان وهى متداخلة ومتشابكة. فى السودان حرب اهلية نعم ولها اسبابها فى مقدمتها التخلف السياسى والاقتصادى، وفيه تفاعلات نشطة وحاسمة على صعيد الهوية والانتماء واستقطاب عربى وغير عربى اسلامى وغير اسلامى، وفيه دولة عجزت عن تحقيق تطلعات مواطنيها فى مرحلة ما بعد الاستقلال وعن تنمية البلاد وتطويرها وهى فى نظر البعض لا تمثل حقيقة كل النسيج الاجتماعى، وفى السودان احزاب متحجرة وعاجزة بشكلها الحالى عن تمثيل المصالح المتباينة فى المجتمع فهى بعيدة عن الناس تتحدث باسمهم دون الحصول على تفويض منهم. قضايا بهذا المستوى من الخطورة والتعقيد من الصعب معالجتها بحلول جاهزة ومستوردة من الخارج من أمريكا او من غيرها. فالحرب الاهلية بدأت فى الجنوب ولكنها الآن مشتعلة فى مناطق اخرى وهى حرب مدمرة ولها مردود سلبى على كل مواطن فى السودان فى الجنوب وفى الشمال فى الشرق والغرب والمجتمع السودانى مع تعدده الاثنى وتنوعه الثقافى مجتمع مترابط اختلطت فيه الدماء العربية والحامية والزنجية مكونة خلطة جديدة لها خصوصيتها المتميزة. ربما لهذا السبب تحدث تقرير دانفورث عن صعوبة فصل الجنوب عن الشمال لوجود اكثر من مليونى مواطن سودانى من ابناء الجنوب فى العاصمة الخرطوم وحولها ولنفس السبب اجمعت القوى السياسية فى البلاد على رفض اى حديث عن مشكلة الجنوب فالقضية لها بعد قومى وهى لا تهم الجنوبيين وحدهم، ما حدث فى الجنوب واحد من اعراض ازمة مركبة تعانى منها كل اقاليم السودان بدرجات متفاوتة لذلك يجب ان تحل فى اطار قومى فالجنوب جزء من المجتمع السودانى وعنصر مهم فى البناء الوطنى محاولة عزله بفصل قضية الحرب الاهلية فيه عن مجمل قضايا الوطن تعقيد للازمة وليس حلا لها. لتفادى الوقوع فى أيدٍ اجنبية على كل السودانيين اعطاء الاولوية للحل السياسى الشامل بالحوار الجاد وبمشاركة الكل دون نفى او استئصال واخضاع كل صغيرة وكبيرة فى الحوار لمصالح البلد العليا فالوطن فوق الجميع افرادا وجماعات والازمة التى يعانى منها السودان فى ظروفه الحالية خطيرة وجاذبة للاطراف الخارجية للدخول فيها كطرف غالب وصاحب قرار فى حلها، قد يعترض البعض على نظرية المؤامرة فهى موجودة ووجودها لا ينفى قصورنا الذاتى، ضعف الداخل وهشاشته والانقسام حول قضايا مركزية فتح شهية القوى الخارجية للتلاعب بامننا ومصالحنا فهى ومن على البعد تستطيع ان تجمع كل ما تريد من معلومات من الافراد والجماعات التى يحلو لها ان تتحاور مع الاجنبى وتثق فيه اكثر من ثقتها فى ابناء وطنها. الحل السياسى الشامل الدعوة للخروج من الازمة تعنى وقفة مع الذات ونقدها والانتقال الى فضاء اوسع وأرحب، فضاء بحجم الوطن بدل التقوقع فى دوائر ضيقة ومتنافرة بهدف احداث تحول حقيقى فى حياة الناس وعلاقاتهم بالسلطة المفترض ان تكون ممثلة لهم ومعبرة عن تطلعاتهم، نجاح الدعوة وضمان تحقيقها مرتبط بثقة الناس فى انفسهم بدلا من انتظار الحلول الجاهزة والمغلفة وبالتخلى عن رواسب التعصب والتطرف وتعميق قيم التسامح وحق الاختلاف واحترام المغايرة عندها يكون للحوار نتائج ايجابية اهمها الاعتماد على الذات واضعاف فرصة تقسيم السودان وتجزئته لوحدات قابلة هى ايضا لان تتفتت الى وحدات اصغر، الحديث عن الانفصال دون ادراك لما قد يترتب عليه من مهددات ومخاطر على الشمال والجنوب قفزة فى الظلام، الانفصال امر غير مرغوب فيه كمبدأ فى اى بلد فى العالم والاعتراف بمبدأ تقرير المصير وهو الذى اجمعت عليه كل القوى السياسية السودانية فى أسمرة وفى اتفاقية الخرطوم وفشودة اعطى الاولوية للوحدة الطوعية بمعنى ان تجتهد القوى السياسية فى الشمال والجنوب فى بناء جسور الثقة بازالة كل العوائق التى ادت الى فقدانها فى فترة انتقالية محدده بسقف زمنى بعدها تطرح الخيارات فى استفتاء تلتزم فيه كل القوى السياسية بما فيها الحركة الشعبية بالوقوف مع خيار الوحدة اما الانفصال ان تم فهو كارثة على السودان وعلى افريقيا. تاريخيا كل دول افريقيا جنوب الصحراء تم تخطيط حدودها السياسية على الورق فى مؤتمر برلين 1885 دون اى اعتبار للتداخل والتباين الاثنى والثقافى داخل هذه الدول. اوروبا فى ذلك الزمن كانت مدفوعة نحو افريقيا خدمة لمصالح دولها المتعارضة ومتخوفة من ان يتحول التنافس فيها الى مواجهات مسلحة كما حدث فى فشودة بين بريطانيا وفرنسا. خريطة افريقيا السياسية بعد خروج الاستعمار منها بين طياتها قنابل موقوتة ان فتحت ملفات الانفصال، لهذا اهتم الرواد فى منظمة الوحدة الافريقية بهذه القضية وقررت المنظمة مبدأ التزام كل دول افريقيا بالحدود التى تركها المستعمر. السودان افريقيا مصغرة نجاحه فى الحفاظ على وحدته وتماسك مجتمعه فيه دفعه قوية للاستقرار السياسى والمجتمعى لكل دول افريقيا لذلك امام السودان تحديات مواجهتها واجبة ليلعب دوره الرائد فى المنطقة. الحرب الاهلية، التدهور الاقتصادى، تدنى مستوى الحياة اتساع دائرة الفقر بصورة لم يسبق لها مثيل. ان معيار تقدم الشعوب يقاس باحوال القاعدة العريضة الفقيرة لا باحوال القلة من اغنياء المدن والريف ففى ظل الفقر يفقد الانسان القدرة على التفكير السليم والعمل والانتاج. الفقر يسئ الى كرامة الانسان ويضر باستقرار المجتمع وفى ظله تبقى الخيارات امامه محدودة فقد جاء فى احد تقارير الامم المتحدة عن الفقر وحقوق الانسان... انه فى بلد ما وجدت السجون مكتظة بالفقراء رغم ما هى عليه من حالة متردية، عندما تمت محاورة هؤلاء الفقراء كانت النتيجة غير متوقعة اذ اعترفوا بانهم اختاروا التضحية بحريتهم من اجل ضمان سقف ينامون تحته ووجبة يتناولونها ايا كان مستواها وبغض النظر عن الظروف المعيشية المتدهورة فى هذه السجون لذلك يجب ان يسعى الجميع الى معالجة الازمة بوقف الحرب واقامة السلام العادل، التحول الديمقراطى والتنمية بكل ابعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ففى ظل الفقر والتخلف الاقتصادى والاجتماعى يصبح الحديث عن مشاركة حقيقية امراً مشكوكاً فيه. تحد اخر لم يجد الاهتمام فى الماضى وهو ان يشمل الاصلاح السياسى مؤسسات الدولة والاحزاب السياسية احزابنا السياسية مصابة بأمراض كثيرة فهى فقيرة فكريا وفاقدة للرؤية اضافة الى ضعف بنيتها التنظيمية وانعدام روح الانسجام بين قياداتها. معالجة كل هذه القضايا تتطلب ان نحرر انفسنا من الخوف من انفسنا ومن غيرنا ومن الوهم بأن فى يد أمريكا مصير الدنيا باجمعها ومن الهوى والاندفاع دون وعى وراء مصالحنا الذاتية وتقديمها على مصالح البلاد وان تكون لنا ارادة وشجاعة على الاعتراف بالأخطاء والشروع دون تردد فى اقامة نظام ديمقراطى يمثل حقيقة كل المجتمع السودانى دون تميز اما محاولات التلفيق والاصلاحات الجزئية فهى فى النهاية اضافه غير موفقة لما سبق من تجارب فاشلة خاصة ونحن فى زمن لا مكان فيه لمن تخلفوا عن روح العصر وأدواته.