في عام 1969، سافرت مع أربعة من الأشقاء التونسيين في سيارة مستأجرة من ولاية كولورادو، حيث كنا ندرس هناك في فصل الصيف الى ولاية كاليفورنيا. وأثناء عبورنا بولاية «دايومنج»، أوقفني ضابط سير فيدرالي لأنني كنت اسوق بسرعة فوق السرعة المسموح بها. وقرأ اسمي وسأل «من أين أنت؟» فقلت من «جوردان»، أو الأردن، فرد سائلاً بتعجب: «من جورجيا؟» فقلت له: «لا.. الأردن.. البلاد المقدسة. وسأل: «وهل هي بالقرب من إيران». فتضاحكت قائلاً: «نعم، هي أقرب الى ايران من ولاية دايومنج». وقال سائلاً: «وهل أنتم».. فقطعت عليه سؤاله وسألت بدوري: «هل تعرف الملك الحسين؟» فأجاب مبتسماً: «نعم.. نعم.. هذا الرجل الشاب الذي يقود طائرته بنفسه». فقلت: «نعم.. هو ذاك الرجل وأكثر بكثير» فقال: «آه.. أهو ملك بلادك؟ فقلت: نعم».. ونظر الى رخصتي وإليّ وقال: «اسمع.. انتبه من السرعة.. في بلادنا السواقة امتياز، وليست حقاً». وتركني أرحل بدون أن يصدر بحقي مخالفة سير بحسب السرعة الزائدة. تذكرت هذه الرواية الصغيرة التي حصلت معي، ومع كثيرين في مواقف مثل هذه داخل الولايات المتحدة. وبقيت الذاكرة في خيالي مطبوعة ان الأردن والملك توأمان، وكلاهما يُعرف بالآخر. وفي الآونة الأخيرة، بدأنا نلحظ بروز اصطلاح جديد باللغة الانجليزية وهو «كنتري بروفايلنج» (Country Profiling)، أو تسويق دولة أو بلد تحت عنوان معين. وهذا واضح كل الوضوح في دبي مثلاً. حيث ارتبط اسم الامارة باسم آل مكتوم وصارت دبي تحمل لدى الناس انطباعاً بأنها مدينة الأعمال، مدينة المناطق الحرة، مدينة برج العرب، مدينة الأسواق التجارية، مدينة الخدمات الهاتفية المتطورة، مدينة البنية التحتية المتفوقة.. وهلم جرا. ولها في كل ميدان شعار، أو صورة. والشعار والصورة مرتبطان باسم الرجل المسئول عن ملفها الاقتصادي وهو الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم. ونجحت دبي في ذلك نجاحاً كبيراً.ورأيت على شاشة التلفاز يوم الجمعة الموافق 9 مايو الجاري فيلماً سياحياً ممتازاً عرضته قناة «ديسكفري» عن الأردن. وقد رافق مقدم الفيلم الرجل الذي يريد تسويق الأردن بمعايير ومقاييس حديثة، وهو الملك عبدالله الثاني. وقد بدا واضحاً ان عناصر التسويق ارتكزت على عدد من الاعتبارات المهمة. أولها هو ربط الملك وأسرته الممتدة بالأردن دون الإخلال بنجومية الملك نفسه. ولذلك بدا الملك عبدالله الثاني رجلاً مخاطراً بحساب، عاشقاً لبلده ومطلعاً عليها، محباً للرياضة مع تركيز خاص على عضلات جسمه المفتولة بصفته بطلاً من أبطال القوات الخاصة. وأما النقطة الثانية فكانت إبراز بعض الجوانب المعروفة عن الأردن مثل البتراء ووادي رم والعقبة وجرش قلعة الربض، وأماكن ليست معروفة، رغم جمالها الفتّان وهي وادي الموجب، أو ما أسماه الملك بـ «الجراند كانيون الأردني». والثالث هو الحفاظ على البيئة وعدم الاخلال بها كما هو واضح من اعادة الحياة الى مياه العقبة والكورال والأسماك في البحر هناك. والاعتبار الآخر هو الحفاظ على التاريخ واحترامه مثلما هو حاصل في مدينة جرش الرومانية، وقلعة الربض الاسلامية، والبتراء على أساس انها جزء من التراث الإنساني. ولكن النقطة الأهم هي اظهار الملك بإنسانيته وحبه للحياة، وتعامله مع التقليد والمعاصرة بأسلوب سهل سلس على انه الوجه الآخر للأردن، فهو والأردن وجهان لنفس العملة. وهذا هو التسويق الذي يسمى الآن باللغة الانجليزية «كنتري بروفايلنج». ولا شك ان الفيلم كان ناجحاً بكل المقاييس الفنية والدعائية ولم يخل مقدم الجولة السياحية واسمه «بيتر» من الاشارات خفيفة الظل، فهو بدين وغير لائق صحياً بالقياس الى الملك الشاب أو أي من اخوته الآخرين الأمراء فيصل (يسابق على طراد مائي) وعلي (يتحدث بطلاقة على انه رياضي» وحمزة (يقفز بالمظلة من الطائرة وهو أمر لم يعد الملك يستمتع به)، وهاشم (الذي تسلق الصخور في وادي الموجب وقفز بالحبال فوق الشلال). ورأينا نفس الأسلوب يستخدم في تعريف الملك لأبنائه الحسين وإيمان والطفلة الجديدة الضاحكة. وفي نهاية الأمر، بدا ان الملك عبدالله الثاني قد ضحى بنمط حياة حين تسنم المُلك، ولكن هذا يعني ان الملك يريد ابراز البعد الانساني لشخصيته، وهو عادة مزيج ممتاز بين الحكم من ناحية والجوانب الإنسانية من ناحية أخرى. من الواضح ان أداء الملك عبدالله الثاني في الاعلام هو أداء متميز. يختلف في أسلوبه عن أسلوب المغفور له والده الراحل حسين. فالملك الراحل كان يركز على البعد السياسي الانساني الأمني، أما الملك الابن فهو مهتم بالاقتصاد والإدارة والحداثة. هذا لا يعني ان كليهما لم يهتم بمرتكزات الآخر، ولكن الأولويات والنظرة مختلفة، وان تشابه المحتوى. يستحق الملك عبدالله الثاني التقدير على هذا التسويق الناجح للأردن سياحياً.