سفحنا زماننا ونحن نطالب بالإصلاح في منظمة التحرير الفلسطينية: إصلاح المؤسسات ووقف الفساد والتبذير وترسيخ جماعية القيادة وترسيخ التزام الأقلية، برأي الأغلبية وفتح مجال أوسع لحرية الرأي والاجتهاد وفي كل مرة كانوا يقولون لنا أن الوقت غير مناسب فالثورة في حصار والخصوم المتربصون يبحثون عن أخطائنا فلا ترموا الزيت في مكان غير مكانه وحتى لو كان كل ما تقولونه حقاً فإنه حق يقود إلى باطل. مرت عقود متواصلات والنغمة لم تتغير: الوقت غير مناسب وفي كل منعطف كان الوقت مناسباً في الحقيقة. طالبنا بذلك بعد سبتمبر 1970 في الأردن لنعرف إن كان ما حصل في شوارع عمان وأربد والزرقاء قدراً لا مفر منه، أم ماذا ولم نظفر بأية مراجعة ولم تسقط شعرة من رأس أي قيادي ولم يقدم مسئول واحد استقالته. وبعد الخروج من لبنان صيف 1982 كنا أمام مرحلة جديدة وودعنا مرحلة التلاصق مع حدود الوطن إلى المنافي البعيدة. صرخنا بأعلى صوت أن الوقت مناسب تماماً لإزالة الشحوم التي تعطل حركة شرايين الثورة، وكانت النتيجة صاعقة تماماً: الرموز التي أشرنا إليها جميعاً بضرورة أن ترحل فوراً صعدت درجات جديدة في السلم القيادي، وحصل الانشقاق شبه المسلح في حركة فتح أوائل عام 1983م حين فقد الجميع الأمل في إصلاح سوف يأتي يقوم عبر الحوار والإقناع وقد تم إقفال كل قنوات التغيير بأقفال من فولاذ. وبعد أوسلو عام 1993م رأى كثيرون أننا أمام مرحلة جديدة ستنتقل فيها الثورة لبناء الدولة، وهي صنعة غربية على الثوار. كاتب هذه السطور قام بتشكيل مجموعة في الساحة الفلسطينية آنذاك أسميناها: «مجموعة الإصلاح والديمقراطية» وكان د. حيدر عبد الشافي نجم هذه المجموعة. شددنا الرحال إلى تونس وقدمنا مذكرة من ست نقاط فيما نراه ضرورياً لمرحلة الانتقال من الثورة إلى الدولة، وناقشنا كل نقطة بإسهاب مع الرئيس ياسر عرفات وأعضاء اللجنة التنفيذية وعدنا أدراجنا إلى عمان وغزة ورام الله، واختفت أوراق الإصلاح وجاء القوم إلى رام الله ليقيموا سلطة مليئة بالثغرات، باعترافهم قبل اعتراف غيرهم. وتحدث الجميع حول بناء المؤسسات وفصل السلطات والشفافية والمحاسبة والتوقف عن عسكرة «المجتمع» وعن بناء «الأجهزة الأمنية» التي تكاثرت بصورة غير طبيعية وغير مقبولة وضرورة وجود مؤسسة حاكمة وليس فرداً بيده الأمر والنهي. فقلنا إنه لأمر معيب أن لا يكون هناك نائب رئيس يقود الاجتماعات الاسبوعية في غيابه ومن الأفضل أن يكون هناك رئيس للوزراء ونواب لرئيس الوزراء لضمان استمرارية العمل أمام أي طارئ وذهبت كل النداءات أدراج الرياح. العشرات من الفلسطينيين المؤهلين الذين بنوا دولاً ومؤسسات عملاقة في هذا العالم وعملوا بكفاءة نادرة في كل المؤسسات الدولية، عادوا للوطن للمساهمة في بنائه، وتركوا كل المغريات حينما كانوا يعيشون وقبلوا برواتب متواضعة، لكنهم لم يتمكنوا من الاستمرار. صرخنا بأعلى الصوت ودفعنا الثمن بأنه لا يجوز لرجالات الثورة أن يغتصبوا عملية بناء الدولة، دون أن تكون لديهم أية خبرة في هذه المجالات وفي عالم تقدمت كل وسائل البناء والتقدم فيه في السنوات العشر الأخيرة، بشكل أسطوري. ما حدث في الجزائر يعود في جذوره لقيام رجالات جبهة التحرير الجزائرية، فهم ثوار من دون شك، باغتصاب مواقع بناء الدولة، دون خبرة في هذا المجال. انتشر الفساد واختل البنيان وكان ما كان. قاطعني الرئيس عرفات ولم يعد يلقي التحية حين نتواجه في أي مكان، حين كتبت أن ونستون تشرشل هو القائد البريطاني الذي قاد بلاده نحو النصر في الحرب العالمية الثانية، ثم أسقطه شعبه في أول انتخابات بعد أن وضعت الحرب أوزارها، لأنهم يريدون قائداً يتقن فن البناء وليس فنون الحرب والكر والفر في ميادين الوغى. في هذه الأيام يتحدثون عن ضرورة حدوث تغيير جذري في كل مؤسسات السلطة الفلسطينية، المدنية والعسكرية، إذ أننا، كما يقولون، أمام مرحلة جديدة تحتاج سياسات جديدة. لا أحد يقول ما هي معالم هذه المرحلة الجديدة، وما هي معالم التغيير المطلوب. الجميع يتحدثون بالتلميح دون التصريح، لأن كلمة السر ما زالت في جوف رجل واحد ولا أحد يعرف بالضبط ماذا يريد وكيف يفكر في هذه الأيام، الكالحة السواد، رغم كل إدعاء بغير ذلك.