يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه يقدم لنا إطلالة نادرة على جذور الشركة، المؤسسة، الكيان العملاق الذي سيتحول الى القوة العظمى الوحيدة في العالم. هكذا تجتمع الوثائق والتحليلات التاريخية والدراسات الاقتصادية والاجتماعية المعمقة لتقدم لنا ضوءاً كاشفاً على هذا اللغز ، الذي اسمه أمريكا الذي يعيش اليوم مرحلة إعادة تشكيل العالم بالقوة السافرة . والمؤلف هو جاك بيتي، المحرر الأقدم في مجلة «اتلانتك منثلي» ومؤلف العديد من الكتب والدراسات التي يتصدرها كتاباه عن السياسي الأمريكي جيمس مايكل كيرلي والمفكر بيتر دراكر. مع السنوات الاولى من القرن العشرين، اجتاحت الحياة الاقتصادية الامريكية موجة عاتية من التحول من المشروعات الصغيرة التي كان يملكها ويديرها فرد او مجموعة صغيرة من الافراد ـ دع عنك ان تملكها اسرة متضافرة قليلة العدد يألفها الزبائن ويعرفون افرادها بالاسم والشكل والمودة في بعض الاحيان ـ الى حيث نشأت كيانات ضخمة من شركات وكيانات عملاقة غربت معها الى الابد شمس المشروع الصغير لصالح الكيان البالغ الضخامة الذي يحتل مباني عملاقة ويدير سلاسل من الفروع والتوابع في بقاع شتى ويبعث اسمه ونفوذه رعدة من رهبة في نفوس المستهلكين. في عام 1904 بالذات تجسد هذا التحول بالاقتصاد الامريكي فيما يسميه مؤلف كتابنا بعملية ـ هل نقول معركة او «مجزرة» ـ سحق 1800 شركة صغيرة ومتوسطة الحجم لصالح كيانات مدمجة وعملاقة اقتصر عددها تحديداً على 157 كياناً واصبح يصدق عليها الوصف الذي لخصه المحللون الاقتصاديون من تلك الحقبة في عبارات قالوا فيها: لقد تحولت الولايات المتحدة من امة تحوي مشروعات تعيش المنافسة الحرة ويمتلكها افراد متنافسون لتصبح بلداً يسيطر عليه ويتحكم في اقداره عدد صغير من المؤسسات العملاقة. اصطناع المارد هكذا تم إيجاد او تشكيل او اصطناع المارد الذي بات يجسد الكيان الاكبر وهو الولايات المتحدة نفسها ـ الدولة والبلد والثقافة والتوجهات. وفي هذا الاطار نجمت روح جديدة تسود هذا المارد الجديد على امتداد القرن الماضي او ما اطلق عليه كاتب امريكي الوصف التالي: روح المؤسسة التي تفتقر الى اي قسمات انسانية وتتمثل في كيانات الاعمال والتجارة (البزنس) الضخمة وقد شكلت فيما بينها جوقة من الاصوات التي تزعق بغير روح ولا مشاعر. ثم جاءت احكام المحكمة العليا بالولايات المتحدة لتزيد الامر تفاقماً. جاءت لتضفي روحاً او تنفث انفاس الحياة في هذا الكيان ـ المارد العملاق شبه الاسطوري الذي خرج الى الحياة بغير روح ولا حياة، ذلك لان المحكمة العليا انتهت في احكامها الى ان هذه الكيانات العملاقة هي شخص او شخصية في المحل الاخير بمعنى انها شخص قانوني او شخصية اعتبارية كما تقول مصطلحات الفقه التشريعي. وفي هذا السياق بالذات نشطت هذه الكيانات المستجدة العملاقة الى تجميل صورتها والى تقريب هذه الصورة المخيفة من قلوب وعقول الجماهير، وفي هذا السياق نفسه كان مولد التخصص الذي قيض له ان يسيطر ولايزال مسيطراً على مرافق وقطاعات الحياة الامريكية تحت اسمه الشهير: العلاقات العامة (بي آر كما يقول الاختصار الامريكي الشائع الاستخدام). تبادر فتقول من واقع سطور هذا الكتاب ان العلاقات العامة ليست كما قد يتبادر الى ذهن «الاخوة» في العالم الثالث مثلاً مجرد حملات بروباجندا او توزيع منشورات دعائية ساذجة او تحريك جماعات الراقصين ـ الراقصات بالذات ـ امام كاميرات متلفزة اكثر فجاجة واشد سذاجة، ولا هي بطبيعة الحال لقطة او لقطات يحظى فيها المشاهدون المغلوبون على امرهم ـ ضمن اعلان مدفوع ـ بصورة السادة مديري الشركة او اعضاء مجلس ادارة المؤسسة وقد امسك احدهم سماعة هاتف او انكب اخر على ورقة يكتب شيئاً ـ اي شيء، لزوم اوضاع التصوير. العلاقات العامة ـ وهذا بديهي ـ بدأت عنصراً مستجداً بحكم الضرورة ثم نضجت بالتطور لتصبح فناً يمارسه موهوبون، بل مبدعون في مجالات الاتصال والاعلام والاعلان وعلم النفس الاجتماعي، ومن ثَم بلغت اوجها الى ان اضحت علماً قائماً بذاته له اصوله ومبادئه وامكانات اخضاعه للقياس والدرس والتقويم. الاحتكار المحبوب مع هذا كله ظل هدف العلاقات العامة واحداً لا يتغير وهو «تجميل الصورة» سواء كانت صورة المؤسسة او صورة السلعة المنتجة او الخدمة المتوخى تقديمها. وفي العقود الاولى من القرن العشرين كان تجميل الصورة يتمثل في تقريب العملاق من افهام الناس الذين كانوا قد تعودوا على التعامل مع المؤسسات او الشركات البسيطة التكوين او الصغيرة الاحجام، كان المطلوب كما قد نقول هو بناء الجسور التي تتيح نقلة التحول من الدكان الى الشركة، ومن الشركة الى المؤسسة، ومن ثم من المؤسسة الى الكيان المندمج العملاق الذي يطل على جماهير المتعاملين من خلال اسم تجاري رهيب وطاقات اقتصادية بالغة الضخامة، وكيان اداري اقرب الى بيت الاسرار الاسطوري ولا يكاد الناس يعرفون عن اصحابه او مديريه شيئاً يذكر لا من قريب ولا من بعيد. يقول مصنّف كتابنا جاك بيتي: ان اكبر حملة علاقات عامة شهدتها اوائل القرن العشرين هي تلك التي شنتها شركة الاتصالات الهاتفية الكبرى في امريكا المعروفة باسم (إي تي آند تي). لقد دامت هذه الحملة نحواً من 30 سنة (!) من الاعلان المؤسسي المنتظم والمنهجي وتجسد هدفها في عبارة محورية تقول: تحويل المؤسسة المذكورة في الذهنية الجماهيرية من «مرفق مكروه» الى «احتكار محبوب». وفي اطار مثل هذه الحملات اتخذ مديرو تلك الكيانات العملاقة اجراءات متنوعة تهدف في مجملها الى «أنسنة» تلك الكيانات بمعنى اضفاء الطابع الانساني عليها.. وبهذا شهدت الساحة استهلال برامج تحمل عناوين من قبيل «رفاهية الموظفين وخدمة البيئة الاجتماعية المحيطة بمقار المؤسسات العملاقة، وهي خدمة تمثلت في الاتفاق على حدائق وساحات خضراء وعمليات تشجير وتجميل. في حين رأى المراقبون انها تقصد بالذات الى التأثير على قطاع المرأة في مناطق الجيرة التي تعيش فيها المؤسسات العملاقة، وقد اقتضى هذا الامر ايضاً ان تعمد مقار تلك المؤسسات العملاقة الى اقتناء لوحات اشهر الرسامين التي اصبحت تعلق على الجدران في المكاتب والمصانع ويطالعها الزائرون وكأنما تحمل رسالة واضحة الدلالة تكاد تقول: صحيح اننا عمالقة.. وصحيح ان ميزانياتنا دخلت خانة البلايين وصحيح ان هدفنا هو بلايين اخرى تأتينا على شكل ارباح.. ولكننا مع هذا كله لنا قلوب تشعر واذواق تنتقي ووجدان يقدر الفن ويعشق الجمال بعيداً عن لغة الارقام ومنطق الاحصاءات.. الخ. ومن عجب ان نجحت حملة العلاقات العامة في ابعاد مشاعر التخوف او التوجس التي كان الجمهور يحسها ازاء عملاق الاتصال السلكي الجديد. وبلغ هذا النجاح الحد الذي بات العكس هو الصحيح. بمعنى ان شركة (اي. تي آند تي) وهو اختصار الشركة الامريكية للاتصالات الهاتف والتلغراف، اصبحت تعلن في تفاخر عن «عملقة» كيانها لتقول لملايين الزبائن انها بفضل هذا الكيان العملاق ـ وما يتبعه من نفوذ بالغ العهد والفعلية والتأثير في المجتمع والسياسة وربما التشريع في امريكا ـ فإنها بهذا افضل من يخدم واقدر من يصلح في مضمار تخصصها بالنسبة للمستهلك الامريكي. هكذا طرحوا الشعار الذي ساد لفترة طويلة الحياة الامريكية وهو: في خدمة الجمهور وتحت لواء هذا الشعار تعددت صور الاعلانات ـ أبيض وأسود ـ التي يحرص مصنف الكتاب على ان يوافينا بها صفحات كثيرة اعلان يجعل خريطة امريكا كلها تحت اصبع رجل انيق يستخدم سماعة الهاتف التي توزعها شركة الاتصالات العملاقة واعلان اخر يحوي لقطة الى اليسار لمبان حضرية تبدو وكأنها مباني الحكومة الاتحادية في واشنطن ـ الكابيتول، الكونجرس وربما البيت الابيض ـ ، ولقطة الى اليمين تصور اكواخاً في بيئة ريفية وتطل على مياه نهر يحوي زورقاً صغيراً وبينهما سماعة الهاتف التي تحمل تحتها صورة الناقوس الشهير (اسمه في الانجليزية هو «بل» بكسر الباء وهو الاسم الذي حمله ـ بمصادفة تاريخية ـ مخترع جهاز الهاتف الكسندر جراهام بل). واذا كنا قد شرحنا صورة الاعلان في سطور عدة فقد جاء الاعلان برسالة يلتقطها المستهلك العادي في لمحة سريعة او خاطفة تقول: ان الشركة العتيدة ـ العملاقة حتى لا تنسى ـ هي القادرة على الوصل السريع بينك في الريف او النهر او البحر وبين المدينة.. بل بينك اينما كنت وبين النواب في الكونجرس او ولاة الامور في الادارة الحاكمة بالكابيتول في واشنطن العاصمة. ثم جاءت الفترة التي استخدمت فيها شركة الاتصالات السلكية الامريكية عنصر المرأة وكان استخداماً دقيقاً وذكياً وقد نقول ومثقفاً ايضاً. لم يبادروا الى تعرية المرأة وعرض مفاتن جسدها بضاعة رخيصة في فترينة الاعلان. وربما لأن الناس في النصف الاول من القرن العشرين كانوا اكثر تحفظاً وربما اشد احتشاماً، والمهم انهم نشروا اعلانات عن المرأة وهي تنسج خيوطاً دقيقة وجميلة على نول شبه اثيري ترتبط خيوطه بالشبكات المحمولة على اعمدة التلغراف وتحتها كلام رقيق عن خيوط التواصل والنجوى بين الافئدة والقلوب. ونشروا اعلاناً آخر عن الارملة الشابة التي استثمر زوجها الراحل في اسهم عملاق الاتصالات اياه وها هي تجلس على مقعد وثير بين طفليها تتأمل بوليصة استمارة الارباح التي جنتها من اسهم الشركة العملاقة وفي ادنى الصورة جموع من المساهمين البسطاء في انشطتهم العادية في رسالة تكاد تقول انت مع شركة الاتصالات تربح دائماً في حين ان مؤلفنا يلاحظ ان مثل هذه الصور الجامعة الشاملة لا يظهر فيها قط اي ملمح لواحد من مديري الشركة ولا اعضاء البيروقراطيات المتحكمة في ادارتها. الوحش مع هذا كله، وعلى الرغم من جهود اختصاصي العلاقات العامة التي تهدف إلى تجميل وتزيين كل شيء، فقد اصبح المجتمع الامريكي يتعامل مع تلك الكيانات التجارية الديناصورية كمن يتعامل مع وحش اسطوري فظيع. ليس صدفة اذن ان يخصص مصنف هذا الكتاب فصلاً بأكمله تحت هذا العنوان «الوحش». والعنوان مستقى من رواية «عناقيد الغضب» للكاتب الامريكي الاشهر جون شتاينبك وبطل هذه الرواية بنك اقليمي في ارياف امريكا وهو مؤسسة تستغل موظفيها فيما تستحل عرق العمال المساكين الذين يتعاملون معها ويقترضون من اموالها. تدور احداث الرواية خلال ازمة الكساد الكبير الذي اصاب الاقتصاد الامريكي ما بين اواخر العشرينيات ومستهل الثلاثينيات، تحول المصرف من مؤسسة للاستثمار الى كيان اخطبوطي مروع لا يهمه نزع ممتلكات المزارعين لقاء رهوناته ولا يعنيه قطع ارزاق الفلاحين اذا ما عجزوا عن سداد الاقساط. هنالك يقول احد ابطال رواية «عناقيد الغضب»: البنك اصبح كياناً اكبر من كيانات البشر، دعني اقولها.. هو الوحش الذي لا يقف شيء في طريقه. صحيح ان الناس هم الذين صنعوه لكنهم أصبحوا عاجزين عن السيطرة عليه.ويعلق مؤلف كتابنا قائلاً: ان المعنى هنا ان الانسان يصنع المؤسسة وحين تكبر تصبح كالمارد الذي يخرج من محبسه في قمقم عتيق فلا سبيل الى التحكم فيه، والمعنى ايضاً ان الانسان يموت ولكن المؤسسة تظل كائناً لا يعرف الفناء، شيء اقرب الى فرانكنشتين ـ الوحش الخرافي الذي صنعه احد العلماء.. وظل طليقاً على حريته وسيظل هكذا ولن ينتهي الا اذا صادفه الفشل (بمعنى اذا صادفت المؤسسة كساداً او بواراً) وبغير ذلك ستمضي المؤسسة المارد او الوحش الاسطوري في طريقها حيث تتجسد حريتها الاقتصادية في سحق حرية الافراد. والانكى من ذلك ان الادارات الفيدرالية الحاكمة في العاصمة واشنطن كانت تصدر باستمرار عن منطق الدعم والمؤازرة لبناء واستمرار واستشراء تلك الكيانات العملاقة التي تمثلت في كبرى الشركات والمؤسسات التي تحكمت في كل تقاليد الحياة الاقتصادية بالولايات المتحدة. ومنذ اعتبرت المحكمة العليا ان للمؤسسة العملاقة كياناً اعتبارياً وانها بهذه الصفة الاعتبارية تعد من «اشخاص» القانون العام بكل ما يعنيه ذلك من حقوق للمؤسسة وامتيازات. فقد ظلت واشنطن تقدم معونات لدعم قيام المؤسسات الاحتكارية الكبرى بل وتعمل قصاراها على اقالة المؤسسات المتعثرة من مشاكلها ورغم ان زماننا المعاصر شهد رؤساء امريكيين مثل رونالد ريجان كانوا يطالبون باطلاق كل الحريات امام الاحتكارات العملاقة بعيدا عن أي رقابة حكومية أو أي ترشيد حكومي أو أي اشراف لصالح الجماهير من جانب الحكومات ـ رغم هذا فقد ظل ريجان يجاهر بأن الحكومة هي عدوة الصناعة وعدوة النشاط الانتاجي بحكم ما تمارسه الحكومة ـ أي حكومة ـ من سلطات للاشراف أو المتابعة أو الرقابة المطلوبة أو التوجيه. ومع هذا كله فها هو مؤلف الكتاب ـ جاك بيتي ـ ينبهنا الى حقيقة ان حكومات واشنطن ظلت المشجع الأكبر والحاضن الرئيسي لأهم مرافق الصناعة والخدمات والانتاج في الولايات المتحدة، ولولا الحكومة ما استمرت مرافق السكك الحديدية تؤدي مهمتها، ولولا دعم الحكومات الأمريكية بل ولولا اموالها المسرفة في السخاء ما قامت المؤسسة السوبر ـ عملاقة التي ما برحت تتحكم في مسارات الحياة بالولايات المتحدة وتكاد تطبعها بطابعها، هي المؤسسة الناجمة عن تحالف دوائر الصناعة مع دوائر البنتاجون ـ وزارة الدفاع الأمريكية ومن اجلها تدخل أمريكا حروبا وتنغمس في خضم صراعات وتشجع مختبرات البحث والتطوير. هذه المؤسسة العملاقة اكتسبت اسمها تاريخيا من التسمية التي اطلقها عليها الرئيس الامريكي الاسبق الجنرال دوايت ايزنهاور وهي: المجمع العسكري الصناعي.